هل يتم إقرار صفقة القرن في مؤتمر ميونخ للأمن؟

لا شك أن وجود الرئيس المصري لأول مرة في المؤتمر يطرح بتساؤلات عديدة عن المشاركة المصرية رفيعة المستوى في مؤتمر يختص بالأمن الأوربي؟
لأول مرة يشارك رئيس مصري في مؤتمر ميونخ للأمن منذ دورة انعقاده قبل 55 عاما، فمصر كانت دائما رمزية المشاركة، ولا يتعدى رئاسة الوفد المصري السفير في ألمانيا، أو وزير الخارجية، وأحيانا رئيس الوزراء.
فالمؤتمر في الأساس يختص بالسياسات الأمنية الأوربية، ودور الناتو في فض النزاعات الدولية، والحفاظ على حدود أوربا والتصدي للخطر الروسي.
إذن هو مؤتمر وزاري يشارك فيه أكثر من 100 وزير، وعدد قليل من رؤساء وزراء، ورؤساء جمهوريات لا يتعدى العشرين أغلبهم من دول أفريقية وآسيوية لا دور أساسيا لهم في المؤتمر إلا انتهاز المناسبة لتلميع صورهم، مستغلين الحشد الإعلامي الكبير المرافق للمؤتمر.
لا شك في أن وجود الرئيس المصري لأول مرة في المؤتمر يطرح بتساؤلات عديدة عن المشاركة المصرية رفيعة المستوى في مؤتمر يختص بالأمن الأوربي؟
فهل سيكون لمصر دور مستقبلي في الحفاظ على أمن أوربا بمعني الحد من الهجرة عبر المتوسط والتي تسبب صداعا مزمنا للأوربيين؟، وما هو دورها المرتقب في صفقة القرن الترامبية؟، خاصة أن هذا التجمع يأتي قبل أيام قليلة من جولة غاريد كوشنر مهندس الصفقة في عدد من الدول العربية ربما لبلورة الأمر قبل الإعلان عنها بشكل مباشر؟
في الواقع لن تخرج المباحثات المصرية في المؤتمر عن هذين الموضوعين، وبغض النظر عن كلمة السيسي التي تحاول فيها إقناع الأوربيين بدوره المهم في مكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة إلى أوربا عبر الشواطئ المصرية، فإنه ولا شك سيحاول استغلال اللقاءات العديدة التي تجري على هامش المؤتمر في الدعاية الداخلية غير المباشرة لعملية تغيير الدستور التي تجري علي قدم وساق في مصر الآن.
إن اختفاء معارضة حقيقية داخلية وعدم وجود أي ضغط أوربي أو أمريكي من شأنه التعجيل بالتعديلات الدستورية التي ستتيح له حكم مصر حتى سنة 2034 وربما بعدها؛ خاصة وأن الطريق ممهد له في غياب أي ضغوط لهذا سيكون الدور المصري إيجابيا وفعالا في التمهيد لصفقة القرن ..
نفس الوضع ينطبق على السعودية الدولة الهامة، والتي يمكن لها أيضا أن تضغط على عباس بشأن تمرير الصفقة، فبعد فضيحة مقتل خاشقجي ومحاولات ترامب المستمرة من أجل حماية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، سيكون بالتأكيد هناك رد للدين.. خاصة وأن علاقات قوية ما زالت تربطه بكوشنر مهندس صفقة القرن.
إذن في المؤتمر ليس مهما ما يجري في العلن وأمام الكاميرات وشاشات التليفزيون، فالأكثر أهمية هو ما يجري في اللقاءات السرية غير العلنية وعقد الصفقات بالنظر إلى هذا التجمع العالمي الكبير، وإقامة أغلب الوفود في الفندق الملكي “بايرشا هوف” الذي تجري فيه أصلا فعاليات المؤتمر على مدار 3 أيام مما يتيح الفرصة لسهولة اللقاءات دون الحاجة إلى إجراءات أمنية مزعجة وبعيدا عن أعين الكاميرات.
هنا يمكن القول بأن علاقة الرئيس المصري بأمن أوربا تتمحور في نقطة واحدة وهي وقف الهجرة عبر المتوسط للشواطئ الأوربية ..
فعلي مدار السنوات القليلة الماضية دار غزل بين مصر وعدد من الدول الأوربية المعنية بملف الهجرة مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا، وفي كل مرة كانت مصر تؤكد قدرتها على لعب دور في توطين المهاجرين في مصر مقابل مساعدات تساعد في معيشتهم ..
وهذا ما دفع ألمانيا إلى إبرام اتفاق مع مصر تحصل بمقتضاه على 500 مليون يورو في العام، إلا أن الأوربيين يأملون أن يتعدى الدور المصري شواطئ مصر ويغطي منطقة الشمال الأفريقي لاسيما الشواطئ الليبية القريبة من مصر، والتي تعد أخطر بؤر الهجرة إلى أوربا ..
ومن ثم وقف هذا الصداع الذي يزعج أوربا والذي تسبب في مشاكل أوربية عديدة منها نجاحات سياسية لأحزاب اليمين المتطرف، وخروج إنجلترا من الاتحاد الأوربي، ثم نهاية حقبة ميركل السياسة واعتزالها العمل السياسي بحلول انتهاء مدتها فى2021.
إن وجود شركاء صفقة القرن مجتمعين في المؤتمر، كوشنر، السيسي، نتنياهو، نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، ومحمود عباس وربما ملك الأردن، وممثل السعودية الذي يكون غالبا في المؤتمر تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية الأسبق يؤكد أن مباحثات مهمة ستجري بشأن صفقة بخصوصها ..
وهي مباحثات ستكون هامة وسوف تسبق زيارة كوشنر إلى عدد من الدول العربية، خاصة وأن تلك المباحثات المرتقبة لم يفصل بينها وبين مؤتمر وارسو إلا ساعات قليلة .. فمؤتمر وارسو الذي دعا إليه وزير الخارجية الأمريكي عدد كبير من دول العالم لتوحيد الصفوف ضد سياسات إيران في المنطقة ومن ثم معالجة الوضع في سوريا ودراسة صفقة القرن لم يحقق أي نجاح بعد اعتذار عباس وممثلة الاتحاد الأوربي وكذلك روسيا، بل إن عقد مؤتمر في نفس الوقت بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا في منتجع سوتشي في روسيا ورفضهم حضور مؤتمر وارسو جعله مؤتمرا غير ذي جدوي وفشل فشلا ذريعا.
بعيدا عن المؤتمر والمؤتمرين فان المنطقة المحيطة بالفندق ووسط مدينة ميونيخ تتحول إلى النقيض مما يجري من مباحثات داخل المؤتمر ..
فهي تتحول إلى ساحة مهمة للمدافعين عن حقوق الإنسان، والمناهضين للحرب، ولحلف الناتو ويحضر إلى ميونخ نشطاء من كل أرجاء القارة الأوربية للتنديد بالمؤتمر، والرؤساء المجتمعين، وسياسة الولايات المتحدة، والمناداة بوقف الحروب، ووقف الفتن، ورفع الظلم عن المظلومين، والعمل علي جعل العالم أكثر أمنا وسلاما.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
