أحمد الطنطاوي هل يعيد الثقة لشباب الثورة؟

كلمة النائب الشاب بمثابة إعادة اعتبار لشباب الثورة الذين تعرضوا عبر خمس سنوات، هي عمر النظام الحاكم، لكافة أشكال القهر والظلم.
وقف الشاب الثلاثيني في مجلس نواب النظام المصري ليعلن أن: كل ما يقوم به المجلس من عدوان على الدستور هو في حقيقته تغيير كامل لبنيته وتغيير لشكل الدولة، وهو أمر باطل دستوريا، ويجب رفض هذا العدوان.. ثم ختم كلمته القصيرة بمقطع شعري للشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قائلا:
ومصر عارفة و شايفة وبتصبر
لكنها في خطفة زمن
تعبر وتسترد الاسم والعناوين.
ما إن خرج فيديو كلمة النائب الشاب حتى تلقفته صفحات الآلاف على وسائل التواصل الاجتماعي ليصبح عدد مشاهدات الفيديو في ساعات قليلة مليون، ويتضاعف في اليوم التالي، وهي ظاهرة جديدة على فيديوهات قادة المعارضة والقوى الثورية..
وكذلك ارتفعت مشاهدات نواب المجلس الذين رفضوا العدوان على الدستور إذ بلغت أيضا آلاف المشاهدات، ثم ظهرت دعوات تدعو ليكون أحمد الطنطاوي رئيساً للجمهورية، ثم بدأت دعوات تحذير من انتقام النظام منه، وطالبت بأن يحتاط لنفسه!
أحمد الطنطاوي هو ابن كفر الشيخ وقريب للمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، و عضو حزب تيار الكرامة؛ وهو الحزب الذي يتعرض شبابه لحملة اعتقالات كبيرة شنتها الأجهزة الأمنية في الآونة الأخيرة بينهم السفير معصوم مرزوق وكيل مؤسس الحزب سابقا، والدكتور رائد سلامة المفكر الاقتصادي الذي وضع برنامج الحزب الاقتصادي.
كانت كلمة النائب الشاب بمثابة إعادة اعتبار لشباب الثورة الذين تعرضوا عبر خمس سنوات، هي عمر النظام الحاكم، لكافة أشكال القهر والظلم من اعتقال وسجن، وأحكام جائرة، وتشريد من أعمالهم، وإغلاق المجال العام والخاص أمامهم.
فقد أعاد أحمد الطنطاوي بكلمته الثقة إلى أبناء يناير المحبطين والمكتئبين بعد حملات التشويه والاعتقال والسجن..
وإن كانت التعديلات الدستورية المقترحة أحيت في الكثير منهم روح الرفض والثورة مرة أخرى ..
إن معركة العدوان على الدستور هي لحظة تاريخية لتعيد هذا الشباب إلى ميادين النضال والحركة مرة أخرى.
فقد بدأت المعركة الإعلامية لنظام مبارك، والمستمر حتى الآن بشكل أكثر توحشا وعنفا، ضد شباب الثورة منذ الأيام الأولى لها..
ومع بوادر نجاح الثورة أطلق إعلام مبارك مقولة الشباب الطاهر البريء على من قام بالثورة، وإن الثورة بلا قيادة رغم أن مجموعة شباب ائتلاف شباب الثورة كان هو المحرك وكان يتألف من شباب من كل التيارات السياسية..
واستطاع الائتلاف أن يقود الميدان وتحركها طوال ثمانية عشر يوما.. كان الغرض من هاتين المقولتين هو ادعاء أن الثورة حركة بلا هدف وبلا قيادة، وهو ما استغلته أجهزة دولة مبارك بعد ذلك حينما أرادت تشويه صورة قيادات حقيقة وصاحبة شعبية، وطال ذلك كل من اختلف مع أجهزة دولة مبارك.
واستمرت حملات التشويه ليتحول الشباب الطاهر البريء إلى شباب ممول وأصحاب أجندات، وتدربوا في صربيا..
وبعد أن كانوا يستقبلونهم على بوابة وزارة الدفاع ويودعونهم على البوابة رافعين علامة النصر صاروا خونه وعملاء وممولين..
وقد طالت هذه الاتهامات كل من توسم فيهم نظام مبارك قدرة على النجاح، بل إن أكبر نكتة حدثت تلك التي اتهم فيها أول رئيس بعد الثورة (محمد مرسي) ومعاونوه بالتخابر مع حماس ودول أخرى لمجرد أنهم أجروا محادثات مع هذه الدول؛ وكأن المطلوب مثلا من وزير الخارجية ألا يلتقي بنظرائه من الدول الأخرى، وإلا اتهم بالتخابر.
وكانت الائتلافات التي تم تأسيسها تحت نظر أجهزة دولة مبارك والتي أشرف عليها اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية أثناء الثورة ثاني الضربات لشباب الثورة..
إذ فجأة وقبل أن يتنحى مبارك عن الحكم كانت سماء الفضائيات والصحف تمتلئ بعشرات من المجهولين الذين كونوا ما يزيد عن مائة ائتلاف وحركة ادعت أنها ثورية، وأنهم قادة الميدان..
وذلك في لعبة مخابراتية خبيثة لإخفاء القادة الحقيقيين ويكون على الشاشات وبين الناس شباب آخرون هم في النهاية أبناء النظام وتحت سيطرته..
وقد حكى لي أحد القريبين وصانعي هذه الائتلافات عن شخصيات مشبوهة جاءت من شارع جامعة الدول العربية ليصبحوا ثوارا على الشاشات كي تضيع الحقيقة وسط الآلاف من المزيفين..
كانت هذه الحركات هي الضربة الثانية لشباب الثورة فهي جزء كبير من خطة التشويه، وهم أصحاب نظرية: “خلاص أسقطنا مبارك والنظام فنبدأ إذن العمل ونبني البلد”، وهي مقولة كان الغرض منها ترك الفرصة لنظام مبارك والمجلس العسكري ليعيد ترتيب أوراقه بما يحقق له السيطرة بعد أن يتخلص من أبناء يناير تيار بعد آخر.
استعادت دولة مبارك قوتها بصورة أكثر توحشا بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، وبدأت التصفية الحقيقة للثوار الذين قادوا أحداث العامين اللذين تليا الثورة، اعتبارا من معركة (الدستور أولا) إلى معركة التعديلات الدستورية في مارس ٢٠١١ إلى محمد محمود في نوفمبر من نفس العام إلى أحداث مجلس الوزراء..
وظهر بعد يوليو ٢٠١٣ العداء الصريح للثورة المصرية، وما قد قيل في الغرف المغلقة أصبح يُقال في العلن وعلى الشاشات وفي الصحف، ومن كانوا أبطالا من قبل صاروا عملاء وخونة، وبدأ الزج بشباب يناير إلى السجون بداية من شباب الإخوان وقيادات الإخوان ونهاية بشباب تيار الكرامة.
ولا عجب أن يكون محمد القصاص، وعلاء عبد الفتاح، وأحمد ماهر، وأحمد دومة، وخالد بسيوني، وخالد محمود، وشريف الروبي، وزيزو عبده، والسفير معصوم مرزوق، والدكتور يحيى القزاز، وشادي الغزالي حرب، ومصطفى النجار..
وغيرهم كثيرون من شباب يناير في السجون سواء بحكم جائر أو على ذمة تحقيق أو اختفاء قسري..
ولا عجب أن يرحل كل من يسري فودة، وليليان داود، وباسم يوسف، وتختفي ريم مجدي ودينا عبد الرحمن، وكل الإعلاميين الذين انحازوا لثورة يناير أو شاركوا فيها.. كل هذا من أجل القضاء على يناير وشبابها.
كانت براءة مبارك واحدة من معارك عودة الروح إلى شباب الثورة، ففي ٢٤ نوفمبر/تشرين الثاني أصدرت محكمة الجنايات حكمها ببراءة مبارك من تهمة قتل المتظاهرين ليعلن ٢٠ شابا من أبناء يناير اعتراضهم ويبدؤون مظاهرة أمام المتحف المصري نظرا لإغلاق ميدان التحرير..
وبدأ الشباب يتوافد عليهم وما هي إلا ساعات قليلة حتى تزايدت أعداد كبيرة من الشباب إلى ميدان عبد المنعم رياض، وارتفع العدد إلى عشرة آلاف متظاهر..
وكان تجاوب الشعب جيدا، وبدأ الإعداد لاعتصام فما كان من أجهزة الأمن إلا إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وقيل وقتها إن أربعة شباب استشهدوا، وكانت النتيجة النهائية أن يناير ما تزال حية.
كان تنازل النظام عن جزيرتي تيران وصنافير المعركة الثانية التي أعادت شباب الثورة إلى الميادين والشوارع مرة أخرى، والتقت إرادة المصريين مع الشباب الذين يرفضون التنازل عن الأرض المصرية للنظام السعودي..
وكذلك كانت النقطة الأخطر في التنازل هو جعل خليج العقبة خليجا دوليا مما يسمح لسفن الكيان الصهيوني بالعبور فيها دون أدنى مشكلة، ولما لهاتين الجزيرتين من أهمية كبري للأمن القومي المصري..
وعادت المظاهرات أمام نقابة الصحفيين وأمام مجلس الدولة في جلسات القضية، وقام النظام بالتعامل مع المتظاهرين كعادته بقسوة، وتم إلقاء القبض على كثير من الشباب وحكم على كثير منهم..
وأكدت الأحداث مرة أخرى أن النظام لم يفلح في أن يقضي على الثورة وشبابها، فكانت الحملات أشد شراسة وطالت أسماء كثيرة، وكانت التهمة التظاهر من أجل تيران وصنافير.
لقد ساهمت هذه المعارك وغيرها مثل إعلان الكيان الصهيوني نقل سفارته إلى القدس، أو معارك غلاء الأسعار، ورفع الدعم عن السلع والخدمات في زيادة الوعي الثوري بالشارع المصري..
وفي إعادة شباب يناير، الذي أصابه اليأس والإحباط والاكتئاب إلى الثورة والشارع مرة أخرى، وبدأت دعوات الوحدة والاتحاد في مواجهة سياسات النظام تصبح حوارا موجودا على الساحة في محاولة لإنقاذ ما تبقى من يناير وأهدافها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
جاءت معركة التعديلات الدستورية المقترحة لتكون عاملا موحدا لكل المصريين الذين ينتمون إلى يناير لمواجهة هذا العدوان على الدستور الذي يلاقي معارضة شديدة من المصريين..
وظهرت أيضا اعتراضات من السلطة القضائية؛ لكن الشارع المصري لا يزال يبحث عن قيادة لمعركة الدستور ومعركة استعادة الثورة..
وكانت الدلالة واضحة في الإقبال على فيديوهات الشباب النواب الذين أعلنوا رفضهم التعديلات الدستورية أمثال: أحمد الطنطاوي، وهيثم الحريري، وضياء داود، وأحمد الشرقاوي، وغيرهم إذ سرت الفيديوهات كالنار في الهشيم لتؤكد أن الشعب المصري في انتظار هؤلاء الشباب ليقودوا مصر إلى عهد جديد..
والآن في ظل التوافق الكبير الحادث، ونوبة صحيان لشباب الثورة وقياداتها، هل تكون معركة الدستور هي معركة استعادة الثورة؟
سؤال ستجيب عليه الأيام القادمة وشباب ٢٥ يناير الذي يستعيد الآن وعيه وقوته وثورته.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
