عمر أبو ليلي على درب الشهيد أحمد ياسين

في ظل الانبطاح العربي ولد الشاب عمر أبو ليلي ليكمل مسيرة الشيخ ورفاقه ويذكرنا بزمن البطولات التاريخية الملهمة، ليؤكد لكل الخانعين أن الكلمة الأخيرة تظل أبدا للشعوب
في آخر مقابلة تلفزيونية معه قال: “إننا طلاب شهادة لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية”، هذا ما قاله الشيخ الشهيد أحمد ياسين زعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قبل استشهاده بفترة قليلة، والذي تمر هذه الأيام الذكرى الـ 15 لاستشهاده بصواريخ أطلقتها الطائرات الإسرائيلية عليه عقب خروجه من المسجد بعد صلاة الفجر ليلقي ربه شهيدا طاهرا ومعه مجموعه من مرافقيه.
وفي ظل سنوات ما بعد أوسلو ومحاولات فرض صفقة القرن المشبوهة، لم تذهب دعوة الشيخ أحمد ياسين هباء؛ فقد خرج الشباب الفلسطيني في مسيرات العودة ليفشل مخططات الدول الصهيوعربية وأمريكا “ترمب” لفرض صفقة خاسرة قبل أن تبدأ؛ لكي يؤكد الشعب الفلسطيني دائما أنه يرفض أي صفقات تجعله يفرط في شبر من أرضه وسط حصار مزمن لسنوات لم تفقد الفلسطينيين عزيمتهم ..
بل إنه في ظل الانبطاح العربي ظهر الشاب عمر أبو ليلى ليكمل مسيرة الشيخ ورفاقه ويذكرنا بزمن البطولات التاريخية الملهمة، ليؤكد لكل الخانعين أن الكلمة الأخيرة تظل أبدا للشعوب لا للحكام الخانعين المتخاذلين المتصهينين .
الشهيد الفلسطيني عمر أبو ليلى الشاب الذي لم يتجاوز عمره التاسعة عشر عاما، بطل عملية “سلفيت” الأخيرة ضد الكيان الصهيوني، شاب عادي ليس محسوبا على تيار سياسي أو ديني، وهذا ما تراه بمجرد تصفح سريع لحسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تدرك أنه لم يكن ذا خلفية سياسية ولا جهادية، ولم يكن يتطرق للمواضيع المتعلقة بهذا الأمر، رغم ما يحدث في بلاده وما يعيشه شعبه وأمته، فكان كغيره من شباب الأمة، يعيش حياته العادية، ولا يختلف عن غيره في طموحاته وتطلعاته، وهذا ما يبدو ظاهرًا، أما في الخفاء فالله أعلم بحاله منا .
ولكن الغريب أن مثل هذا النموذج المضيء ينظر إليه البعض، ممن يرى في نفسه أنه من النخبة “المتأسلمة” بزيه ولحيته وسواكه، نظرة دونية تصل إلى درجة الاحتقار، ويحكم عليه بالفساد والميوعة، بل إنه ربما يصل به للفسق والفجور وعظائم الأمور، تقديسا منه للمظهر دون الجوهر.
نعم.. إن الشهيد الشاب عمر أبو ليلى لم يكن سوى نتاج لدعوة الشيخ الشهيد أحمد ياسين الذي استشهد في مثل هذه الأيام بعد صلاته الفجر في المسجد بصاروخ إسرائيلي موجه أصابه مباشرة وهو الرجل القعيد الذي كان يتحرك بكرسي طبي ..
ذلك الشيخ القعيد الذي أسس هو ورفاقه حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية “حماس”، وظل زعيمها حتى استشهاده في 22 مارس عام 2004، وكان أيضا رئيسا لأكبر جامعة إسلامية بفلسطين وهي المجمع الإسلامي في غزة.
وما بين اغتيال الشيخ أحمد ياسين واستشهاده، وقيام عمر أبو ليلى بعمليته البطولية هذه حوالي 15 عاما جرى فيها ما جرى للوطن العربي والإسلامي والقضية الفلسطينية برمتها، ولكن يبقى أبو ليلى الذي ولد قبل استشهاد الشيخ أحمد ياسين بأربع سنوات هو الميراث الذي زرعه الشيخ وتركه للقضية الفلسطينية؛ لكي تصدق عليه المقولة المعروفة “شيخ قعيد أحيا أمة” ..
وأنتج جيلا عالي الهمة، فما قام به البطل الشاب يؤكد أننا أمة تمرض ولا تموت، أمة متجددة بفضل إيمانها وتاريخها، ومهما جرى عليها من خطوب الدهر لابد وأن تعود بإذن الله إلى سيرتها الأولى.
قد لا يعرف الشباب الحالي من هو الشيخ أحمد ياسين الذي تم اغتياله يوم الإثنين غرة صفر 1425هـ الموافق 22 مارس عام 2004م، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية بإطلاق عدة صواريخ استهدفت أحمد ياسين بينما كان عائداً من أداء صلاة الفجر في مسجد المجمع القريب من منزله في حي صبرا في غزة ..
وأشرف على العملية وقتها رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون، إذ قامت مروحيات الأباتشي التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق 3 صواريخ تجاه ياسين المقعد وهو في طريقه إلى سيارته مدفوعاً على كرسيه المتحرك من قبل مساعديه، فسقط شهيداً في لحظتها وجرح اثنان من أبنائه في العملية وقتل معه سبعة من مرافقيه، وقد تناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان ينتقل عليه ياسين في أرجاء مكان الهجوم الذي تلطخ بدمائه ومرافقيه خارج المسجد مما أدى أيضاً إلى تناثر جسده وتحوله إلى أشلاء وهنا ارتقت روحه إلى بارئها، ومات كما كان يتمنى.
ولد الشيخ في قرية الجورة جنوبي قطاع غزة، ولجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد حرب العام 1948، وتعرض لحادث في شبابه أثناء ممارسته للرياضة نتج عنه شلل تامً لجميع أطرافه، عمل مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية ثم عمل خطيباً ومدرساً في مساجد غزة، حتى أصبح في ظل حكم إسرائيل أشهر خطيب عرفه قطاع غزة لقوة حجته وجسارته في الحق.
وشارك وهو في العشرين من عمره في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجاً على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956 وأظهر قدراتٍ خطابية وتنظيمية ملموسة، بعد هزيمة 1967م التي احتلت فيها إسرائيل كل الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة ..
واستمر أحمد ياسين في إلهاب مشاعر المصلين من فوق منبر مسجد العباسي الذي كان يخطب فيه لمقاومة المحتل، ويجمع التبرعات والمعونات لأسر الشهداء والمعتقلين، ثم عمل رئيساً للمجمع الإسلامي بغزة، واعتقل عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيمٍ عسكري والتحريض على إزالة الدولة اليهودية من الوجود، وأصدرت عليه إحدى المحاكم الإسرائيلية حكماً بالسجن 13 عاماً وأفرج عنه عام 1985 في عملية تبادل للأسرى بين سلطات إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفى عام 1987 اتفق أحمد ياسين مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي الذين يعتنقون أفكار الإخوان المسلمين في قطاع غزة على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة إسرائيل بغية تحرير فلسطين أطلقوا عليه اسم حركة المقاومة الإسلامية المعروف اختصاراً باسم حماس ..
وكان لها دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد ومنذ ذلك الوقت وأحمد ياسين اعتبر الزعيم الروحي لتلك الحركة، ونجح ياسين في نشر فكرة الحركة الإسلامية في كافة أنحاء دول العالم من خلال مواقفه وإصراره على حقوق الشعب الفلسطيني في الوطن ولم الشتات حتى وصل الأمر بخروج العديد من القادة السياسيين وغيرهم عن صمتهم والإعراب عن إعجابهم بأحمد ياسين وبطريقته في عرض القضية الفلسطينية وحقوق شعبه وهموم الناس بل إنه أيقظ همة الأمة وأعاد الاعتبار للجهاد في فلسطين وأحيا هذه الفريضة التي كادت أن تموت.
وهكذا على درب الشيخ أحمد ياسين تنبت نفس الأرض عمر أبو ليلى وغيره، استشهد عمر بتاريخ 19 مارس بعد أن قام بعملية بطولية لا تقاس بميزان القوة وإنما بموازين أخرى ..
هذا الشاب الذى استطاع أن يهجم على جندي صهيوني مدجج بأحدث الأسلحة بسكين الخضار والفواكه، فأرداه قتيلًا، وغنم سلاحه وانطلق مجاهدًا في بني صهيون يقتل منهم ويصيب، ثم استطاع الاختباء لمدة 3 أيام، مذلًا لهم وفاضحًا لقواتهم وجندهم، فأظهر جبنهم وضعف عقيدتهم القتالية ..
فأي قوة وأي عقيدة لدى جيش يستنفر ثلاثين ألفًا من عناصره، وأربعين آلية عسكرية، وأربع طائرات، وثلاث فرق استخبارات، وتعاون مع السلطة الفلسطينية وفق التصريحات الإسرائيلية ..
كل هذا من أجل شاب صغير لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره؟ ولم يتلق أي تدريب أو تكوين عسكري، كل ما لديه، بدنٌ وسكين فواكه، مع الإيمان الثابت واليقين بالله ، فهذا جيل يحرص على الموت حرص العدو على الحياة، وبهذا الجيل سوف ننتصر عاجلا غير آجل بإذن الله.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
