مصر: لا تزال النقابات المهنية تحت السيطرة

ما بين نقابة تحول النقيب فيها إلى محقق وقاضٍ يصدر الأحكام، ونقابة أصبح النقيب فيها آخر من يعلم عن لائحة جزاءات الأعضاء، ونقابة يتعرض أعضاؤها للاعتداء المستمر من جانب ضباط الأمن، تعيش ثلاث نقابات مهنية هذه الأيام.. فماذا جرى؟! ولماذا غابت فاعليه النقابات المهنية؟!
غاب نقيب الممثلين عن شاشات العرض السينمائي والدراما التليفزيونية كثيرا فهو ممثل يتمتع بقدر محدود من الموهبة، ولم يتح له خلال تاريخه أي مساحة لدور ذي تأثير أو صدى لدى الجمهور؛ لكنه اكتشف فجأة بعد ساعات قليلة من فوزه بمنصب النقيب أنه “نقيب” فتحول من النقيب المهني إلى “النقيب الرتبة” وربما عاش بخياله حلما ليصبح “مقدم” في أجهزة هو يعرفها تماما وهم يعرفونه!
وهكذا في لحظة التقمص لرتبة أمنية، وليست مهمة نقابية استدعى مجلس النقابة وأجاد دور “المقدم” هذه المرة، وأصدر قرارا قضائيا هذه المرة هو ومجلس نقابته بفصل الفنانين: عمرو واكد، خالد أبو النجا من عضوية نقابة المهن التمثيلية وكأنها نقابته الخاصة..
واتهم “النقيب الرتبة” النجمين الكبيرين بالخيانة العظمي والاتصال بجهات أجنبية والإساءة إلى مصر ومصالح الوطن العليا..
إنها الاتهامات التي أصبحت تُلقى جُزافا في مصر على أي معارض للنظام، وهي اتهامات تصل بصاحبها إلى الإعدام، وهى العقوبة التي أصبحت أكثر نطقا بها من قبل الساده القضاة في السنوات الأخيرة.
في لحظة غامضة تحولت النقابة المهنية إلى قسم شرطة تتم فيه التحقيقات بدون حضور المتهم ولا محاميه ولا محامي نقابته المنوط بها الدفاع عنه..
(نسيت نحن في النقابة ولسنا في القسم ونحن مع نقيب المهنة وليس نقيب الشرطة)!
وتحول مجلس النقابة إلى أعضاء في فريق مباحث، وقاموا بالتحريات اللازمة؛ فالنجمان اللذان، كان يحلم نقيب الممثلين أن يقف بجوارهما في واحد من أعمالهما، متهمان بالخيانة العظمى، والاتصال بجهة أجنبية وهي الكونغرس الأمريكي، وإفشاء أسرار الدولة التي هي انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
وفي لحظة درامية تصاعدية جديدة ارتدى النقيب وفرقته من أعضاء المجلس زي القضاة، وأصدروا الحكم باسم مجلس نقابة المهن التمثيلية بفصل خالد أبو النجا وعمرو واكد من سجلات النقابة (يا حرام مش ها يحصلوا على معاش النقابة.. هكذا علق أحد الساخرين على فيس بوك).
وفي تلك اللحظة الغامضة والدرامية فاجأنا النقيب أشرف زكي بمفهوم جديد للنقابات المهنية؛ فقد حول نقابته من نقابة للدفاع عن الممثلين ومصالحهم وحماية المهنة، وضمان عدم تعرضهم للظلم أو التعسف من قبل هيئات وشخصيات إلى نقابة إدانة وأحكام وتعسف ضد أعضائها، وإن النقابة عليها أن ترسل محاميها ومستشارها القانوني للدفاع عن أعضائها وليس أن توجه لهم تهما تصل بهم إلى حبل المشنقة.
في لحظة درامية غامضة نسي النقيب ومجلسه القواعد واللوائح الخاصة بالنقابة، ونسي أو تناسى في تلك اللحظة أن قرار الفصل ليس في سلطته أو سلطة المجلس؛ لكنها لحظة النفاق والتزلف لسلطة غاشمة لا تسمح لأحد أن يتنفس داخل الوطن، وإن تنفس فالاعتقال والسجن مصيره..
لقد تناسى النقيب وهو يتقمص دوره كقاضٍ وضابط أجهزة أمنية أن يذاكر دوره جيدا؛ فتلك عادته في أدواره الدرامية إذ لا يهتم بها قبل التصوير!
وفى مشهد درامي أعلى غاب رد فعل الأعضاء الممثلين؛ فلم يعلق أي ممثل على ما حدث لزملائه، ولم يتضامن أحد منهم، ولم يعترض على قرار منع أعمالهم الدرامية التي قد يكون قد شارك فيها أحدهم.
الجريمة التي ارتكبها خالد أبو النجا وعمرو واكد كانت عرض ملف حقوق الإنسان في مصر أمام أحد لجان الكونغرس الأمريكي وهو الملف الأكثر انتهاكا في مصر، وبلغ عدد المعتقلين السياسيين أكثر من ٦٠ ألف معتقل على خلفية الحالة السياسية السائدة منذ خمس سنوات.
وحتى الآن يتعرض السياسيون المصريون من كل الاتجاهات السياسية إلى الاعتقال والسجن باتهامات وهمية ومطاطة ولمدد طويلة..
حتى الحبس الاحتياطي الذي كان مقيدا بفترة محددة تغير بقانون صدر فأصبح مفتوح المدة الزمنية، ولذا قد تجد محبوسا احتياطيا لمده تزيد عن خمس سنوات بلا محاكمة ولا تحقيق هذا إلى جانب حالات التعذيب والانتهاكات الإنسانية الكثيرة والتي تعجز كل الأطياف السياسية والشخصيات عن إيجاد وسيلة لإنقاذ هؤلاء الذين يعانون من السجن والاعتقال.
كان إنجاز النظام المصري الوحيد الملموس على أرض الواقع خلال السنوات الماضية بجانب التردي الاقتصادي والتضخم التجاري وارتفاع الأسعار الجنوني، وسقوط طبقات كاملة إلى تحت خط الفقر وغلق المجال العام، وكبت الحريات ومصادرة الصحف وإغلاق المواقع الإخبارية وأحكام على أصحاب الرأي كان هذ الإنجاز الأكبر هو بناء ٢١ سجنا بطول مصر وعرضها.
السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعا هل كان أبو النجا وواكد هما فقط من تعاملا مع مؤسسة أمريكية لعرض ملفات مصرية عليها؛ أم أن آخرين ذهبوا لتلك المؤسسات على مدار سنوات طويلة منذ عهد مبارك إلى الآن لعرض ملفات كانت في مرات بسيطة كملف حقوق الإنسان، وفى مرات كارثية وسرية ومتعلق بأمن الوطن..
أو ليست الولايات المتحدة هي صاحبة ال٩٩٪ من أوراق اللعبة كما قال أنور السادات، أو ليست الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هما اللذان لابد أن يوافقا على أي رئيس قادم كما قال مصطفى الفقي..
فلماذا يحرم النظام والنقابة الأمنية على مواطن مصري أن يقدم وجهة نظره إلى العالم وخاصة أنه لم يطالب مثلا بتدخل عسكري، أو ليس وفود الممثلين في رحلات رئيس الجمهورية إلى أمريكا تعبيرا منهم عن سعادتهم بقيادته، فلماذا يجرم النظام ونقيبه في نقابة الممثلين ما فعله خالد وواكد بينما يهلل ويكرم من ذهبوا من قبل
هل سمح النظام المصري لأي شخص أن يعبر عن رأيه في هذه الانتهاكات، وهذا الملف داخل حدود الدولة المصرية؟ هل سمح بشخص واحد على شاشات التلفزيون حكومي كان أو خاص بالتعبير عن رأيه فيما يحدث في الشارع وليس بالسجون؟ هل ذهبت كاميرا واحدة من كل تليفزيونات مصر إلى مؤتمر القوى المدنية لرفض التعديلات الدستورية.
إن الإجابة الدائمة لكل الأسئلة: لا لا لا لم يسمح النظام.. فماذا يتبقى لأى مهتم بالعملية السياسية إلا أن يعبر عن رأيه في أي مكان وعبر أي طريق طالما كان ذلك تعبيرا سلميا حضاريا.. كل التضامن مع خالد أبو النجا وعمرو واكد.. وضد قرار نقيب الممثلين الأمني.
لم يكد يمضي وقت على انتخاب نقيب جديد للصحفيين وسته أعضاء من مجلس النقابة حتى فوجئ الجميع باللائحة الجديدة التي أصدرها المجلس الأعلى للإعلام والتي عُرفت بين الصحفيين باسم لائحة منع الصحافة والإعلام والنشر، وحتى التعليق على صفحات التواصل الاجتماعي لمن يزيد عدد متابعيه عن خمسة آلاف متابع ..
وقد لاقت اللائحة معارضة وغضبا من جانب عدد من الصحفيين وخاصة هؤلاء الذين دخلوا الانتخابات الأخيرة تحت مسمى تيار استقلال المهنة، وهم الذين لم يستطيعوا أن يمرروا سوى مرشح وحيد لهم إلى مجلس النقابة وهو محمود كامل الذى نجح في جولة انتخابية عرفت بانتخابات الرز!
لما شابها من هدايا عينية كثيره ونجاح لمن صرف أموالا أكثر، ووزع هدايا أكثر .. ولكن ظلت هذه المعارضة ضعيفة إلى حد كبير فلم ينتج عنها أي بادرة جماعية تحول الغضب إلى فعل حقيقي على الأرض، ولم يتجاوز الغضب حتى الآن صفحات التواصل الاجتماعي.
فرق كبير بين رد الفعل على اقتحام النقابة منذ ثلاث سنوات ورد الفعل على اقتحام المهنة، و محاولات إلغائها هذه المرة؛ وكأن المبنى أهم من المهنة،
فبينما لم تمض ساعات علي اقتحام الداخلية للنقابة للقبض علي الصحفي عمرو بدر (عضو مجلس نقابة الآن)، وزميله الصحفي الشاب محمود السقا ( لم يكن عضوا بالنقابة حينها) حتى كان الصحفيون من كل الاتجاهات متوجهين إلى النقابة ..
بل إن اعلاميين وشخصيات سياسية وعامة ذهبت إلى النقابة في مشهد لم تشهده إلا مرات قليله في تاريخها، وعقدت جمعية غير عادية وتجاوز حضورها خمسة آلاف عضو، وصدرت قرارات أبرزها: صدور الصحف باللون الأسود، وعدم نشر صورة وزير الداخلية إلا نيجاتيف فيما عرف بالوزير النيجاتيف ..
فما الذى تغير مع صدور اللائحة الجديدة لإعدام الصحافة والنشر، ماذا أصاب الصحفيين، إذ لم تظهر أي بادرة غضب منهم تجاه الاعتداء على المهنة والمسماة باللائحة المكرمية!
وكان أبرز ما حدث فكان تعليق النقيب الجديد المنتخب حديثا حين قال عندما سأله أحد الصحفيين عن اللائحة: ها ندرس اللائحة ونشوف ..
وكأن النقابة تدرس لائحة تخصها بعد صدورها! وكأن النقابة ليست لها أعضاء بالمجلس الأعلى للإعلام! وكأن النقيب الذى يتولى رئاسة هيئة الاستعلامات لم ير اللائحة من قبل ولا يدري بنودها ولا تفاصيلها ..
لم يسأل أحد من الصحفيين النقيب عن هذه الأشياء، لأنهم تركوا نقابتهم منذ صدور اللائحة، وبمرور الأيام يبدو أنهم نسوها أو تناسوها، وغاصوا في متاهات أخرى؛ لذا لم يكن رد فعل النقيب غريبا فهو متوافق مع حالة أعضاء نقابته، لذا فإنه سيدرس ..!
ذهب ضابط الشرطة لتفتيش منزل والقبض على مواطن من منزله، استقبلته ابنة أخ المتهم المحامية آية عبدالرحمن، عضو نقابة المحامين، وطلبت من الضابط إذن النيابة، فما كان من الضابط إلا أن اعتدى على المحامية اعتداءً غاشما أحدث لها إصابات خطيرة جدا تعرض حياتها وحياة جنينها للخطر ..
صاحب الاعتداء موجة غضب عارمة في الشارع المصري، وكانت بشاعة الاعتداء وصورة وجه المحامية مما لا يتحمله القلب البشرى ..
لم تكن هذه الحادثة هي الأولى منذ سنوات فقد قُتل من قبل محام عضو نقابة المحامين على يد ضابط شرطة في القسم، وكل فترة تطالعنا أخبار صدام بين محامين وضباط شرطة وكذلك مع أعضاء نيابة وقضاة فصارت أخبار الاعتداءات مستمرة …
ورغم غياب نقابة المحامين عن الساحة العامة كثيرا خلال السنوات الماضية إلا أن النقابة قامت بعمل محضر للمحامية المعتدى عليها وزراها النقيب في اليوم التالي بالمستشفى ..ولكن تظل العلاقة متوترة بين الطرفين ويظل المحامون يطالبون بحمايتهم من آلة القمع النظامية …
إن غياب القوى المؤثرة للنقابات المهنية يلقي بظلال قاتمة على المشهد السياسي العام في مصر؛ فقد كانت دائما أهم القوى في حركة الوطن وخاصة المحامين والأطباء والمهندسين والصحفيين واستطاع النظام أن يسيطر عليها،
فهل سيكون الغضب الفردي المنتشر بين أعضائها حافزا جديدا لعودتها إلى قياده العمل الجماهيري؟!
سؤال يبحث عن إجابة في ظل معركة لها علاقة بمستقبل مصر هي معركة التعديلات الدستورية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
