معارضة الخارج ليست ترفا

 

لم تفتأ الأنظمة العسكرية القمعية المتعاقبة في مصر وأبواقها الإعلاميية تشيطن معارضتها التي تعمل من خارج الوطن، وهذا أمر مفهوم من تلك الأنظمة التي سدت كل أبواب المعارضة السلمية والنقد من الداخل وتتحرك لملاحقتها في الخارج، لكن غير المفهوم أن تتحد بعض الأصوات المحسوبة على المعارصة ذاتها لترديد تلك الأكاذيب، ومن ذلك الدعوات التي خرجت مؤخرا من القاهرة من بعض الشخصيات (المحسوبة على المعارضة المدنية) مثل السياسي والحقوقي جورج إسحق، والسياسي الناصري عبد العزيز الحسيني وآخرين، وكلها تحمل همزا ولمزا في المعارضة المصرية في الخارج، وتدعي أن معارضة الداخل هي من تدفع الثمن، وأنها ليست بحاجة لمواعظ من معارضة الخارج، وذلك على خلفية دعوة للحوار الوطني أطلقها السياسي المصري والمرشح الرئاسي السابق الدكتور أيمن نور، وهي الدعوة التي قبلها البعض ورفضها آخرون من بينهم تلك الأصوات التي تتشدق برفضها لمعارضة الخارج.

ليست الأولى

لم تكن مبادرة أيمن نور هي الأولى ولن تكون الأخيرة سواء منه أو من غيره في إطار السعي لتوحيد قوى المعارضة سواء في الخارج فقط أو في الداخل والخارج معا لإنقاذ مصر من كابوس الحكم العسكري الجاثم على أنفاسها، ولم يقل أحد أن هذه المبادرة  أو تلك هي التي ستحدث التغيير الفوري، لكن كل جهد مقاوم للنظام العسكري سواء في الداخل أو الخارج يدق مسمار جديدا في نعشه، ويهدم طوبة من بنيانه، ويربك حركته، ويكشف طغيانه، ويشجع الشعب على الثورة ضده، وعبر تراكم هذه الجهود ينهار النظام ولا يستطيع مواجهة الغضب الشعبي والمقاومة الشعبية إلى مالا نهاية، والحقيقة أن الأصوات النشاز التي خرجت من الداخل ضد معارضة الخارج لا تمثل عموم المعارضة المصرية فالكثيرون يقدرون دور زملائهم في الخارج، بل يرون أن المعارضة المصرية تسير بجناحين لا غنى لأحدهما عن الأخر (جناح الداخل وجناح الخارج)، وإذا كنا هنا نرد على تلك الأصوات النشاذ فلأننا لا نريد لهذه الأصوات أن تتمدد وتنشر سمومها، ولأننا نريد وأد هذه الفتنة في مهدها.

هم فقط

أصحاب تلك الأصوات النشاز يدعون أنهم فقط من يقدمون التضحيات في مواجهة النظام، والحقيقة أنهم يريدون بسمومهم تلك مغازلة النظام ليخفف قبضته تجاههم باعتبارهم أقل حدة من معارضة الخارج، وتتجاهل تلك الأصوات أن معارضي الخارج قدموا من التضحيات ملا يقل بل يزيد أحيانا عما قدمه غيرهم في الداخل، فكثيرون غادروا مصر بعد أن فقدوا أبناءهم أو أباءهم أو أشقاءهم (شهداء)، وكثيرون خرجوا من مصر بعد أن قضوا سنوات أو شهورا في الحبس، وبعد أن صودرت ممتلكاتهم، وفصلوا من وظائفهم، وكثيرون خرجوا من مصر بسبب مطاردتهم في اتهامات وقضايا وهمية لا علاقة لهم بها، وكثيرون خرجوا من مصر بنصف أسرهم في حين تبقى النصف الآخر داخل الوطن لوجوده في الحبس أو لاستكمال دراسة أو متابعة علاج… الخ، وحين خرج كل أولئك المهاجرين فإنهم لم يخرجوا لنزهة، أو لجولة تسوق، ولكنهم خرجوا ليستكملوا نضالهم من مواقع أخرى، يتمكنون فيها من عرض قضيتهم الوطنية وإسماع صوت شعبهم المقهور، وإبراز مظالم حكم العسكر أمام العالم كله، والسعي لوقف هذه المظالم عبر الآليات المتاحة سواء كانت سياسية أو حقوقية أو قانونية أو إعلامية، ولا يمكن لتلك الأصوات النشاذ في الداخل أن تنكر دور هؤلاء المعارضين في الخارج في كشف الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب المصري ومن بينه تلك الأصوات ذاتها، كما لا يمكنهم إنكار أن كل التقارير الدولية التي تدين النظام كان لتلك المعارضة الخارجية دور كبير فيها.

لم يجدوا فرصة

لا تقتصر المعارضة في الخارج على الإخوان أو عموم الإسلاميين بل إنها تتسع لتشمل الكثير من الليبراليين واليساريين بمن فيهم من خرجوا في مظاهرات 30 يونيو ودعموا انقلاب 3 يوليو 2013، ثم طالتهم نيرانه، وهؤلاء المعارضون لم يجدوا فرصة للمعارضة في الداخل بعد أن ضاق النظام ذرعا بأي نوع أو درجة للمعارضة حتى أنه حبس رموزا وقامات كبيرة كانت تظن وكان الكثيرون يظنون أيضا أنها بمنأى عن بطش النظام مثل الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة الاسبق( رئيس السيسي نفسه سابقا) والمستشار هشام جنينة رئيس أكبر جهاز رقابي في مصر، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي السابق، والسفير معصوم مرزوق ويحيي القزاز وحازم عبد العظيم، وعبد الحليم قنديل إلخ.

تحاول الأصوات النشاذ في الداخل أن تبرر لغطرستها بمزاعم أنه لم توجد تاريخيا أي معارضة نجحت في إحداث تغيير من الخارج، والحقيقة أنه لم يقل أحد أن التغيير سيأتي فقط من الخارج، بل يقر معارضو الخارج أنهم مجرد مساعدين للمقاومة السلمية في الداخل، وهناك مساحات بعينها لا يستطيع الداخل التحرك فيها مثل التواصل مع المجتمع الدولي، وفضح انتهاكات النظام على المستوى الحقوقي والقانوني، وكذا العمل الإعلامي خصوصا بعد تأميم النظام لكل المنابر الإعلامية.

تاريخ المعارضة في الخارج

ويبدو أن تلك الأصوات النشاز نسيت أو تناست أن للمصريين تاريخا حافلا في العمل المعارض من خارج حدود الوطن، هل نذكرهم مثلا بالزعيم مصطفى كامل الذي تحرك في أوربا ضد الاحتلال البريطاني لمصر، معبرا عن مطالب الشعب بالاستقلال عبر المنابر الأوربية المختلفة، وخاصة بعد حادث دنشواي الشهير، وهل نذكرهم بخلفه الزعيم الوطني محمد فريد الذي تنقل بين دول أوربا مدافعا عن القضية المصرية منفقا كل أمواله حتى مات وحيدا فقيرا، ولم تستطع أسرته نقل جثمانه فتبرع أحد تجار الزقازيق ونقله على نفقته الشخصية.

ولأن غالبية تلك الأصوات النشاز تنتمي بشكل محدد للتيار الناصري فإننا نحيلهم إلى الكاتب الناصري سليمان الحكيم وهو حي يرزق بين ظهرانيهم، ليتعرفوا منه على المعارضة الناصرية والقومية واليسارية التي خرجت من مصر بعد زيارة السادات للقدس وتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد، وقد كان لتلك المعارضة مكاتب وإذاعات في كل من دمشق وبغداد، وطرابلس الغرب ( لم تكن القنوات الفضائية قد ظهرت بعد)، وهو وضع يشبه تماما وضع القنوات التي تبث من تركيا ولندن حاليا.( هل نسيتم الفريق سعد الدين الشاذلي وعبد المجيد فريد وعبد الغني قمر ومحمود السعدني إلخ إلخ؟؟!!)

دعكم من المعارضة العراقية التي دخلت إلى بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية، لكن لا تنسوا أن الخميني قاد الثورة الإيرانية من باريس، بل إن القاهرة كانت هي الحاضنة لجبهة التحرير الجزائرية والحكومة الجزائرية المؤقتة التي تشكلت في 19 سبتمبر 1954، كما كانت القاهرة أيضا مركزا للعديد من حركات التحرر والمعارضات العربية الأخرى مثل المعارضة السعودية والسودانية والمعارضات الأفريقية أيضا .

لم يخرج مناهضو ومعارضو الانقلاب والحكم العسكري من مصر طواعية، بل إنهم إضطروا لذلك اضطرارا، وقد حملوا معهم قضيتهم في منافيهم الاضطرارية، وهم أكثر شوقا للعودة إلى وطنهم بعد زوال الغمة التي يبذلون وسعهم لإزالتها، وأي أصوات تشكك في دور هؤلاء المناهضين والمعارضين من الخارج هي أصوات دنيئة، هدفها توسيع الشرخ بين القوى المعارضة حتى يستقر النظام الغاصب في مكانه وحتى تموت أحلام وأشواق الشعب للحرية والتغيير..إنها أصوات فتنة لعن الله من أيقظها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان