هجوم نيوزيلندا بين الغضب التركي والخجل العربي

العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز انتظر حتى منتصف الليل تقريبا ليغرد على حسابه بتويتر بعبارات لم تختلف كثيرا عن بيان السيسي.
مؤلمة هي الآثار التي خلفها هجوم نيوزيلندا الإرهابي والذي ترك وراءه عشرات الشهداء والمصابين من المسلمين الذين تم استهدافهم قبيل تأدية صلاة الجمعة بمدينة كرايست تشيرش إثر هجوم خطط له ونفذه اليميني المتطرف والذي يحمل الجنسية الأسترالية والمولود لأبوين بريطانيين “برينتون تارانت”.
الحادث الإرهابي أحدث صدمة عنيفة لدى الرأي العام العالمي خاصة على المستوى الشعبي، أما على الصعيد الرسمي فرغم الاتفاق على الإدانة الصريحة والواضحة إلا أن الجميع لاحظوا اختلافا واضحا بين تلك الجريمة وأي جريمة مماثلة يكون الجاني فيها من المسلمين.
هذا التباين لم يكن من المفترض أن يمتد إلى المحيطين الإسلامي والعربي؛ إلا أننا لاحظنا نفس ذات الاختلاف -وربما أعمق- تبعا للانقسامات التي باتت تصبغ المنطقة.
لذا كان من السهل أن نلحظ تباينا بين ردة فعل تركيا من جهة والدول العربية (خاصة مصر والسعودية) من جهة أخرى ما يستدعي تحليلا لكلا الموقفين عقب تحليل الدوافع التي حملت الجاني على تنفيذ المذبحة.
كفانا منفذ الهجوم مؤنة البحث لمعرفة الأسباب التي حملته على ارتكاب هذه الجريمة فقد ترك بيانا مطولا “مانفيستو” مكونا من أكثر من سبعين صفحة يشرح فيها مجمل أفكاره، ويبشر متابعيه على موقع التواصل الاجتماعي بتنفيذ الهجوم، وذلك قبل الموعد بنحو اثنتين وسبعين ساعة، والمفارقة أن أجهزة الأمن النيوزيلندية لم تعره انتباها رغم الرقابة الصارمة على الفضاء الالكتروني.
كما حرص الجاني على كتابة أسماء وتواريخ ذات دلالات على السلاح المستخدم في الجريمة ومن خلال ذلك كله يمكننا تلخيص أفكاره في النقاط التالية:
- الإيمان بضرورة سيادة الرجل الأبيض لقناعته بتفوقه، لذا لم يكن مستغربا أن يصرح الجاني اعتزازه بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب واتخاذه مثلا أعلى له.
- عكست عبارة ” اللاجئون، أهلا بكم إلى الجحيم”. التي كتبها على سلاحه قناعته بضرورة طرد المهاجرين وخاصة المسلمين منهم من بلاد الغرب وهو ذات الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه اليمين المتطرف سواء في أوربا أو الولايات المتحدة.
- الكراهية الشديدة لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان والتي وصلت إلى حد تهديد أردوغان بالقتل والدعوة إلى ترحيل الأتراك المسلمين من الجزء الأوربي من إسطنبول إلى الطرف الآسيوي واسترداد مسجد آيا صوفيا، وتركيا هنا لا تمثل في الوعي اليميني المتطرف نفسها بقدر ما ينظر إليها باعتبارها وريثة الدولة العثمانية آخر ممالك المسلمين الجامعة وصاحبة المواجهات الطويلة مع أوربا.
والمفارقة أنه خص تركيا بالهجوم دون غيرها من البلدان الإسلامية مثل: السعودية رغم أنها تمثل رمزية كبيرة لدى المسلمين لوجود الحرمين الشريفين ضمن حدودها السياسية.
وقد اتضح أن الجاني قام بزيارة تركيا أكثر من مرة في أوقات سابقة الأمر الذي يخضع للتحقيق حاليا من قبل أجهزة الأمن التركية. - استبطان التاريخ في تفسير العلاقة بين الإسلام والغرب من خلال التذكير بالمواجهات التاريخية بين الطرفين دون النظر إلى المآلات الحالية، وظهر ذلك في التواريخ والعبارات التي خطها على سلاحه والتي أشارت إلى وقائع ذات مغزى مثل:
- عبارة “Turcofagos” وتعني باليونانية “آكلي الأتراك”، وهي عصابات نشطت باليونان في القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت تشن هجمات دموية ضد الأتراك.
- عبارة “1683 فيينا” في إشارة إلى تاريخ معركة فيينا التي خسرتها الدولة العثمانية ووضعت حدا لتوسعها في أوربا
- عبارة “1571”، في إشارة إلى “معركة ليبانتو” البحرية التي خسرتها الدولة العثمانية أيضا.
- عبارة “Carles Martel” وهو اسم القائد الفرنجي شارل مارتل الذي انتصر على الجيش الأموى بقيادة عبد الرحمن الغافقي في موقعة تورز أو بلاط الشهداء كما يطلق عليها في المراجع العربية والتي دارت آنذاك على بعد حوالي مائتين وخمسين كيلومترا فقط من باريس.
- كما حرص على بث أغنية باللغة الصربية تشير إلى رادوفان كاراديتش المتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد المسلمين في البوسنة والهرسك
وغير ذلك من العبارات والتواريخ التي يضيق المقام عن ذكرها جميعا والتي تضعنا أمام جريمة لم يرتكبها إنسان مجنون أو رجل بائس؛ لكن قام بها شخص مشبع بأفكار دينية وفكرية متطرفة لا يمكن غض الطرف عنها، أو تجاوزها عند التعامل معها لكن بالرغم من ذلك اختلفت ردود الفعل كما سنرى.
إظهار التناقض بين رد الفعل التركي والعربي (السعودي والمصري بصفة خاصة) ليس الغرض منه الاصطفاف مع هذا الطرف ضد ذاك بقدر ما يهدف إلى إبراز التحولات الكبرى التي أصابت السياسات الخارجية لعاصمتين عربيتين من المفترض أنهما تمثلان ركيزتين مهمتين للنظام العربي والمحيط الإسلامي والذي يؤشر في الوقت ذاته لما هو آتٍ.
أولاً: لاحظنا سرعة رد الفعل التركي على الجريمة في الساعة الأولى التي تلت الإعلان عن الجريمة عبر كبار رجال الدولة ومراكز الحكم فيها من خلال مؤسسة الرئاسة إلى الخارجية إلى وزارة الدفاع وصولا إلى الأحزاب ..
أما العواصم العربية – فإذا ما استثنينا الدوحة التي أدانت في وقت مبكر من خلال وزير خارجيتها– فقد غطت بقيتها في نوم عميق ولم يوقظها حجم الكارثة فالسعودية اكتفت بالإدانة عبر تصريح منسوب لـ”مصدر مسؤول بوزارة الخارجية” مع أن الحادث كان يستلزم على الأقل بيان من وزير الخارجية نفسه، أما القاهرة فقد خرج بيان الإدانة على صفحة وزارة الخارجية على فيس بوك عقب الحادث بعدة ساعات.
ثانياً: للجريمة ثلاثة أركان مهمة: الجاني والمجني عليه والدافع وراء ارتكابها.
وفي هجوم نيوزيلندا فإن الجاني بات معروفا والمجني عليهم تم استهدافهم على أساس الهوية الدينية، أما الدوافع فذات حمولة فكرية متطرفة كتبها الجاني بنفسه..
هذه الأركان الثلاثة حرص الخطاب التركي عبر مستوياته المتعددة على إبرازها وعدم إهمالها؛ فأردوغان وفي أول تغريدة عقب الحادث أدان بشدة “الهجوم الإرهابي على مسجد النور في نيوزيلندا وعلى المسلمين الذين كانوا يؤدون عبادتهم هناك”
وفي كلمة خلال مراسم تأبين السيدة “بريل دده أوغلو” عضو مجلس الأمن والسياسة الخارجية بالرئاسة التركية هاجم أردوغان دوافع القاتل وقال: “من الواضح أن الفكر الذي يمثله المجرم منفذ المذبحة استهدفني واستهدف بلادنا وبدأ في التفشي كالسرطان بالمجتمعات الغربية”.
