قضيّة “عمرو” و”خالد” وصناعة خصوم سياسيين مجاناً !

تبدو سلطة الحكم في مصر قوية، باسطة نفوذها وقبضتها الفولاذية على الدولة والشعب، فلا معارضة على الأرض في الداخل قادرة على الفعل والتأثير في توجهاتها وقراراتها وسياساتها.
لكن يأتي موضوع عابر مثل موضوع عمرو واكد وخالد أبو النجا، فيجعل الظاهر شيئاً، والخفي شيئاً آخر، فتبدو السلطة مهتزة، كمن يجلس على كرسي هزاز، يتأرجح للأمام وللخلف.
ومن يُصدّر للمتابع هذا الشعور، هو الإعلام المعبر عن السلطة، بغباء وسذاجة وغياب الحرفية المهنية، وبأدائه المنفلت من كل ضابط، والمتوتر بلا سبب مقنع، والمتحدث دون رصانة ورزانة، والمبالغ في الهجوم لمُستوى قاتل للمعايير المهنية والقيم الأخلاقيّة.
هاج الإعلام وماج على عمرو وخالد بسبب مُشاركتهما في ندوة بواشنطن، وشنّ عليهما هجوماً عنيفاً، رغم أنهما ممثلان، وليسا سياسيين ثقيلين، وهما لا يمتلكان موهبة التنظير، ولا القدرة على الخطابة المؤثّرة في الرأي العام، ومن قراءة تغريداتهما على موقع “تويتر” وأحاديثهما للتلفزيونات تجد أنك أمام مواطنين بسطاء، وكل ما هنالك أن لهما رؤية في الحاضر السياسي لبلديهما، ويطمحان لمستقبل أفضل لهذا البلد في مجال الحريات والحكم الديمقراطي التنافسي العادل.
وهما لا يريدان أكثر من تطبيق شعارات 25/30 في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وإعادة البوصلة إلى مجالها الذي كان يجب أن تظل عليه منذ خرج جمهور وقوى سياسية وثورية تدعو لانتخابات رئاسية مبكرة لتصحيح مسار رأت أنه يكاد ينحرف عن طريقه الذي ناضل من أجله المصريون.
وهما وغيرهما وجدا أن المسار الجديد (ما بعد 3 من يوليو/تموز) لم يستمر كما كان مأمولاً بل تفرع في اتجاه آخر مُختلف وألغى في طريقه الجديد أشواق البناء الديمقراطي الإصلاحي الشامل، وكأن البلاد لم تشهد ثورة وموجات تصحيحية مُتتالية لها، أو قل ثورتين، لتحقيق هدف رئيسي هو الديمقراطية كما يقول الكتاب في بلاد المنشأ لهذا النظام السياسي الأفضل في الحكم حتى اليوم.
التنافس الإعلامي على سحق الممثلين مرجعه أنهما من وجوه القوى الناعمة، ويصعب تلويثهما سياسياً وأيديولوجياً، وبطبيعة الحال لا تاريخ لهما في العمل العام يشينهما في ألعاب السياسة وتحالفاتها ومواقفها المتغيرة ومصالحها الذاتية، وأكثر ما يزعج في وجودهما في الكونجرس الأمريكيّ أنّ أهل الفن مرتبطون دوماً بالنظام، وهم في طليعة التأييد، وعندما يخرج من هذا الصف من يناهض النظام فإن هذا يمثل طعنة في منطقة حساسة له، كما يصعب ربطهما بالإخوان لإسقاطهما شعبياً ومعنوياً، وهما وجهان مثقفان ومعروفان خارجياً ويجيدان مخاطبة العالم، وعندما يدافعان عن قضايا سياسية وإنسانية كبرى فإن ما يقولانه يلقى آذاناً مُصغية في بلدان الديمقراطيات، ويكون له تأثيره لدى نخب مثقفة وفئات شعبية ممن يرتبطون بهما خاصة أجيال الشباب.
وموقفهما مع من سبقوهما على طريق معارضة الأوضاع يضع السلطة في مأزق تآكل الشعبية، وتزايد أصوات المُعارضة المدنية غير الإسلامية التي يصعب التشكيك في نواياها وأهدافها، وخاصة عندما تكون هذه الأصوات من القوى الناعمة.
ومع الحملة العنيفة يتفتّق ذهن مسطح آخر عن محاولة تلويثهما أدبياً ومجتمعياً ومعنوياً بعد اتهامهما بالخيانة العظمى وبلاغات سحب الجنسية منهما وذلك بتصميم صورة غلاف لهما تحمل إيحاءات ساقطة، لكنها أتت بنتائج عكسية فقد حازت استهجاناً واسعاً لدى الرأي العام، وكانت صادمة للجمهور الداعم للسلطة نفسه، وكشفت مع ما سبقها من إيحاءات لفظية في برامج ليلية عن الاهتزاز من مجرد ساعة أو أقل حضرا فيها لقاء في غرفة جانبية في مجلس الشيوخ الأمريكي (26 مارس الماضي) للحديث حول قضيتين يعرف العالم عنهما أكثر مما قاله كل واحد منهما: تعديل الدستور، وحالة حقوق الإنسان.
ولو كان هذا الإعلام الموجّه من أعلى، أو المُوجِه لنفسه لأعلى تجاهل ما جرى في الغرفة الصّغيرة التي حضر فيها أقل من 50 شخصاً وشارك عضو واحد في مجلس النواب (توم مالينسكي) لما كان شعر أحد بما جرى ولا تابع تداعياته ولا ذهب للإنترنت للبحث والاضطلاع والمشاهدة ومعرفة الكثير مما قيل حول الندوة وما سبقها ولحقها من لقاءات ونشاطات وردود أفعال من محتوى غير مقيد ولا مسيطر عليه مثل بيان الفجر لنقابة المهن التمثيلية (27 مارس) التي ألغت فيه دون تحقيق عضوية الفنانين اللذين يشاركان في أعمال فنية عالمية، وعضوية النقابة لن تضيف إليهما في صناعة السينما العالمية، بل هما بمكانتهما في الصناعة خارجياً يضيفان للنقابة، وبما يجري معهما من حملة عصبية لتشويه سمعتهما يدشنان نفسيهما مدافعين عن الحرية والقيم الديمقراطية ليكونا في مصاف نخبة القوى الناعمة عالمياً التي تتبنى هذه القيم الإنسانية.
هذا النوع من الإعلام المسطح المدار بعقول لاتزال تعيش في كهوف الزمن الماضي ولا تنظر لأبعد من أسفل قدميها ولا تدري أن مُمارسات الرقابة والتقييد والتكميم والتعبئة والتوجيه وإلى آخر السلوكيات القديمة للإعلام الشمولي السلطوي قد عفا عليه الزمن وسقط تماماً في عصر شبكة الإنترنت والسماوات المفتوحة الحقيقية، زمن صار مستحيلاً فيه التحكمُ في العقل أو فرض منظومات فكرية وأخلاقية معينة عليه، وإذا حصل ذلك لفترة فإنه ينتهي سريعاً ولا يدوم كما كان في عصور إعلام الحمام الزاجل، ثم “البرافدا”.
مشكلة النظام حساسيته المفرطة في تواصل شخصيات عامة مع الخارج بشأن قضايا متداولة في الداخل، حيث يعتبر هذا الفعل من المحرمات السياسية، وكل عهود الحُكم اتسمت بمثل هذه الحساسية، ويمكن تفهم القلق إذا كانت القضايا المثارة مع أطراف خارجية تتصل بالأمن القومي، أو التحريض على البلاد أو تعريضها للخطر، أو لفرض عقوبات عليها، لكن عندما يتعلق النقاش بقضايا عامة مجال بحث سياسي علني على مستويات رسمية وشعبية ودولية مثل حقوق الإنسان، والحريات، والديمقراطية، والتعديلات الدستورية، فلماذا يقلق النظام كثيراً؟، وماذا يزعجه لدرجة الهجوم الإعلامي على فنانَين لا يقولان شيئاً أكثر مما يتناوله الإعلام العالميّ، وينشره روّاد مواقع التواصل، ويعرف الأمريكان والأوروبيون الكثير عن هذه المواضيع.
لكن مع هذا كان ينبغي عليهما التحسب للحساسية الرسمية للسلطة، واعتبار أن مثل هذا اللقاء سيكون منصة مناسبة في حملة الهجوم العنيف عليهما، خاصة أن اللقاء كان هامشياً، وهو لن يغيّر كثيراً في توجهات السياسة الأمريكية لإدارة ترامب التي تدعم القاهرة بقوة.
وأفكار التغيير وآلياته لابدّ أن تكون وطنية وتنبع من الداخل وليس من الخارج، وفي التاريخ فإن كل معارضات الخارج يسهل ضربها وتشويهها وتوجيه الاتّهامات القاسية لها، ومصر لم تعرف التغيير أو دفع سلطات الحكم للإصلاح من الخارج، و25 يناير كانت فعلاً داخلياً كاملاً وكذلك 30 يونيو.
ربما لم تكن حسابات عمرو واكد وخالد أبو النجا دقيقة بشكل كافٍ في عقد مثل هذا اللقاء في مبنى مجلس الشيوخ رغم أنه لقاء غير رسمي لكن رمزية المكان والدور التشريعي الذي يقوم به هذا المجلس ضمن مؤسّسة الكونجرس يثير دائماً القلق للأنظمة حتى لو كانت ترتبط بعلاقات صداقة أو تحالف مع الإدارة الأمريكية، ذلك أن أمريكا المؤسّسات متغيرة باستمرار حسب مصالحها ولا يؤتمن جانبها، فهي على استعداد لبيع أي نظام في لحظة إذا وجدته غير مستقر.
وربما لم يدرك الاثنان أن وجودهما في الندوة قد يتسبب في إثارة كل هذا القلق والغضب، وربما فوجئا بذاتهما وبتأثيرهما بعد هذه الواقعة فأخذا يواجهان ويردان بقوة بل ويصعّدان ويقودان منصة هجوم مضادة.
هكذا ممارسات أذرع السلطة تصنع خصوماً سياسيين مجاناً، وتزيد عددهم، وتجعل منهم نجوماً وتقطع أي خيط رفيع بينها وبينهم، وبنظرة على المسار منذ 3 يوليو وحتى اليوم يتبدّى العدد الكبير ممن غادروا معسكر السلطة إلى معسكر الاختلاف معها، وهذا سلبي لها، وهي مُشكلة مُرتبطة بها وليس بهم، وهو معسكر آخر يظلّ مُحافظاً على عنوانه المدني دون أن يلتحم مع المُعارضة الإخوانية.
وإذا كانت السلطة ترى وضع حقوق الإنسان جيداً، فلماذا التوتر؟، وإذا كان سيئاً فلماذا لا يتم تحسينه، ليس استجابة لضغوط الخارج، بل احتراماً لحقوق دستورية وقانونية للمواطن، والتزاماً بقوانين ومواثيق وعهود دولية وقعت عليها مصر.
وفي شأن التعديل الدستوري، فالأصل أن الاستفتاء عليه سيكون إما التأييد بـ نعم، أو الرفض بـ لا، ونظرياً إما يمر، أو يسقط، وبالتالي مناقشة التعديلات، وتأييدها أو معارضتها في الداخل أو الخارج أمر بديهي وطبيعي وعادي ولا يجب أن يثير حفيظة السلطة إلا إذا كانت تريد اتجاهاً في مسار واحد وهو تأييد التعديلات فقط لتؤكد ما يُثار حول أهداف الدفع بهذا المقترح.
وقضية تعديل الدستور، وحالة حقوق الإنسان، ومجمل الموضوعات ذات الطبيعة السياسية المثارة لا تمثل أي انتهاك لمحرمات وطنية أو أمنية أو عسكرية بغض النظر عن الحديث بشأنها داخلياً أو خارجياً، فالحدود لم تعد ذات معنى في عالم اليوم المفتوح على اتساع ولم تعد فيه أسرار، أو ما يمكن إخفاؤه.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
