من جبهة الإنقاذ.. إلى تجمع المهنيين السودانيين!!

ﻋﻨﺪﻣﺎ اﺣﺘﻞ ﺍلإﻧﺠﻠﻴﺰ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﺪﻳﻬﻢ ﻧﻘﺺ في مترجمي ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻌﺪﻡ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ في ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮ .
وعندما أﺭﺍﺩﻭﺍ توزيع ﻣﻨﺸﻮﺭﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﺣﺘﻰ ﻳﻀﻤﻨﻮﺍ ﻭﻻﺀﻫﻢ؛ اﺳﺘﻌﺎﻥ ﻗﺴﻢ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻤﺘﺮﺟﻢ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ قبل التعامل معهم ﻭﻫﻮ ﺷﺨﺺ ﺍﺳﻤﻪ ﺗﺎﺝ ﺍﻟﺴﺮ..
ﻭﻛﺎﻥ ﺗﺎﺟﺮﺍً ﺷﻬﻴﺮﺍً ﻳﻌﻤﻞ ﻓﻰ ﺗﺠﺎﺭﺓ ﺍﻟﺸﺎﻱ ﺑﺎﻟﺨﺮﻃﻮﻡ، وﻳﻌﺮﻑ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻟﻐﺔ .. ﻭبالفعل تمت ﻃﺒﺎﻋﺔ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻗﺎﻡ ﺍﻟﺘﺎﺟﺮ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲ ﺑﺘﺮﺟﻤﺘﻪ إﻟﻰ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻭﻭﺯﻋﺖ ﻣﻨﻪ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﻨﺴﺦ في ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﺍﻟﺒﻼﺩ .
وﺑﻌﺪ فترة ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﺟﻨﺮﺍﻝ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻰ ﻳﺘﻘﻦ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺑﺰﻳﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ، فأﺧﺬ ﺑﻴﺪﻩ مجموعة ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭﺍﺕ ﻭﺳﺄﻝ ﺍﻟﻀﺎﺑﻂ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻋﺎﻳﺔ : ﻣﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﻨﺘﻢ ﺗﺴﻘﻄﻮﻧﻪ ﻓﻲ ﺃﺭﺟﺎﺀ ﺍﻟﺒﻼﺩ؟ ، ﺃﺟﺎﺏ ﺿﺎﺑﻂ ﺍﻟﺪﻋﺎﻳﺔ : ﻫﺬﻩ ﻣﻨﺸﻮﺭﺍﺕ ﻟﻜﺴﺐ ﻭﻻﺀ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺤﻠﻔﺎﺀ ، ﺳﺄﻟﻪ ﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻝ : ﻭﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻜﺘﻮﺏ ﻓﻴﻬﺎ؟
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻀﺎﺑﻂ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻋﺎﻳﺔ ﺑﻜﻞ ﺛﻘﺔ: ﻃﺒﻌﺎ ﺃﻋﺮﻑ..ﻣﻜﺘﻮﺏ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺼﺮ ﻟﻠﺤﻠﻔﺎﺀ!!، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻝ : ﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ..ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ: ”ﺍﺷﺘﺮﻭﺍ شاي الزول ﺗﺎﺝ ﺍﻟﺴﺮ” !!
يروي الإخوة في السودان هذه الرواية التي لا نعلم هل حدثت فعلا أم لا، للتعبير عن ذكاء الزول السوداني وأنه لا يمكن الضحك عليه.
ولذا في تظاهراتهم بعد خلع البشير رددوا شعار “إما النصر وإما مصر”!!، وذلك تأكيدا منهم أن ثورتهم لابد أن تكتمل حتى لا يحدث لهم مثلما حدث في مصر بعد ثورتها في 25 يناير وأنهم واعون للتجربة المصرية تماماً.
ثورة يناير رغم التحديات التي واجهتها وتضحية الشباب بدمائه الطاهرة؛ انتصرت في البداية واستطاع المصريون لأول مرة في تاريخهم أن يختاروا رئيسا مدنيا في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع، ولكن الثورة المضادة استطاعت بمعاونة المعارضة من خلال جبهة الإنقاذ التي تتشابه كثيرا مع “اتحاد المهنيين” اليساري في السودان أن تنقض على انتصار يناير كيدا في التيار الإسلامي، الذي أخطأ في عدم الوصول بالثورة إلى بر الأمان بانتهاجه نهجا إصلاحيا دعويا لا ينفع مع ثورات قامت على جثث الشهداء، فأعطى الفرصة على طبق من ذهب للعسكر أن يعيدوا ترتيب أوراقهم بالاتفاق مع الفلول وجبهة الإنقاذ والكنيسة وكل من هو كاره لأي تيار إسلامي بالقفز على ثورة يناير وخداع الشعب بما سمي ثورة 30 يونيو، لينقض النظام الجديد على الجميع بعد أن بدأ بالإخوان لينتهي به المطاف بالتنكيل بأقرب مؤيديه عندما وجد منهم نبرة معارضة لبعض قراراته وممارساته
ولكن الحقيقة ستظل ناصعة بأن ثورة يناير موطن عزة وفخار لكل المصريين، فيما ستبقى يونيو هي العار الكامل، ويكفي يناير أنها جاءت برئيس من خارج النظام القديم، ثم جاءت المعارضة التي كانت تظن أن العسكر سيسلمها السلطة مثلما يريد تجمع المهنيين في السودان لكى تطعن الثورة في ظهرها بسبب حقدها، حيث جرى استخدامها لمسافة السكة لصالح الثورة المضادة وبعد ذلك تم إلقاؤها في أقرب صندوق للقمامة كأي منديل ورقي مبتل .
وفي شعار “إما النصر وإما مصر” الذي رفعه المتظاهرون بالسودان ورفعه المتظاهرون كذلك في الجزائر بصيغة مختلفة، ولكن بمضمون واحد، لا ينكر أحد أيا كان تأثير مصر على الشعوب والدول العربية في محيطها الإقليمي.
لكن يبقى التأثير الأقوى والأبرز في نقل تجربة المعارضة المصرية الضعيفة والعاجزة كما هي ، بل ونقل تجربة المعارضة المصرية التي لا تستريح سوى للنوم في مخادع الأنظمة وخاصة في مخدع العسكر وعلى رأسها تأتي المعارضة اليسارية والناصرية؛ فهما “حصان طروادة” العربي ضد أي تغيير في الأنظمة، فبسبب عدم وجود رصيد لهم في الشارع العربي سوى بعض الأصوات العالية “الحنجورية”؛ باتوا يخشون أي انتخابات حقيقة خوفا من التيارات الإسلامية، والتي رغم اختلافنا معها في بعض الأحيان؛ إلا أننا لا ننكر وجودها في الشارع؛ لأن تلك التيارات يغلب عليها الطابع الشعبي فلا تمنع دعوتها عن أحد وتنتشر وسط الناس تشاطرهم أفراحهم وأتراحهم وتحل مشاكلهم البسيطة، فتجد تعاطفا من الناس رغم عدم انضمامهم لها .
وعلى العكس منها تجد التيارات الأخرى من اليسار تيارات للنخبة وتدور في شكل تنظيمي بعيدا عن الشارع؛ وكل علاقتها بالسياسية بعض مؤتمرات داخل غرف مغلقة أو في صحف ومنشورات تعبر عنها ولا تعبر عن هموم الشارع، ولذلك نادرا ما تجد في الشارع من يعتنق فكرها أو يتعاطف معها، فهي من وجهة نظر العوام محض نظريات وطلاسم لا يستطيعون فك شفراتها، لذا فهي تبدو لهم غريبة ولا تؤثر فيهم في شيء، وقلما تجد يساريا أو ناصريا يتعامل بعيدا عن بني جنسه وبني تياره السياسي إلا فيما ندر.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر… فإن المعارضة السودانية بعد الإطاحة بالبشير طالبت المجلس العسكري بـ 10 خطوات لتعزيز الثقة كان على رأسها “تسليم السلطة فورا إلى حكومة انتقالية مدنية متوافق عليها عبر قوى الحرية والتغيير، لتدير البلاد مدة 4 سنوات، تحت حماية قوات الشعب المسلحة”.
ولم نسمع من المتحدثين باسم ما يسمى تحالف قوى الحرية والتغيير في السودان كلمة انتخابات، بل طرحوا تشكيل مجلس سيادي وحكومة ومؤتمر دستوري بالتعيين، وهكذا من الواضح أن الشيوعيين واليساريين السودانيين يريدون اختطاف الثورة وإدارة فترة انتقالية طويلة مدتها 4 سنوات، سيجعلون محورها مطاردة حزب المؤتمر في كل الولايات واستبعاد الشعب، ولكنهم لا يعلمون أن أي برنامج يستبعد الصندوق الانتخابي لتشكيل مؤسسات الدولة يعد تخريبا للثورة، ولا يزيد عن استبدال نظام قديم بنظام جديد دون تغيير جوهري.
لذا على السوداني قبل أن يصرخ في مظاهراته “إما النصر وإما مصر” أن يحذر من هذه المعارضة المصنوعة تحت أعين النظام فربما تكون هي السبب لوصول البلاد إلى مستنقع الحرب الأهلية، أو ربما تصير بحورا من الدماء والمذابح كما حدث للأسف في مصر، والظروف في السودان الشقيق معقدة وبها عرقيات وأقاليم متعددة من الممكن أن تسهل ذلك، وعلى التيارات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين ألا تتقدم الحراك الآن، ويكفيهم أن يكونوا جنودا في الثورة يساعدون على نجاحها، أما المناصب الرئاسية والقيادية فعليهم أن يأخذوا خطوة للوراء حتى لا يتم التنكيل بهم مع ترحيب عربي ودولي ، وفي نفس الوقت عليهم ألا يضعوا أيديهم في أيدى الجنرالات ، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وإلا فإنهم فعلا يكونوا قد كرروا التجربة المصرية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
