ما لا تستطيع البوح به داخل التنظيم

وكان رد القيادات أن الجماعة بذلت ما فيه الكفاية، وحفاظا منها على كوادرها فسوف تتوقف ليقضي الله أمرا كان مفعولا، هنا حدث الانقسام الفعلي.

 

عادة ما تكون للتنظيمات أحكام تفوق في حدتها وانضباطها أنظمة الدول، وذلك لأسباب عدة، أولها: أن الدول تملك من الأدوات ما يتيح لها فرض السيطرة الكاملة على أفرادها مثل القدرة على توقيع العقاب لمن أساء أو خرج عليها ..
أما الجماعات أو التنظيمات أو حتى الأحزاب فهي لا تملك غير قوة واحدة في مقابل خروج أحد أفرادها على القوانين المعتمدة، وهي الفصل الكامل والحرمان من البقاء داخل كيانها ..
 وجماعة الإخوان المسلمين هي تنظيم من أكبر الكيانات الإسلامية الموجودة على الساحة العالمية، إذ تنتشر في أكثر من سبعين دولة، بينما في مصر وحدها تنتشر في كل مدنها وقراها وحتى نجوعها، فلا تكاد تجد قرية على مستوي البلاد إلا وبها أفراد تابعون لها ..
 وتنظيم بهذا الحجم يلزمه قوانين صارمة تحكم علاقة الأفراد بالقيادة والعكس، ومعظم هذا القوانين هي أحكام أخلاقية، تنبع من فهم الفكرة كما حددها مؤسسها حسن البنا في حدود أصول عشرين: “لا يعتبر الفرد عضوا رسميا إلا بالإخلاص لتلك الفكرة والعمل عليها والثقة في قيادتها وطاعته في المنشط والمكره، الثقة والحب والطاعة وبقية الأركان العشرة.
 وفي فترات متعددة ومنذ نشأتها تعرضت الجماعة لفترات انتكاسة شديدة كانت كفيلة بإسقاط دول صغيرة الحجم، غير أنها في كل مرة كانت تستطيع عبور المحن واحدة تلو الأخرى بل والنمو الكبير الذي ضاعف عدد أفرادها عدة مرات،  إلى أن تعرضت لتلك الكبوة الأخيرة لتكون هي الأشد والأكثر خطورة، حيث إن نتائجها لا تخص الجماعة وحدها، وإنما تنعكس على المحنة العربية والإسلامية ككل.

أركان البيعة

وبما إن الثقة ركن من أركان البيعة علاوة على الطاعة، فإنه في وقت من الأوقات استطاع البعض أن يغرس في ذهن الأفراد أن مبدأ النقد الداخلي يتعارض مع الثقة، وأن المناقشة تتنافي مع الطاعة، أي أن مجرد الإقدام على النقد أو الاعتراض على قرار ما من قرارات التنظيم يعرض صاحبه للفصل الفوري بعد تحقيق يكون القائم عليه من المؤمنين بفكرة اعتبار النقد للقيادة التي لا تخطئ، وأن الكبار يعلمون ما يفعلون، وبهذا تعرض عدد غير قليل للفصل وكان الانفصام الأكبر في تاريخها.

 فهل تمثل الجماعة سببا فيما نعاصره من أحداث من دون أن يستطيع أحد بداخلها أن يطرح تساؤلات أو يبحث عن أجوبة؟ هل تقع الجماعة في أزمة تحتاج لتدخل خارجي من العقلاء وعلماء الأمة ؟ هل استعادة الجماعة قوتها يمكن أن يغير من الواقع العربي المعاصر؟  هذا ما ستوضحه الأسطر التالية:

الانقسام الداخلي والرؤية صفر

قبيل الانقلاب العسكري الآثم على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، قرر المهتمون بشرعية الرئيس والانتخابات من بعض الأحزاب وبعض الجبهات الإسلامية الاعتصام بميدان رابعة العدوية حتى تم الانقلاب بالفعل ..
واستمر الاعتصام لما يقرب من الشهر ونصف الشهر حتى فُض الاعتصام بالقوة الغاشمة، الذي استشهد على أثره عدة آلاف من أفراد الجماعة والمعتصمين معهم، وبعد فض الاعتصام تحولت ميادين مصر لحالة عاصفة من المسيرات الضخمة، والفعاليات اليومية والأسبوعية تحت شعار أطلقه الدكتور محمد بديع المرشد العام للجماعة بميدان رابعة “سلميتنا أقوي من الرصاص” ..
واتفق ما يسمى بتحالف دعم الشرعية على أن تتم المسيرات بتلك السلمية حتى إيقاظ الشعب من غفلة انخداعه بكلمات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي الرنانة ووعوده الكاذبة، فمن أقدم على تلك المجازر لا يمكن أن يكون صادقا مع الشعب، أو أن تكون لديه نية عدم الترشح كما كرر في غير مناسبة ..
واستمرت الفعاليات إلى أن أعلن السيسي ترشحه، وصار رئيسا فعليا للبلاد بمباركة خارجية، ورضا أمريكي صهيوني، ودعم مالي خليجي، استمر الحراك بالشارع حتى وصل الأمر لاعتصامات تصل لحد المليونيات كالاعتصام في ميدان المطرية وعين شمس الذي استعصى على الأمن اقتحامه واستمر عدة أيام على التوازي مع حراك كبير في الجيزة والصعيد والفيوم وبعض الأماكن  ذات الثقل الإسلامي الكبير ..
فجأة انفض اعتصام المطرية ومن دون أدني مقدمات، ثم قل الحراك بالمحافظات من يومي إلى أسبوعي ليقل العدد بشكل تدريجي، وكلما ازدادت المسافة الزمنية بين المسيرات، ازدادت الشراسة الأمنية، وامتدت يد الاعتقال إلى النساء في سابقة لم تحدث في البلاد بهذا الشكل المفجع، ثم تضاءل عدد الموجودين بالشارع بحجة عدم الظهور بقوة الجماعة مكتملة، حتى انعدم الحراك تماما، وتلاشى فجأة وكأن شيئا لم يكن!