وأكد خطاب الإدانة التركي على أن الحادث تجاوز مرحلة “الإسلاموفوبيا” إلى مرحلة العداء للإسلام نفسه واستهداف المسلمين، وفق ما قاله أردوغان أمام حشد جماهيري بمدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا
أما رئيس البرلمان مصطفى شنطوب فقال إن “هذه الأحداث الإرهابية لن تنتهي قبل انتهاء المناخ السام الذي يتسبب في الهجوم على الإسلام، واستهتار بعض الحكومات الغربية بمعاداته” ، أما المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر تشليك فقد أكد – في كلمة له بولاية موغلا – أن الجاني كان “يمارس عداوة الإسلام وتركيا أثناء تنفيذه لعمليته في الجانب الآخر من العالم”.
هذا الغضب التركي قابلته إدانة عربية خجولة، فالسيسي الذي يشغل منصب رئيس أكبر دولة عربية وهي مصر اكتفى ببيان “بروتوكولي” بعد ساعات من المجزرة لم يشر فيه إلى هوية المجني عليهم والتي على أساسها تم استهدافهم فهم حسب البيان ” مصلين آمنين في بيوت الله” كما أنه لم يشر إلى الفاعل ولا إلى دوافعه بل عمد إلى تعميم الخطاب وطالب بـ ” تضافر جميع الجهود الدولية من أجل المواجهة الحاسمة للإرهاب والعنف والتطرف الفكري”. هذه العبارات المختارة بعناية (الإرهاب-العنف-التطرف الفكري) والتي صارت تشير في وعي كثيرين إلى الجماعات والتنظيمات “الإسلامية” من كثرة استخدامها في نقدهم..
ربما أراد السيسي من وراء استخدامها توسيع دائرة الاهتمام ورفع الحرج عن “الغرب” بإظهار أن التطرف موجود لدى الجميع وذلك عكس سلوكه في مواقف أخرى مشابهة إذ دأب على مهاجمة الإسلام وحده كلما سنحت له الفرصة والإشارة إلى الأفكار المنبثقة منه باعتبارها مصدر قلق للعالم! ووقف السيسي في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل أيام يحذر قادة أوربا من المساجد ويطالب بضرورة مراقبتها!!!!
أما العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز فقد انتظر حتى منتصف الليل تقريبا ليغرد على حسابه بتويتر بعبارات لم تختلف كثيرا عن بيان السيسي فالمجني عليهم ” المصلين الآمنين بمسجدين في نيوزيلندا” ولم يشر إلى الجاني ولا إلى خلفيته الفكرية بل الحدث وفق تغريدة الملك مجرد “عمل إرهابي”!!
ثالثاً: في الوقت الذي اتفق فيه بيانا الإدانة المصري والسعودي على مطالبة المجتمع الدولي بالتصدي لخطابات الكراهية والإرهاب، سارع أردوغان بالاتصال بالحاكم العام لنيوزيلندا للوقوف على تطورات القضية وأخبره أنه سيوفد نائبه فؤاد أوقطاي ووزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو إلى نيوزيلندا خلال أيام قليلة لمتابعة الحادث عن قرب ما اضطر تشاووش أوغلو إلى إرجاء لقاء كان مقررا من قبل مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ..
هذا التحرك عكس شعورا متناميا لدى أنقرة بمسؤوليتها تجاه العالم الإسلامي في ظل تمكن الحلف الصهيو-أمريكي من العواصم العربية والإسلامية ذات الثقل الجماهيري والحضاري.
رابعاً: الغضب التركي امتد من المجال الرسمي إلى الشعبي حيث شهد يوم المذبحة العديد من فاعليات التأبين والتنديد والصلاة على أرواح الضحايا فيما انتشرت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو للرد العملي على المذبحة بإعادة افتتاح متحف أيا صوفيا للصلاة مرة أخرى، أو تأدية صلاة الغائب على أرواح الضحايا بأيا صوفيا ..
خاصة أن الحادث جاء بعد ساعات قليلة من نشر صحيفة “حرييت” التركية ما قالت إنها شروط سرية وضعتها أوربا للموافقة على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ومنها عدم استفزاز القارة العجوز بالحديث عن تحويل أيا صوفيا من متحف إلى مسجد كما كان وضعه قبل منع أداء الصلاة فيه عام ١٩٣١ ثم تحويله إلى متحف بعدها بأربع سنوات.
هذا التباين بين الموقفين التركي والعربي ليس وليد اللحظة أو الموقف وإنما يعكس بوضوح طبيعة الاصطفاف القائم بالمنطقة بين مشروعين أحدهما تحرري نهضوي، والآخر استبدادي متخلف وجاءت مجزرة نيوزيلندا لتكشف بوضوح عن المشروعين.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
