حركة “ياسين العياري”.. ميلاد فكرة ومشروع

قال مظفر النواب في بعض صلواته الشعرية أن الخروج من الصمت يتم بكلمة مجازفة. وفي الركاكة السياسية المهيمنة على المشهد التونسي رأيت برقا يلمح وقد يكون وراءه غيث عميم. سأتحدث هنا عن حركة الأمل التي تنبعث من جهد نائب الشعب ياسين العياري والفريق الشبابي الذي يتألف حوله بصمت مثابر، وستكون انتخابات 2019 فرصة لقياس أمرين مهمين أولا قوة الفريق الذي يجمِّع الآن في أفق حركة انتخابية وقدرتها على التحول إلى حركة سياسية وثانيا اختبار خطابات كثيرة تظهر الإيمان بالشباب وتدعوه إلى المبادرة في علاقتها بحركة الأمل
مهندس الإعلامية والخبير الدولي المجاز في أمن الشبكات الشاب ياسين العياري ينتمي إلى مجموعة الشباب المدونين الذين مهدوا للثورة بنشاط إعلامي في الشبكات وتعرف عليه الناس بعد سقوط النظام مثل ما تعرفوا على بقية الأسماء(الذين نعتوا بالمدونين). تعرضت تلك الأسماء لاحقا إلى حملة تشكيك ضمن نظرية المؤامرة إياها. لكن الشاب ياسين لم يتوقف كثيرا عندها وظل نشطا في المجال السياسي والإعلامي وقد زاد استشهاد والده العقيد العياري في معركة ضد الإرهاب في حماسه والتزامه السياسي. اقترب من الرئيس المرزوقي في انتخابات 2014 ولكنه لم ينخرط عمليا في حزب الحراك الذي أسسه الدكتور. وإن ظلت الصداقة بينهما قوية وظاهرة وقد تجلت في مغامرة دخول الشاب ياسين الانتخابات الجزئية في ألمانيا. عن مقعد المهاجرين. وأعلن الدكتور المرزوقي دعمه المبدئي له وشارك تقريبا في حملته الانتخابية بما ضمن له فوزا على مرشح حزب النداء الذي صوت له أيضا فريق من مهاجري حزب النهضة الإسلامي.
ومنذ دخوله البرلمان تحرك ياسين كنائب مستقل وبشكل منهجي لافت فأدخل حيوية كبيرة على العمل البرلماني. فساءل السلطة التنفيذية في مواضيع محرمة تقريبا وفرض نقاشات في مواضيع على قدر من الحساسية وكان لعمله صدى لدى المتابعين الجديين لنشاط النواب. فاتهم بالشعبوية وبالبحث عن النجومية السياسية وكانت كثير من الاتهامات تصدر عن نواب كسالى اكتفوا من العمل البرلمان بقبض الراتب والتمتع بالامتيازات.
في الأيام الأخيرة مر ياسين إلى بلورة فكرة جديدة تتمثل في ترشيح مجموعة من الشباب لانتخابات 2019 والدخول إلى البرلمان بقوة واتخذ لذلك يافطة حركة الأمل سنحاول هنا تلمس أفقها السياسي وهي لا تزال في المهد لعلها تكون فاتحة عمل سياسي وبرلماني مختلف عن عمل الأحزاب المتآكلة بفعل الأيديولوجيا والتي لم تفلح رغم الثورة في تجديد قياداتها وأفكارها وظلت مرابطة حول الشعارات السياسية للستينات إن لم تعد إلى ما قبلها.
تبدو فكرة الكتلة البرلمانية من خارج الأحزاب فكرة جديدة لدى جيل ياسين المدرب على النضال الطلابي والعمل في الشارع أو المكتفي بالنقد والتمني المحبط. فالمرور من الكلام إلى الفعل القانوني (المؤسساتي) تعتبر خطوة مختلفة لأنها جديدة في تاريخ النضال الشبابي التونسي. خصوصا وأن الأحزاب القائمة(خاصة اليسار والإسلاميين) تتميز بتأطير عسكري لشبابها الذي ينتهي ميتا داخل الهياكل الحزبية فيقدم رأي قيادة الحزب على رأيه الشخصي. من سيكون أنصار هذه الكتلة وناخبوها المحتملون في 2019؟
يوشك الخائفون من ياسين وفكرته وفريقه الصغير (النواة الأولى هي التي تطوعت لحملته الانتخابية في 2018) أن يتدبروا له جمهورا غفيرا لم يكن ليعرفه لولا حملة التشويه المستمرة على شخصه والتي تردت في حضيض أخلاقي بلا شرف سياسي.
توجد قاعدة شابة ومحبطة من الأحزاب قد تجد في مجموعة الأمل أملا فعليا فتخرج من يأسها وإحباطها وتدفع بفريق شاب إلى البرلمان. بعض هؤلاء نشطوا في حملة المرزوقي 2014 ثم ابتعدوا لأنهم يرفضون الانخراط الحزبي وبعضهم اقترب من حزب التيار الديمقراطي لكنهم خشوا انخراطه في معارك الجبهة الشعبية ضد الإسلاميين وهي معركة استنزفت جهدا كثيرا بلا نتيجة على تقدم الديمقراطية في تونس. كما توجد جماعات أخرى أملت خيرا من حزب النهضة الإسلامي ولكنها لم تره يقود معارك الثورة. فابتعدت خصوصا وأنها ليست جماعات متدينة ولا ترى الحزب إماما دينيا.
لم يبدأ ياسين وفريقه حملة انتخابية بعد ولكن نتف الحوارات القليلة معه ومع بعض أصدقائه تكشف رهانا أوسع من المجموعات المذكورة في الفقرة السابقة فريق الأمل يراهن على الكتلة الصامتة والمقاطعة للعمل السياسي. والتي يفوق حجمها حجم من شارك في انتخابات 2014. هل يفلح في تحريضها على المشاركة؟ هذا رهان عسير ولكنه رهان منتج.
أحد العناصر التي ستكون موضوع متابعة إعلامية ثم موضوع تفكير سياسي بعد الانتخابات هي فريق الأمل. فالأمر تجاوز مغامرة شاب طموح لدخول البرلمان متحديا أكبر الأحزاب السياسية. قد لا يعود ياسين بشخصه إلى البرلمان ولكن سيكون له نواب بلا مسمى حزبي في مرحلة أولى وعلى حجم النجاح الانتخابي سيكون الأفق السياسي. ونميل إلى الاعتقاد أن الفريق سيفرض نفسه بشخصيات جديدة وبأفكار جديدة (حتى الآن ليس هناك أفكار سوى جدية النشاط في البرلمان ضمن القوانين المرعية).
لا نستبعد أن تكون المغامرة التي بدأت على مقعد واحد أن تنتهي إلى كتلة برلمانية فعالة وأن يتحول العمل البرلماني القانوني المنهجي إلى رافعة عمل سياسي حزبي لاحق له.
توجد عقبة مادية فالفريق سيكون فقيرا. لكن الفقر لم يكن عائقا أمام حملة المرزوقي سابقا وقد رفع الباحثون عن تغيير فعلي شعارا سيظل في التاريخ (جئناك بلاش فلوس) تلك الروح المتطوعة قد تتحمس لفريق الأمل /حركة الأمل والأشهر القادمة سيكون لها صوت يسمع.
سنسمع انتقادات واسعة عن الزعامتية وعن النجومية ولكن نتوقع أن تلك الانتقادات ستصدر أولا عمن يعبدون زعماءهم ويخافون أن تكون صورة الشاب الطموح الفقير طعنا في ترهل قياداتهم التي تمسك بخناق الأحزاب وتميت الشباب قهرا على ثورته.
حركة الأمل برق لمع في سماء الثورة التونسية وسننتظر بصدق غيثها في صحراء العمل السياسي التونسي. فالخروج من الصمت يتم بكلمة مجازفة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
