إسطنبول وغيرها.. هل هو انقلاب عبر صناديق الاقتراع؟!

قام أكرم إمام أوغلو، منافس بن على يلدريم على منصب رئاسة بلدية اسطنبول، بزيارة قبر مصطفى كمال أتاتورك مصطحبا عائلته، وتوقيعه في دفتر الزيارات باسم رئيس بلدية أسطنبول
لا شك في أن ما أسفرت عنه الانتخابات البلدية التركية التى جرت في الحادي والثلاثين من الشهر المنصرم، ولم يتم الإعلان عن نتائجها النهائية بصورة رسمية حتى الآن، تعد منعطفا مهما في تاريخ العمل السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، كون ما تم الاعلان عنه إعلاميا مَثَل صدمة غير متوقعة لمؤيديه في الداخل، ومحبيه على مستوى العالم الإسلامي، الذين كانوا على ثقة مطلقة في أن فوزه أمر محسوم لاجدال فيه.
تلك الصدمة تلقتها أيضا الهيئة العليا للحزب، وإن كانت سعت لبث الطمأنينة في النفوس، والتأكيد على أن الحزب وإن خسر عدداً من بلدياته التقليدية، إلا أنه نجح في اقتناص عدد لا بأس به من البلديات الأخرى، خصوصا في مناطق نفوذ حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وهو أمر إيجابي يحسب له، ولمساعيه الرامية لحل المسألة الكردية التى تؤرق تركيا منذ عقود، إلى جانب احتفاظه بالمركز الاول بنسبة تعدت أكثر من 51.5% من أصوات الناخبين، متخطيا المعارضة بأكثر من 14% والتى حصلت على حوالي 37.5% فقط من اصوات الناخبين.
إلا أن الحديث عن خسارة الحزب لبلديتي أنقرة وأسطنبول تحديدا صبغ ذلك الفوز الذي تتحدث عنه قيادات الحزب بمرارة لايمكن تجاهلها، ولا التقليل من شأنها، خصوصا من جانب جماهير اعتادت الفوز بالبلديتين على مدى الأعوام الماضية، لما لهما من رمزية التفوق والهيمنة، لذا أخذت في متابعة عمليات الفرز وما تسفر عنه من نتائج على مدار الايام الماضية بدقة متناهية، لعل وعسى أن تأتي الرياح بما يشتهي السَفِنُ.
التدقيق فيما يٌعلن من نسب تصويت أظهر العديد من المفاجأت غير المتوقعة، وأثار الكثير من الجدل والدهشة داخل الأوساط السياسية وبين الإسلاميين، حيث تزايدت التساؤلات حول مدى صحة هذه النتائج، والأسباب الحقيقية وراء خسارة المدن الكبرى التى كانت بحوزة الحزب على مدى حوالي ربع القرن من الزمان، إذا كانت هناك خسارة حقيقية لهما بالفعل، في ظل الإعلان عن فوز الحزب بمعظم البلديات الصغرى فيهما معا، ما يعني سيطرته شبه الكاملة على مجلس البلدية الكبرى في كل منهما.
لتتحول التساؤلات إلى شكوك جدية عقب الإعلان عن نتائج التصويت في عدد من البلديات الصغرى التى تٌعد من معاقل حزب العدالة والتنمية في إسطنبول مثل الفاتح وأسنيورت. الأمر الذي دفع الحزب إلى الطعن فيما تم الإعلان عنه من نتائج، مطالبا بإعادة فرز الاصوات مرة أخرى في المدينة، وهو ما استجابت له اللجنة العليا للانتخابات، لتبدأ حقائق الأمور تتضح شيئا فشيئا، فالامر لم يكن خسارة على ما يبدو، بقدر ما هو مؤامرة حيكت في الظلام ولم ينتبه لها أحد، إلا بعد أن وقعت الواقعة.
إذ تم إكتشاف حدوث تزوير في النتائج عبر تسجيل الكثير من أصوات الناخبين التى كانت لصالح العدالة والتنمية، لصالح حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، حيث تم تسجيل أكثر من 17 الف و410 صوتا صحيحا للعدالة والتنمية، لصالح الشعب الجمهوري وأحزاب أخرى متحالفة معه سراً وعلانية، كما تم العثور على أكثر من 319 ألف صوت مسجلة في سجلات الانتخابات على أنها أصوات باطلة، وبعد تصاعد حدة الشكوك حول هذا الارتفاع المفاجئ في نسبة الأصوات الملغاة بزعم بطلانها، تم الكشف عن أن أكثر هذه الأصوات صحيح، وأنها لصالح العدالة والتنمية، وأن معظمها من مناطق تصوت تقليديا لصالح الحزب أو مناطق يحظى فيها بشعبية كبيرة، الأمر الذى تسبب في انخفاض كتلة أصواته العامة.