الخروج من السكون

وهنا ظهرت أصوات تطالب بالحراك المبدع، والخروج من حالة السكون والجمود والعودة للشارع بشكل جديد، في الوقت الذي تضاعفت فيه أعداد المعتقلين لتصل لأكثر من مئة ألف معتقل تم اقتيادهم من البيوت وأماكن العمل والمطارات رغم توقف الحراك ..
وبدأت التصفيات الجسدية في تجمعات تدعي الداخلية أنها تبادل إطلاق نار في حين أن الشهداء فيها يكونون من بين من أعلن أنهم مختفون قسريا أو هاربون لا يملكون قوت يومهم.
دفعت الجماعة ثمنا باهظا في تلك الفترة، أي قبيل انتهاء الولاية الأولي للانقلابي عبد الفتاح السيسي، وكان رد القيادات أن الجماعة بذلت ما فيه الكفاية، وحفاظا منها على كوادرها فسوف تتوقف ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وهنا حدث الانقسام الفعلي، ففئة تري أن الجماعة لم تبذل كل وسائلها، وأنها جمدت الحراك الثوري من دون وجود رؤية بديلة تعمل على إنهاء الانقلاب، وأنها تسببت في الخسارة المتواصلة لكوادر الجماعة وتسليمهم للأمن نظرا للتعامل الناعم معها..
والفئة الأخرى والتي تمثلها القيادات التاريخية تري أن الحفاظ على القوة المتبقية أولى، وأنه لم يعد هناك ما يمكن بذله، وأن الحفاظ على حياة المعتقلين وتخفيف الضغط عن المطاردين بالداخل والخارج يستلزم التوقف والصبر حتى تأتي السماء بالفرج، أو يثور الشعب على الأوضاع التي لم تعد ملائمة لحياة شبه إنسانية.
وبين من يملك رؤية غير قابلة للتطبيق، ومن لا يملك رؤية مطلقا تجمد الموقف لأكثر من ثلاثة أعوام لم تفعل فيهم الجماعة سوي تلقي الضربات المتوالية، ومع تدخل جهات مختلفة لرأب الصدع الحاصل بين جناحين يصر كلاهما على موقفه ورؤيته، ومع احتياج الجماعة بالفعل لتخرج من تلك المحنة غير المسبوقة لذلك التدخل لعقلاء إسلاميين منهم الشيخ القرضاوي والشيخ الددو وبعض الهيئات الإسلامية  الكبرى وربما رؤساء دول، فإن أحدا لم يتنازل عن رأيه لتبلغ الأزمة حد الاتهام بالخيانة والرغبة في إبقاء الوضع على ما هو عليه.

الأزمة الداخلية وطول أمد الانقلاب

قد لا يري البعض علاقة بين الأزمة الداخلية في الجماعة وما يحدث على المستوي العام، إنما الحقيقة أن الانقلاب يتقوت على تلك الخلافات، سواء كانت خلافات داخل التنظيم نفسه، أو خلافات بين التنظيم وبين ثوار يناير، وما عاد له القدرة على الصمود أكثر إذا اتفق الفرقاء على إزاحته..
لأنه ببساطة لم يعد يحمل أي مقومات للاستمرار سوي الفشل المركب والمتواصل، كذلك فالشعب الذي تعلم من الدروس المتواصلة لم يعد يثق في قيادة متناحرة، أو تقوده من خلف شاشات، واليوم الذي يقرر فيه النزول للشارع فلن توجهه أية قوة مهما كان تاريخها النضالي أو البكائي.
إنك أمام طرفين لا يملك أحدهما زمام أمر تحريك الشارع تجاه التحرر، فجانب يعتمد سياسة الصبر والانتظار التي لم تعد مجدية في وقت تتضافر القوي الدولية لإبقاء الوضع في مصر لسببين رئيسيين: أولهما، انتهاز الفرصة والاستفادة بأكبر قدر ممكن من وجود سلطة تبيع كل شيء في مقابل احتفاظها بالكرسي بالتنازل عن الأرض والآثار والغاز والبترول ..
والثاني، الخلاص من فكرة الإسلام السياسي التي تقض منام الغرب والتي يراها البديل الحتمي لوجود السيسي فيفقد حليفا قويا كمصر. 
وطرف ثان يعتمد سياسة استخدام العنف والتي لا تحتملها البلاد ولا تصلح لها، ومن هنا يصبح على الجماعة أن تلتقي في نقطة لصالح توحيد صفها فتكون قادرة كما كانت على تحريك المشهد الداخلي، وفي الوقت نفسه الالتقاء مع قوى يناير لتخفيف الضغط الخارجي الواقع عليها أو على أية ثورة محتملة بأن الحراك يشمل فئات المجتمع وليس تيار دون غيره .

 فهل تجد تلك الصرخة أذنا مصغية لله، ثم للتاريخ، ثم للأجيال المقبلة؟ هذا ما ننتظره.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان