الشعوب العربية.. فراغ سياسي أم فراغ عاطفي؟!

لا تزال شعوبنا العربية تصارع كثيرا للخروج من مرحلة المراهقة، وإن شواربَ الثورات التي ظهرت في وجهها لم تفلح بعد في تغيير طريقة تفكيرها ومسلماتها الساذجة القديمة. ومثل أي مراهق بسيط فإن الشعوب العربية تؤمن أيضا بالحب وتقدسه، وتبحث عنه بحثا محموما، ومعشوقُ الشعوب هو القائدُ الرمز، وعلاقتُهما ببعضهما البعض هي علاقة حب متكاملةُ الأركان، وإن كان غالبا ـ للأسف ـ حبّا من طرف واحد.
لقد فهمت الأنظمة المتمثلة بالزعماء هذا الأمر جيدا، فعمدت خلال عقود حكمها لتفريغ شعوبها من أي رمز يشكل تهديدا أو منافسة للحبيب الأوحد، وذلك بمحاربة أي حاضنة يمكن أن تكون بيئة مناسبة لإفراز هذه الرموز، كالأحزاب والمؤسسات الدينية والثقافية المشكوك في ولائها، وبملاحقةِ واعتقال وتهجير أي شخصية برزت قدراتها الاستثنائية للناس، دون أن تعلن لهم أنها تستمد نجاحها وتميزها بفضل من عطاءات ومكرمات الطاغية.
وكانت المحطاتُ التلفزيونية والصحف ووسائل الإعلام المختلفة على مدار هذه العقود تمجد هذا القائد الرمز، وتحلِّيه في عيون شعبه العاشق، وتقنعه بأن محبوبه ليس له مثيل، لذا شكَّلَ دخول القنوات الفضائية إلى المنازل في تسعينيات القرن الفائت صدمة لدى هذه الشعوب، حين رأت أن كلاماً مماثلاً للذي يقال في تمجيد معشوقها، يُقال في دول أخرى لتمجيد شخص آخر تماما!
لم يكن من المُتخيل بالنسبة لها أن يكون هناك قائدٌ آخر في مكان آخر من هذا العالم سوى قائدها أبا وأخا وزعيما فذا وسياسيا عبقريا ومفكرا عظيما وعسكريا محنكا، إلى غيرها من هذه الصفات التي لا تجتمع إلا للأنبياء المعصومين.
ولقد كانت هذه القنوات متنفسا لبروز بعض الرموز الجديدة التي أنقصت شيئا من حصة الطاغية من المحبة والتمجيد بالتفافِ الناس حولها.
لكن الأنظمة استطاعت فورا استيعاب الأمر، ولعبت لعبتها فيه ببراعة، حيث عمدت إلى تبني هذه الرموز، بل صناعة الكثير منها صناعة متقنة على عينها، بحيث يتم استخدامها في المنعطفات المفصلية، لتعلنَ ولاءها للقائد الأعظم، وتؤكد على وحدانية أحقيته بالحب والاتباع.
مفكرون ودعاةٌ دينيون وإعلاميون وكتابٌ مشهورون بل حتى معارضون سياسيون معروفون، سقطوا من عين شعوبهم عند اشتعال لهيب ثورات الربيع العربي، كما تسقط أحجار الدمينو بتتابع، لتجدَ الشعوب العربية قلوبَها فارغة تماما، وعواطفَها المتأججة بالحب تُهدر في كل الاتجاهات، فلقد اكتشفت هذه الشعوب خيانة معشوقها القديم لها بعد استغفال لعقود طويلة، وها هم بدائله المحتملون ينفضون عنها، ويُخْلِفون وعودهم وكلامهم المعسول الذي كانوا يصوغونه على مسامعها ليل نهار.
هذا الفراغ العاطفي الكبير وهذه الحاجة الملحة لدى الشعوب العربية للتعلقِ برمز عظيم كاملِ الأوصاف يعوِّض عن الحب المفقود، أدت إلى تخبط كبير بين صفوف الناس بحثاً عن أي أحد يتوهمون فيه قدرته على ملء هذا الفراغ، والتعويضِ عن الأيام السوداء السابقة، فقاموا إما بقبول رموز لُمعت وقدمت لهم في سرعة مريبة، أو قاموا هم أنفسهم بسلق رموزهم الخاصة على نار عالية بدون أي صبر.
وفي اللحظات التي تسود فيها الفوضى، ويسيطرُ الفراغُ السياسي، وتمتلئ النفوس بالترقب والتوجس، تبدأ همسات مجهولة المصدر من هنا وهناك تتحدث عن رجل استثنائي، ذي صفات فوق العادية، قادر على لملمة هذه الفوضى، وقيادة الشعب الخائف المذعور مثل امرأة نائحة تعرضت للخيانة إلى برِّ الأمان. لا أحد يعرف بالضبط مصدر هذه الإشاعات التي تروج لهذا الرجل الغامض، لكنها تصبح خلال وقت قصير من القوة والتكرار، بحيث لا تترك لدى الناس وقتا للتساؤل عن مصدرها، وعمن يقف وراءها، رغم أنها دوما ما تكون أمورا دبرت بليل في مطابخ القوى المستفيدة، ليظهر هذا “الرجل الغامض بسلامته” فجأة إلى العلن، ويعلن عن نفسه على أنه الفارس المنتظر، مستفيدا من توق الشعوب الجارف لمعشوقٍ جديد تعودتْ على وجوده في حياتها، رفعاً للمسؤولية عنها، وخوفاً من اعتمادها على ذاتها في هذا المنعطف المخيف، لذا تستسلم الشعوب لمخيلتها الجامحة في تصوير هذا الزعيم على أنه المنشود، تنعشُ هذه المخيلةَ الرغبةُ في التعويضِ عن خيبات الأمل السابقة، ويغذيها ضخُّ وسائل الإعلام غير المسبوق للترويج لهذا الرجل، مثل عجائز لحوحات ثرثارات لهن رغبة في إنجاح هذا الأمر، وغالبا ما يكون هذا السوبرمان المخلّص والزّعيم المنتظر جنرالا في الجيش وسليلا للمؤسسة العسكرية والأمنية!
وتصنع الشعوب رموزها أحيانا بل وتصدرها للخارج بشكل مفرط في السذاجة، وبكثير من حسن النية. فالمظاهرات المطالبة بالحرية تتحول لدى بعض النشطاء إلى جلسات تصوير، يتم فيها التقاط نماذج غير عادية للمتظاهرين، أو تسجيل مواقف مثيرة للانتباه للنشطاء، ثم نشرُها وترويجها بين الناس، وإلباسها عبارات وشعارات على مقاس الثورة لا على مقاس الشخص فقط، والذي كلُّ ما يميزه هو اندفاع جريء أمام الكاميرا، أو شعر ذهبي متموج، أو رداء أبيض وسمرة فاتنة.
نعم، هذه اللقطات تسرُّ القلب حقا، ويجب تداولها في سياقها السليم، لكن الضرر كل الضرر في تحميلها أكثر مما تحتمل، ووضعِ أصحابها في موقع لم يختاروه لأنفسهم، فقد ناموا في الليلة السابقة أشخاصا عاديين واستيقظوا ليجدوا أنفسهم رموزا وأيقونات دون أن يخططوا للأمر.
وقد يتم تصديرهم للخارج على أنهم الوجه الممثل للثورة، رغم أنهم قد يكونون عاجزين عن حمل مسؤولية هذا التمثيل، طالما أن شغل هذا الموقع يتطلب من المرء إتقانه لأدوات هذا الأمر، لذا يصبح من السهولة بمكان استجرار هؤلاء إلى تصريحات أو مواقف غير صائبة، تصبُّ في مصلحة من يتقنون لعبة استغلال الرموز هذه، وتضرُّ بالقضية التي خرجوا من أجلها.
إن عملية البحث عن الرموز ليست مثل عملية اكتشاف المواهب، أو البحثِ عن ممثلين، أو إخراجِ كليبات الأغاني، والاتكالُ على هذا الأمر في عملية سلق الرموز السريعة على نار الأحداث الساخنة ولهيب الانفعالات الحادة هو تعطيلٌ لعملية إنتاج الرموز الحقيقية القادرة على النجاح وقيادة الحراك الثوري والسياسي، وهو بمثابة إسنادِ أدوارِ البطولة على مسرح الأحداث إلى ممثلين غير محترفين، والتضييق في المساحة على الأشخاص القادرين حقا على تقديم العرض الأفضل.
لكن ما أسرع ما تقع الشعوب العربية في الغرام! وما أصعب إقناعها باستحالة وجود فارس الأحلام الذي تبحث عنه إلا في مخيلتها!
إن القائد الذي نبحث عنه قد يكون على بعد خطوات منا، أو ملتصقا بنا كتفا لكتف، في حين أننا نجد أنفسنا نقف على أصابع أقدامنا، ونمد أعناقنا عاليا في الهواء لترقبِ رمزٍ يهبط من السماء ويحمل عنا عناء صناعته واحتضانه.
فالقادة والزعماء والرموز والأبطال الحقيقيون يخرجون من رحم المؤسسات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والتياراتِ الاجتماعية والسياسية، بعد إتمام فترة حمل مديدة تجعل هذه الولادة ممكنة.
إن القادة الحقيقيين لا يهبطون من السماء كاملي الأوصاف، ولا يستطيعون حتى صناعة أنفسهم بأنفسهم، بل إنهم يُصنعون على مهل، ويتكاتف الجميع لخلقهم، وتصقلهم الخبرات الطويلة، ولهم تاريخ معروف للناس بعثراتهم وإنجازاتهم.
الرموزُ الحقيقية قد لا تلتقطها عدسات الكاميرات لأنها لا تحمل بالضرورة أي مظهر غير عادي، كما أنك لن تجد أحدا يروج لها في الإعلام في ساعات الفوضى، أو يطلق عنها الإشاعات بشكل مفاجئ من الزوايا المجهولة، بل هي تحتاج لأن تكون في الحاضنة الصحيحة في جوٍ حرٍ صحيٍّ ديمقراطي، لتبدأ ببناء نفسها شيئا فشيئا، فتكون محل ثقة الناس، وأهلا لشَغل المراكز القيادية.
وحينها سيكتمل الشاربُ في وجه الشعوب العربية، وستتخلص تماما من أفكارها الساذجة حول الرمز المعشوق، والعلاقة الاستثنائية بين الشعب والقائد.
وحينها ستفهم أن علاقة الشعب مع أي إنسان في موقع القيادة هي علاقة أعقد من ذلك بكثير، لا مكان فيها للعواطف الهوجاء، والتوقعات الخيالية، والثقة المطلقة، وليس ثمة إخلاص وحب أبديان فيها، بل هي علاقة موظفٍّ بمواطن، فيها الثقةُ بمن يثبت أنه أهل للثقة عن جدارة، كما أن فيها عند التقصير جلساتُ الاستجواب وصناديقُ الاقتراع.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