لتتسرب الشكوك عقب ذلك إلى النتائج التى تم الإعلان عنها في العاصمة انقرة أيضا، ويتم الطعن فيها، لإعادة الفرز بها هي الأخرى، بعدما تم التأكد من أن الأمور لاتسير وفق طبيعتها.
حزب الشعب الجمهوري الذي قام بإعلان فوزه برئاسة بلديات المدن الثلاث الكبرى، أنقرة وإسطنبول وإزمير، قبل انتهاء عمليات الفرز، واستبق الإعلان الرسمي للجنة العليا للانتخابات، وتصرف إعلاميا على هذا الأساس، بدا وكأنه كان على دراية تامة بما كانت ستؤول إليه النتائج إذا لم يقم العدالة والتنمية بالطعن عليها، فإذا حدث وطعن رسميا، فإن ذلك السلوك المندفع سيؤمن له إحداث بلبلة في الشارع التركي، ويمنحه الفرصة للتشكيك في النتائج الرسمية الفعلية.
إصرار الشعب الجمهوري على فوزه ببلديتي أنقرة وإسطنبول، مع إدراكه التام لعدم وجود إنجاز فعلي له في أي من المحافظتين يمكنه التعويل عليه لتحقيق تلك النتائج المبهرة، إلى جانب انه على مدى حوالي ربع القرن لم ينجح في الفوز لا ببلدية إسطنبول ولا أنقرة، ولم يتمكن حتى من الاقتراب من نسب التصويت التي غالبا ما يفوز بها العدالة والتنمية فيهما، يثير الشكوك حول موقفه هذا، فإما أنه كان على دراية بما تم من تزوير، وأنه شارك في ذلك الأمر فعليا، أو أنه علم وآثر الصمت كي يحظى بفرصة فوز غير مستحق، لذا سعى لاستباق الأمور وإعلان فوزه، ليبقى الوضع على ماهو عليه، وإرغام العدالة والتنمية على القبول بهزيمة وهمية لاوجود لها.
لم يكتف الحزب باستباق النتيجة وبالاحتفال بالفوز فقط في الشوارع فقد قام أكرم إمام أوغلو، منافس بن على يلدريم على منصب رئاسة بلدية اسطنبول، بزيارة قبر مصطفى كمال أتاتورك مصطحبا عائلته، وتوقيعه في دفتر الزيارات بإسم رئيس بلديةرإسطنبول، والحديث عن استعادة أنقرة أخيرا لحريتها، وعن قدرتهم على تأليب الشارع التركي إذا لم يتم الإقرار بالنتائج التى أٌعلنت حتى الآن رغم عدم رسميتها وهى أمور تدفع إلى القبول بمصداقية ما يتم الحديث بشأنه داخل أروقة حزب العدالة والتنمية حول وجود مخالفات متعمدة تم القيام بها لصالح تكتل المعارضة، وأن هذا الأمر ربما يستدعي إعادة الانتخابات في المحافظتين.
إذ يرى الحزب الحاكم أن تلك المؤامرة حيكت وفق مخطط مٌعد سلفا، يستهدف إلحاق الهزيمة به وكسر شوكته، وإسقاط إسطنبول أكبر معاقله السياسية، ورمز أيدولوجيته، وان هذا المخطط ضم عناصر حزبية وقوى سياسية داخلية، وأخرى خارجية، جمعهم هدف وحيد، هو القضاء على العدالة والتنمية وإزاحته عن المشهد السياسي التركي عبر صناديق الاقتراع هذه المرة بعد أن باءت كافة المحاولات السابقة بالفشل الذريع، لذا هناك توجه قوي داخل الحزب للبدء في العمل على تغيير القانون الذى يتم بموجبه إجراء الانتخابات البلدية، وذلك بهدف منع التلاعب في نتائج تلك الانتخابات مستقبلا، وهو أمر يبدو منطقيا في ظل المؤامرات المستمرة التى يتعرض لها الحزب على الصعيدين الداخلي والخارجي.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
