صور مصرية تضيء سماء الحزن وتمهد للثورة

 

أحاط الحزن قلوب المصريين طوال شهر فبراير، ولم يشأ الشهر، الذي ارتبط لدى المصريين بتنحي مبارك، أن ينتهي مكتفيا بإعلان انتهاك الدستور المصري، بل جاءت أحكام الإعدام المشكوك في عدالتها على أكثر من 15 شابا لتدمي قلوب المصريين وتظللها بهالة من الحزن العميق..

خاصة أولئك الذين اتهموا في قضية اغتيال النائب العام إذ ساد حزن عام عليهم مرجعه إحساس عام بأنهم مظلومون.

لم يشأ فبراير أن يغادرنا أيضا حتى ألمت بنا كارثة ضخمة عبر انفجار في المحطة الرئيسية لسكك حديد مصر (محطة مصر بقلب ميدان رمسيس).

بهذا الانفجار الذي لم يتحدد حتى الآن كيف حدث في ظل تضارب البيانات والتصريحات والمعلومات بين الجميع لكن الانفجار فتح نار جهنم في قلب العاصمة.

سحابة من الحزن العميق على قلوب المصريين ستظل تسكنها طويلاً خاصة أن معظم الضحايا (نحتسبهم شهداء عند الله) من الشباب.

في ظل سواد عام ساد نتيجة سياسات عمياء يقودها نظام فاشل فاسد مستبد يدير الدولة المصرية، ظهرت إشارات، خلال الحادث الأليم، ربما أضاءت للمصريين بصيصا من الأمل في النفق المظلم الذي يقبعون فيه حاليا.

إضاءة أولى.. وليد مرضي

كان المشهد صعبا على الجميع إذ اشتعلت النيران فجأة في أجساد الموجودين على أرصفة المحطة العتيقة عقب انفجار لم يشهده تاريخها الطويل منذ أكثر من مائة عام..

الجميع يهرول في كل اتجاه، والنار تأكل بعض الأجسام، ولعل أقسى ما شاهدناه هو ذلك الشاب الذي يجري مشتعلاً في اتجاه النفق الموجود فيجده مغلقا فيعود مرة أخرى إلى داخل جهنم القائمة بالمحطة محاولا إيجاد سبيل للهروب من الموت حرقا.    

في ظل هذه النار المشتعلة -وكأنها جهنم صغرى- يظهر المنقذ الشاب (وليد مرضي) صاحب كشك بالمحطة، حصيلة الحضارة الإنسانية المصرية، والأصالة، لم ينل الجُبن أو الخوف منه..

وجد نفسه داخل ساحة الانفجار، فثبت بأخلاقيات رغم صمته على القهر والظلم كأقرانه من أبناء وطنه..

بفعلته أعاد لنا الثقة في أنفسنا وشعبنا الذي يبهر العالم دائما أثناء النكبات، إنه حفيد جندي أكتوبر ١٩٧٣، ورفيق شباب الثورة الذي أضاء العالم 18 يوما ٢٠١١..

أنقذ وليد صاحب جركن (إناء) المياه أكثر من عشرة من المصابين بالحادث الأليم الغامض..

لم يجد وليد طفاية حريق، أو نظام أمن صناعي بالمحطة، فلجأ إلى جركن مياه يصب الماء على النار المشتعلة، وبعد أن ينفد الماء يهرول ليأتي بغيره لينقذ حياة ضحية أخرى..

وبكل بساطة ومروءة يؤكد وليد مرضي أنه لم يفعل غير الواجب عليه، والذي يمليه عليه ضميره وإنسانيته، لكنه بفعلته يعطي لنا إشارة ضوء في سكة معتمة.

إضاءة ٢.. بنوك الدم تكتفي بدماء الشباب

لم يكد خبر محرقة محطة مصر ينتشر حتى تسارعت الدعوات للتبرع بالدم  للمستشفيات القريبة من مكان الحادث.. وتسابق كثيرون إلى نحو تسعة مستشفيات قريبة من الحادث إليها، واستمر تدفقهم –خاصة من الشباب- حتى المساء..

إنهم نفس الوجوه، التي كانت في يناير 2011 بميدان التحرير، يتبرعون بدمائهم الزكية للمصابين ولمصر المحروقة بفعل فاعل يحرق الأخضر واليابس!

إنهم نفس الشباب الذي كلما ظهر في المشهد، احترقت قلوب أعداء مصر..

هم يحاولون أن يقتلوه، يعدموه، يحرقوه في محارق متتالية: من قطار الصعيد ٢٠٠٣ بمدينة العياط إلى محرقة مسرح بني سويف ٢٠٠٥، ومن عبارة السلام إلى محرقة محطة مصر في فبراير الأسود، ومن الإعدام إلى السجن والمعتقلات..

كل هذا ولا يزال الشباب بطل الصورة دائما في كل الأزمات والمحن، مما يزيد نار الكراهية في قلوب أعداء مصر..

وأمام بوابة مستشفى الهلال الأحمر بشارع رمسيس يلتقي زياد العليمي عضو ائتلاف الثورة مع زيزو عبده عضو حركة ٦ أبريل الذي يخضع لتدابير احترازية عليه أن يقدم نفسه إلى قسم الشرطة يوميا ليلا..

لكن زيزو ابن ثورة يناير يذهب أولا إلى المستشفى ليتبرع بدمه لإخوانه المصابين قبل أن يخضع لظلم واستبداد وقهر السلطة يوميا في قسم الشرطة، إنهم شباب يناير الذي يضيء في قلب الظلام..

لم يتحرك الشباب من أمام المستشفيات إلا بعد أن أعلنت أنها اكتفت، وأن بنوك الدم فيها قد امتلأت، ولم تعد بحاجة إلى دم  الشباب.. ولكن يبدو أن مصر لا تزال بحاجة إلى هذه الدماء لتنير في سمائها إشارات نصر الثورة.

إضاءات سريعة في ليلة المحرقة الغامضة

بينما يحل ظلام الليل الحالك حول المستشفيات، ويغشى القلوب حزن عميق جراء الكارثة، وينتظر المكلومون من المصريين أمام بواباتها في انتظار الاطمئنان على ذويهم كانت هناك إشارات أخرى في سبيل نور قادم..

فهذه سيدة مصرية تشتري طعاما، وتذهب إلى أهالي المصابين على بوابة المستشفى مع ابنتها الشابة ليقدموه إليهم..

فهم قادمون من أماكن بعيدة عن القاهرة، وقد يزهدون في شراء الطعام جراء عظم المصيبة، وهو ما أدركته السيدة الفاضلة إذ تقول لابنتها: “مش ها يعرفوا يجيبوا أكل”..

إنه مشهد “ينايري” بامتياز يذكرنا بهؤلاء الذين كانوا لا يستطيعون الاعتصام في ميدان التحرير، فكانوا يأتون بالأطعمة والأغطية والأدوية ليشاركوا بها في الثورة على قدر استطاعتهم..

وفي إضاءات أخرى بليلة موحشة حزينة على المصريين يعلن بعض المصريين عن استعدادهم لاستضافة أهالي المصابين في بعض دور الضيافة، ويعلن بعض الأطباء والمستشفيات استعدادهم لعلاج المصابين وعمل عمليات تجميل مجانا لهم..

هكذا تتوالى الأحداث والإضاءات لتعلن عن تكاتف شعب مصر في أوقات المحنة، وتزيح عنه غبار التجريف الطويل الذي حاول أعداء هذا الشعب منذ سنوات بعيدة أن يغطي على عقله وقلبه وأرضه ليتسنى لهم إخماد هذا الوطن الذي يدركون أن استيقاظه يغير التاريخ.. هكذا علمهم التاريخ، وهكذا يرد عليهم المصري في لحظة خاطفة

فمصر عارفة وشايفة وبتصبر

لكنها في خطفة زمن تعبر

إضاءة ٤ احمد محيي طاقة نور بالميدان

بعد كارثة محطة مصر، لم يخضع عقل الصيدلي الشاب ابن لواء الشرطة وعضو مجلس الشعب السابق لأي اعتبارات، تلك التي تمر بخيالنا نحن أبناء ٢٥ يناير مرات كثيرة حينما نفكر في النزول إلى ميدان التحرير.. فقرر النزول بمفرده حاملا لافتة مكتوب عليها “ارحل يا سيسي” فتم اعتقاله..

لا شك أن فكرة النزول للميدان تراود كثيرين مرات عديدة، خاصة في ظل الأزمات المتوالية..

لكن منذ عام ٢٠١٦ وعقب إعلان اتفاقية التنازل عن تيران وصنافير حاول الكاتب الصحفي جمال الجمل والدكتور يحيي القزاز أستاذ الجيولوجيا بجامعة حلوان الاعتصام بالميدان احتجاجا على التفريط في الأرض، اعتقلا وخرجا بعد ساعات..

  الأول يعيش الآن مغتربا في إسطنبول، والثاني يقبع في سجون النظام منذ ستة أشهر بتهمة نشر أخبار كاذبة وإهانة رئيس الجمهورية والدعوة للتظاهر..

منذ ذلك الحين أُغلق ميدان الثورة تماما أمام المصريين وبات حلم الاقتراب منه يأتي إلى الكثيرين؛ لكن حتى الآن لم تتوحد قوى الثورة على النزول، ولا على ميعاد لذلك، ولم يتلق الشباب والشعب هذه الدعوة..

لكن أحمد محيي الصيدلي الشاب قرر وحيدا أو منتحرا أن يكون إشارة نور للمصريين المحبطين أو المكتئبين رافعا شعلة ثورة غائبة مغدورة و مسروقة في تصوره..

فيقول في الفيديو الذي بثه من عربة الشرطة: “إنني قد أكون خالد سعيد جديدا (مذكرا المصريين بخالد سعيد أيقونة ثورة يناير)، ويضيف للمصريين: أنا عارف إني ها اتعذب كتير.. بس أرجوكم لا تنسوا أحمد محيي ولا تتركوني وحيدا”..

رغم أن أحمد ذهب وحيدا إلى الميدان ليعلن رأيه في عبد الفتاح السيسي، ويطلب منه أن يرحل بلافتة صغيرة مكتوب عليها (ارحل يا سيسي)، وهي الجملة التي أصبحت تريندا على مواقع التواصل الاجتماعي في هذا اليوم..

ورغم أنه لم يقم بأي مخالفة قانونية سواء بقانون التظاهر أو غيره من القوانين، إلا إنه تم القبض عليه.. ربما دار بذهنه بيت الشعر المنشور في المقال الذي كتبته عن أمل دنقل منذ أسابيع:

ربما ننفق كل العمر.. كي نثقب ثغرة

ليمر النور للأجيال …مرة!

إضاءة ٥: محاولات شبابية للعودة إلى الميادين

لقد حاول أعداء يناير طويلا ألا يشاهدوا مشهد إعادة الروح في حياة الثورة سنوات طويلة استمرت من قيام الثورة وحتى الآن..

وستستمر بقسوة وقوة وعنف بعد واقعة هذه الإشارات التي شهدتها مصر عقب حادث محطة مصر، فقد حاولوا بكل جهد أن يمحو كلمة الثورة من عقل ووجدان المصريين وحمّلوها كل خطايا حكمهم المستبد الفاشل..

فهي ثورة تقلق كل أبناء مبارك وأعداء مصر في الداخل المخترق أو الخارج من أمريكان وصهاينة أو قوى عربية خافت على عروشها من امتداد الثورة إليهم.

كان نزول الشاب الصيدلي واقعا جديدا وحافزا لنزول مجموعات شبابية في عدة ميادين صباح يوم القبض على أحمد محيي..

ورغم أن أجهزة الأمن المصرية أغلقت الميادين وبخاصة ميدان التحرير، وألقت القبض على شباب ربما تعرضوا لاختفاء قسري، وربما انضموا إلى الآلاف من الشباب في سجون النظام..

إلا أن تلك الإشارات والإضاءات تعيد كثيرا من الأمل في انتصار الشباب وفى عودة الثورة إلى الميادين.

إن ما يتوارد من أخبار حول عدم عودة الرئيس الجزائري القعيد على كرسيه المتحرك من جنيف بعد مظاهرات الجمعة الماضية التي اجتاحت مدن بلد المليون شهيد، وكذا استمرار ثورة شعب السودان في جنوب الوادي، كل هذا مع إشارات الإضاءة القادمة يفتح أبوابا أمام قوى الثورة للتفكير العميق والتنظيم المحكم ليعيدوا بناء طليعة تقود الشعب وتنظم حركته وتوقظ أحلامه في بناء ثوري جديد.

إضاءات مبشره ولكنها ستقلق أعداء يناير

رغم أن هذه اضاءات إيجابية بالنسبة إلى الحالمين بالثورة واستكمالا لأهدافها..

إلا أنها ليست كذلك بالنسبة لأعدائها فهي تعنى فشلهم في تحقيق أهدافهم، وهذا ينبئ بضربات أشد قسوة، وأكثر شدة وسوءا؛ فكلما شعروا بالفشل ازداد التعصب والكراهية لثوار  يناير وما تمثله من تحطيم لهم ولأهدافهم منذ زمن بعيد.

يبقي دائما الأمل لدى شباب يناير، وهذا الشعب في استعادة ذاته واكتشاف قوته التي ظهرت في هذه اللحظة المعتمة بساحة محطة سكة حديد مصر.

وكما يقول الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي في أغنيته عن علي الزيبق البطل الشعبي المصري:

وفي وسط الضلمة (الظلام) تهل أنت

 

ولا نعرف من فين أو امتى (متى)

 

ترفع بنيان الغلبان

 

وتطاطي (وتنزل) بنيان الوالي

 

وترقص قصر السلطان.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان