قراءة أولية في نتائج الانتخابات التركية

أكبر خسارة في تلك الانتخابات من نصيب حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الاكراد، رغم نجاح الحزب في رفع نسبته

 

شهدت تركيا إجراء أول انتخابات محلية(بلدية) في ظل نظام الحكم الرئاسي، الأمر الذي منح هذه الانتخابات أهمية كبيرة من جانب الساسة والاحزاب والمراقبين والمتابعين للشأن التركي في العموم، والتى اعتبروها بمثابة إستفتاء شعبي جديد على مدى نجاح النظام الرئاسي بعد مرور فترة على تطبيقه، والذي حل محل النظام البرلماني الذي كان معمولا به منذ إعلان الجمهورية التركية.

مؤشر مهم لقوة الاحزاب

تكمن أهمية الانتخابات البلدية التركية، إلى جانب ذلك، في أن نتائجها تعد دائما مؤشرا مهما  على مدى قوة الاحزاب السياسية على الأرض، وتفاعلها مع القاعدة الشعبية، إلى جانب كونها ترسم صورة أولية للخارطة المتوقعة للبرلمان في أي انتخابات عامة مقبلة.

وهي الانتخابات التى تنافس فيها 12 حزبا سياسيا، في 81 محافظة، وهى أحزاب العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري، والحركة القومية، والجيد، والشعوب الديمقراطي، والوحدة الكبرى، واليسار الديمقراطي، والوطن، والشيوعي التركي، والسعادة، وتركيا المستقلة، والديمقراطي.

 غير أن المنافسة الأبرز هى بين تحالف “الجمهور” الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، وتحالف “الأمة” المكون من حزبي الشعب الجمهوري والجيد، ويدعمه كل من حزبي الشعوب الديمقراطي (كردي) وحزب السعادة (إسلامي).

النتائج الاولية للعملية الانتخابية

وأظهرت النتائج الأولية غير الرسمية فوز تحالف الشعب الذي شكّله حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، بفارق ملحوظ يتمثل بنسبة 51.74 في المئة من أصوات الناخبين مقابل 37.64 في المئة لتحالف الأمة الذي يضم حزب الشعب الجمهوري وحزب الجيد.

ووفقا لما أعلنته وسائل الإعلام المحلية، فقد فاز حزب العدالة والتنمية الحاكم بـ 778 بلدية، ليحل في المرتبة الأولى من بين الأحزب السياسية في تركيا، والشعب الجمهوري بـ 242 بلدية، والحركة القومية بـ 236 بلدية، والشعوب الديمقراطي بـ 63 بلدية، والاحزاب الاخرى ب42 بلدية.

أما فيما يخص ماحصلت عليه الأحزاب من بلديات، فتم الاعلان عن فوز الحزب الحاكم بـ44.95% من إجمالي البلديات، في حين فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ30.25%، وحزب الجيد المعارض بـ7.39 %، وحزب الحركة القومية بـ6.80 %، وحزب الشعوب الديمقراطي بـ4.01 %، فيما فازت الأحزاب الأخرى بما نسبته 6.60% من البلديات.

فوز بطعم الخسارة

ومن خلال قراءة النسب التى أفرزتها النتائج الاولية للعملية الانتخابية يمكننا رصد العديد من التغييرات التى ستنعكس على مسارات السياسة في تركيا خلال السنوات المقبلة، والتي من أبرزها ما يلي:

1 – رغم فوز العدالة والتنمية بالانتخابات، ونجاحه في الاحتفاظ بالكثير من البلديات التي تدين له بالولاء، واستحواذه على بعض البلديات التى كانت دوما في عهدة حزب الشعوب الديمقراطي الكردي مثل بنجول وشيرناق وأغري، وهي بلديات ذات أغلبية كردية. إلا أنه يظل فوزا بطعم الخسارة، إذ لم يستطع الحزب تحقيق نفس النسبة التصويتية التى سبق له الحصول عليها في آخر انتخابات محلية أُجريت في 2014، والتي حصل فيها على 45.5%، إذ انخفضت نسبته التصويتيه إلى 44.4%، وهو مايعني إنخفاض شعبية الحزب في عدد لايستهان به من المدن والمقاطعات التركية. وهو مابدا واضحا في خسارته لأربع من بلدياته، اقتنصها منه حزب الشعب الجمهوري، وهى بلديات العاصمة أنقرة، وأنطاليا، وأرتفين ، وأردهان.

2 – احتفظ حزب الشعب الجمهوري بكافة البلديات التى كانت بحوزته، بل وأضاف لها عددا من البلديات الجديدة على حساب كل من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، حيث تمكن الحزب بذلك من رفع نسبته التصويتيه في هذه الانتخابات عن سابقتها التى حقق فيها 29.5%، حيث أحرز هذه المرة نسبة 30.1%.

3 – يبدو أن تحالف حزب الحركة القومية مع حزب العدالة والتنمية، تسبب في خسارته لشريحة كبيرة من مؤيديه الذين صوتوا لحزب الجيد، إذ فشل حزب الحركة القومية في الاحتفاظ بنفس النسبة التصويتيه التى حققها في انتخابات 2014 وبلغت 14.7%، حيث انخفضت نسبته التصويته إلى 7.2% لصالح حزب الجيد، الذى اقتسم معه هذه النسبة، ونجح في الحصول على اصوات 7.5% من اصوات الناخبين هذه المرة، الأمر الذى يعني أن حزب الحركة القومية سيكون عليه التفكير مليا في مسألة تحالفاته الانتخابية مع العدالة والتنمية ومدى تأثير ذلك على شعبية الحزب وعلى قاعدته الجماهيرية. 

4 – ظهور تفاوت كبير في النسب التصويتية بين العدالة والتنمية ومنافسه العتيد الشعب الجمهوري، خصوصا في البلديات التى فاز فيها الاخير، ومن ذلك على سبيل المثال بلدية إزمير حيث حصل مرشح العدالة والتنمية على 38.6% من أصوات الناخبين مقابل حصول مرشح الشعب الجمهوري على 58% من الاصوات، وفي بلدية انطاليا حصل مرشح العدالة والتنمية على 46.26% بينما حصل مرشح الشعب الجمهوري على 50.61%، وكذلك في هطاي حيث تفوق مرشح حزب الشعب الجمهوري بنسبة 55.13% على مرشح العدالة والتنمية الذي حصل على 42.78% فقط. مما يعني أن الوقت قد حان ليعيد الحزب كافة حساباته المرتبطة بسياسته الخدمية التى تقدم من جانب بلدياته لقاعدته الشعبية، التى لايهمها سياساته الخارجية بقدر مايهمها ماتحصل عليه من مكاسب داخلية.

5 – التنافس الحاد الذي بدا ظاهرا بين الحزبين في إسطنبول حيث ظلت النسب التصويتيه متقاربة أحيانا ومتعادلة في أحيان أخرى، الأمر الذي تسبب في حدوث بلبلة بشأن النتيجة النهائية، والتى لم تحسمها اللجنة العليا للانتخابات حتى كتابة هذا المقال، إلا أن خسارتها ستعني خسارة كبيرة للعدالة والتنمية، وفوزا ساحقا للشعب الجمهوري، الذي سيكون وفق ذلك قد نجح فى الاستحواذ على المدن الثلاثة الكبرى في تركيا وهى، انقرة وإزمير وإسطنبول.  

6 – فشل حزب الجيد في تحقيق نتائج ملموسة بمفرده، ولولا التحالف الذي بينه وبين حزب الشعب الجمهوري لخرج من تلك الانتخابات صفر اليدين.

7 –  أكبر خسارة في تلك الانتخابات من نصيب حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الأكراد، رغم نجاح الحزب في رفع نسبته التصويته من 3.5% حصل عليها عام 2014 إلى 4.2%، إلا أنه لم فشل في توسيع نطاق البلديات التى يسيطر عليها، كما فشل في الاحتفاظ ببلدياته التقليدية التى كانت دوما تصوت لصالحه، وهو مايعني حدوث تحول غير مسبوق في رؤية الأكراد لعلاقتهم بالدولة التركية، والمكاسب التى يريدون الحصول عليها، والآلية التى تكفل لهم تحقيق ذلك.

 

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان