عندما تكشف الدكتاتورية عن وجهها القبيح!

 رفض مؤسسو الدستور الأمريكي عام 1787 مقترحا بأن يتولي الرئيس فترة تنتهي بوفاته، بدعوى أن هذا يخلق نظاما مشوها لا هو رئاسي و لا هو ملكي برلماني، وإنما سيخلق ما دعوه وقتها “ملكا منتخبا” ، ولم يوردوا نصا على فترتين مقرين بأنه من غير المنطقي أن يتولى رئيس أكثر من مدتين، وفي التطبيق العملي امتنع جورج واشنطن أول رئيس أمريكي في نهاية فترته الثانية عن الترشح لفتره ثالثة؛ رغم أنه رئيس في فترة تأسيسية للدولة حينذاك، ورغم إلحاح المحيطين به، وكذلك فعل الرئيس التالي توماس جيفرسون ، وجرى العرف الدستورى بعد ذلك على تولى الرئيس مدة واحدة أو مدتين بحد أقصى،  إلى أن كسر فرانكلين روزفلت في الأربعينات هذه القاعدة وتولى فترة ثالثة، عام 1940 وسط معارضة نائبين له من الحزب الديمقراطي كل من جون نانس غارنر، مخطط حملاته الانتخابية، وجيمس فارلي، ورغم ذلك ترشح وفاز بولاية ثالثة  بنسبة أصوات 55% من أصوات الناخبين، ولم يكتف روزفلت بذلك بل رشح نفسه عام 1944 لولاية رابعة وفاز بها أيضا وسط أتون الحرب العالمية الثانية، ولكنه توفي في 12 أبريل عام 1945، بعد 83 يوماً من توليه منصب الرئاسة، للمرة الرابعة.

روزفلت وكسر العرف

 وأثار ما فعله روزفلت انتقادات شديدة منذ بداية فترة ولايته الثالثة، وبمجرد وفاته قامت الحكومة عام 1947 بتعديل الدستور الأمريكي لتحويل القاعدة الدستورية العرفية سالفة الذكر التي كسرها الرئيس فرانكلين روزفلت إلى قاعده مكتوبة في الدستور تحت منطق أنه حينما يتولي الرئيس فترته الأولي يعمل جاهدا لتحقيق مصلحة الوطن ويستمر ذلك إلى حد ما في فترته الثانية، لكنه حينما يزيد عن فترتين يبدأ في العمل على مصلحته هو الشخصية ويرجحها على مصلحة الوطن والمجتمع.

رغم أن الرئيس الأمريكى فرانكلين روزفلت وضع أمريكا في مصاف الدول العظمي وكانت بلاده تحارب في الحرب العالمية وجنبها مخاطر اقتصادية كبيرة، والشعب الأمريكي كان يعتبره مثل المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ترشحه لولاية ثالثة كانت النقطة الفاصلة بينه وبين الشعب.

مآتم التعديلات الدستورية

ومن رأى في مصر مشاهد مآتم التعديلات الدستورية التي قضت تماما على ما تبقي لصندوق الانتخاب من مصداقية، يؤكد ما أصبح مؤكدا من بعد 30 يونيو 2013؛ أنها أعلنت أن صوت المواطن عديم القيمة وأن مكافأة الحضور ولا يهم التصويت هي مكافأة هزيلة حقيرة، يختصرها مشهد الصراع المحتدم للحصول على “الكرتونة”، مما أساء لمصر والمصريين، ناهيك عن شعار نبيل تم ابتذاله هو “تحيا مصر”!!، ولكن تبقى الحقيقة الواضحة فيما حدث، وهو أن الديكتاتورية  الجديدة ٢٠١٣م – ٢٠٣٠م أسقطت عن وجهها كل الأقنعة، وظهرت على حقيقتها ، ديكتاتورية عربية مُبينة، كاشفة عن نفسها،  واضحة الملامح ، كاملة الأوصاف .

والتاريخ يؤكد أن ” الجمهوريات الملكية ” لها نهايات ثلاث لا تتغير أو تتبدل؛ هي: ثورات الشعوب، أو الموت، أو الاغتيال، وقد يشفع لهذه الجمهوريات الفاشية لو كانت ناجحة في حكمها ووضعت شعوبها على طريق التقدم والرقي، وحققت ثمة تقدما اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وصحيا وثقافيا، ولكن ما بالك بحكام أفقروا دولهم ووصلوا بها لمرحلة “العوز” كما قال السيسي لا فض فوه، والذي قفز بالديون المصرية لأرقام مفزعة؛ حيث تخطى الدين المصري الخارجي أكثر من 115.5 مليار دولار.

تعديل رغم الفشل

لقد أظهرت وثيقة نشرتها وكالة “رويترز”، العام الماضي أن قيمة الاقتراض ستتضمن 10.510 مليارات دولار لسداد أقساط الدين الخارجي، ليس من ضمنها وديعة كويتية بقيمة 3.3 مليارات دولار تستحق السداد في 2018-2019، إلى جانب 6.223 مليارات دولار زيادة سنوية في رصيد الدين الخارجي للبلاد، ومن المستهدف، بحسب الوثيقة، أن يبلغ إجمالي الدين العام الخارجي 98.863 مليار دولار في السنة المالية 2018-2019. ومع إضافة القروض الجديدة، سيرتفع الدين الخارجي إلى ما يزيد عن 115.5 مليار دولار، بنسبة أكبر من 100% منذ وصول السيسي للحكم، حيث كان الدين الخارجي في يونيو 2014، نحو 46.06 مليار دولار، وسجل الدين المحلى نحو 3.6 تريليون جنيه العام الماضي، وهذا غير التنازل عن الأرض والنهر والغاز وافقار المصريين.

ورغم أنني غير معني بهذه التعديلات الدستورية لأن قضيتي بالأساس هي خطف إرادة الشعب واستحقاقات 25 يناير، وما حدث في 30 يونيو 2013 وما بعدها ضد هذه الاستحقاقات وضد ثورة يناير، إلا أن المجتمعات كائنات حية جبلت على التنفس من المنظور السياسي فضلا عن أن قاعدة المدتين تعد بمثابة صمام أمان لقاعده حرية الرأي والتعبير في المجتمع و تدفع الرئيس دفعا للامتثال للقانون، إذن الرابح في النهاية من قاعده المدتين هو المجتمع، واستلهاما ومحاكاة لذلك فقد سارت النظم الجمهورية في العالم اقتداء بالنظام الدستوري الأمريكي بعدم تولي الرئيس أكثر من مدتين.

المصير المحتوم

ولكن كمن يفر من مصيره هربا من النار التي تمسك بتلابيبه ، لم يتعظ السيسي ممن سبقه عندما عدل الدستور ولم يهنأ به؛ مثل السادات أو ممن قامت عليه ثورة مثل مبارك، أو الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه أو الرئيس السوداني عمر البشير وأصر على القيام بتعديلات في الدستور الذي صنعه على عينه، وبلجنة اختارها هو ونظامه، مقرّضينه وقتها بأنه من أفضل الدساتير التي وضعت وأنه دستور جيد جيدا، بل وصرح أكثر من مرة وهو غير صادق أنه لن يترشح مرة ثانية، ولكن الخوف من المجهول جعله يضم كل السلطات تحت يديه، وانبعث حواريوه لكي يؤكدوا أنه فارس المرحلة وكل مرحلة كما فعلوا مع غيره من قبل ومع من سيأتينا من بعده ، فهؤلاء جبلوا على النفاق والتطبيل لكل حاكم و أي حاكم .

إن كل المحاولات التي تبذل حاليا إنما هي للحيلولة دون وصول رياح الثورة مرة أخرى إلى مصر، ليس تقليلاً من شأن بقية الدول العربية، ولكن مصر ورغم كل ما يجرى وسيجري فيها تظل واسطة “العقد” بالنسبة لإسرائيل، ودرة تاجها الذي تصنعه حاليا من الدول العربية لتضعه على جبين سيد المنطقة القادم من بني صهيون.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان