الأسدُ وترمب والجولان.. قصّةُ التّفريطِ والغَطْرسةِ!

لماذَا لَمْ يحرِّرِ السّوريُّونَ أرضَهُم وشرفَهُم فِي الجولانِ تحسّباً لمِثلِ هذَا الْيومِ الّذِي يقرِّرُ فِيهِ الموتورُ الأمريكيُّ مصيرَ ترابِهِم الوطني؟

 

في شهر مارس الماضي وقع حَدَثَانِ يتعلّقَانِ بسوريا الجريحةِ والأسيرةِ، الجُمُعَةَ (15 مارس) أتمّتِ الحربُ المجنونةُ 8 سَنواتٍ، والاثنين (25 مارس) وقّعَ الرّئيسُ الأمريكيُّ ترمب إعلاناً رئاسيّاً يفتقدُ للسّياسةِ والقَانونِ يعترفُ فِيهِ بسيادةِ إسرائيلَ عَلَى هضبةِ الجولانِ السّوريّةِ المُحتلّةِ!.

منطقٌ مقلوبٌ فِي الحالتَينِ مثلَ كلِّ شيءٍ فِي العالمِ يَسيرُ مقلُوباً عَلَى رأسِهِ.

 فِي الحالةِ الأُولَى، هَلْ كانَ مِنَ الْعقلِ أنْ يتقاتلَ السّوريّونَ لِمَا يقربُ مِنْ عَقدٍ مِنَ الزّمنِ، ثمَّ ينتهِي هذَا العبثُ الدّمويُّ الطّويلُ بتدميرِ الدّولةِ، والشّعبِ، وكلِّ مُقوّماتِ الحياةِ فِي هذَا البلدِ، بَينَما الجولانُ هِيَ الأَولَى بالحربِ لتحريرِهَا وطردِ إسرائيلَ مِنهَا، وهِيَ تمرحُ فِيهَا طوالَ 52 عاماً مُنذُ احتلّتْها فِي حربِ 67؟

 وفِي الحالةِ الثّانيةِ يمنحُ ترمب، وَهُو الأجنبيُّ الّذِي لَا يملكُ أيَّ حقٍ فِي سوريَا، جزءاً مِنْ أراضِيهَا لإسرائيلَ الّتِي لَا تستحقُّ هذِهِ الأرضَ، أَو الأرضَ الّتي أقامتْ عَليهَا دولتَهَا فِي فلسطينَ.

قرارُ ترمب 2019 قريبُ الشّبهِ بوعدِ بلفور (2 نوفمبر 1917) عِندَمَا قامتْ بريطانيا بمنحِ فلسطينَ الّتِي لَا تمتلكُ حبةَ ترابٍ واحدةٍ فِيهَا إِلَى اليهودِ شتاتِ العالمِ الغرباءِ عَنْهَا الّذِينَ لا يمتلكُونَ شيئاً مِنْهَا، ولا حقَّ لَهُمْ فِي إنشاءِ وَطنِهِم القوميِّ عَلَيهَا.

فِي فلسطينَ قديماً، وفِي الجولانِ اليومَ، طغيانُ القوّةِ الاستعماريّةِ هُوَ المُتغلِّبُ.

 بريطانيا بالأمسِ استغلّتِ احْتلالَها وقوّتَها ونفوذَهَا لخدمةِ اليهودِ فِي اغْتصابِ فلسطينَ الّذينَ بدورِهِم وظّفُوا مظلوميّتَهم ودهاءَهم ورغبةَ العالمِ فِي الخلاصِ مِنْ مشاكلِ وجودِهِم فِي بلدانِهِ- بأسلوبٍ آخرَ غيرِ العزلِ والنّبذِ والمحارقِ كَمَا فعلَ هتلر- فِي تحقيقِ خُطّتِهِم باغْتصابِ فلسطينَ فِي ظلِّ تهاوِي الدّولةِ العُثمانيّةِ، وخضوعِ جميعِ الدّولِ العربيّةِ للاسْتعمارِ الأوروبيِّ، وتأسيسِ كيانٍ لَهُم أصبحَ دولةً قويّةً يهرولُ إِليهَا العربُ الآنَ للتّطبيعِ، ويدفعُونَ لَهَا مِنْ كرامتِهِم مَا لا يمكنُهُم استردادُهُ لَو عادَ إِليهِم رشدُهُم يوماً. وأمّا أمريكا وريثةُ بريطانيا فِي مُستعمراتِهَا القديمةِ، فَهِيَ تصدرُ اليومَ قراراتٍ تتّسمُ بالغطرسةِ والوقاحةِ فِي شأنِ التّرابِ الوطنيِّ لسوريَا الدّولةِ البعيدةِ عَنْهَا كَمَا لَو كانتْ ولايةً فِيهَا وتتبرّعُ بجزءٍ مِنْهَا لإسرائيلَ حليفتِهَا الموثُوقةِ الّتِي لَا تغادرُ مِخدَعَها، أَو أنَّها تعشقُ المِخدعَ الإسرائيليَّ الوثيرَ.

القرارُ انْتهاكٌ صارخٌ للقوانينِ والمواثيقِ والأعرافِ الدّوليّةِ، واستهانةٌ بالسّيادةِ الوطنيّةِ، واستقلاليّةِ الدّولِ حتَّى لَو كانتْ مُحتلّةً أَو كانَ جزءٌ مِنْهَا خاضعاً للاحْتلالِ بالقوّةِ العسكريّةِ، وهُو الحلقةُ الثّانيةُ فِي هذَا المسارِ الّذِي لَا يحترمُ الإرادةَ الدّوليّةَ بعْدَ قرارِ ترمب نفسِهِ (6 ديسمبر 2017) بالاعْترافِ بالسّيادةِ الإسرائيليّةِ عَلَى القُدسِ المُحتلّةِ كلِّهَا ونقلِ السّفارةِ إِليهَا.

كلُّ رؤساءِ أمريكا داعمُونَ لإسرائيلَ، وضامنُونَ لتفوّقِهَا عَلَى العربِ مَهمَا كانتْ درجةُ انْبطاحِ الأنْظمةِ المُستكينةِ لواشنطن، والإداراتُ الأمريكيّةُ سواءٌ أكانتْ جمهوريّةً أو ديمقراطيّةً تُساعدُ الدّولةَ العبريّةَ فِي الاسْتيطانِ والتّهامِ مَا تبقَّى مِنْ فلسطينَ التّاريخيّةِ وَلَو بتنديدٍ خجولٍ، لكنَّ الّذِي يقدِّمُهُ ترمب لَهَا مُنذُ صارَ رئيساً لَمْ يحدثْ مثلُهُ بكلِّ هذَا السّخاءِ الصّادمِ، هذَا الرّجلُ فاقَ كلَّ الرّؤساءِ فِي كونِهِ فاضحاً فِي صراحتِهِ لحقيقةِ المكانةِ المُميّزةِ لإسرائيلَ داخلَ السّياسةِ الأمريكيّةِ، وفاضحاً لحلفائِهِ العربِ الّذِينَ يوظّفُهُم لخدمةِ أجندتِهِ دونَ أيِّ اعتبارٍ كريمٍ لَهُم.

 وأحدُ تعبيراتِهِ عَنِ التّدليلِ المُضاعفِ لإسرائيلَ بعْدَ توقيعِ قرارِ الجولانِ قولُهُ إنَّ التّحالفَ بَينَ واشنطن وتل أبيب غيرُ قابلٍ للتّفكيكِ، ولَمْ يكُنْ قَطُّ أَقْوَى ممّا هُوَ عَليهِ الآنَ!، ولِهذَا وضعَهُ نتنياهو مَعَ ثلاثةِ قادةٍ آخرينَ اعْتبرَ فِي كلمتِهِ أنَّهم قدّمُوا خدماتٍ جليلةً عَلَى مدارِ التّاريخِ القديمِ والحديثِ لليهودِ وإسرائيلَ، هُم الملكُ قورش، والوزيرُ البريطانيُّ آرثر بلفور، والرّئيسُ الأمريكيُّ هاري ترومان.

 وترمب قدْ يتفوّقُ عَلَى هؤلاءِ بمجملِ الخِدماتِ الّتِي سيكونُ قدّمَها للكيانِ الصّهيونيِّ عِندَ نهايةِ رئاستِهِ الأُولَى فِي 2020.

لكنْ، لماذَا لَمْ يحرِّرِ السّوريُّونَ أرضَهُم وشرفَهُم فِي الجولانِ تحسّباً لمِثلِ هذَا الْيومِ الّذِي يقرِّرُ فِيهِ الموتورُ الأمريكيُّ والعصابةُ المُتطرّفةُ الحاكمةُ مصيرَ ترابِهِم الوطنيِّ، إذْ ليسَ معقولاً ولَا كريماً أنْ تظلَّ الجولانُ مُحتلةً لأكثرَ مِن نصفِ قرنٍ دونَ إعادتِها للسّيادةِ الوطنيّةِ حرباً أو سِلْماً؟

ثمَّ هَلْ كانَ لدَى نظامِ دمشقَ خططٌ للتّحريرِ، ومدىً زَمَنيٌّ لَهُ، أمْ أنَّهُ نفضَ يدَيهِ مِنْ هذِهِ المنطقةِ ليدعمَ مَا يتردّدُ بأنّهُ فرَّطَ فيِهَا وَفْقَ صفقةٍ سريّةٍ قديمةٍ تضمنُ تثبيتَ أمريكا وإسرائيلَ للرّئيسِ الرّاحلِ حافظِ الأسد في السُّلطةِ عقبَ انقلابِهِ العسكريِّ (16 نوفمبر 1970)، الّذِي أسماهُ الحركةَ التّصحيحيّةَ ليكونَ هُوَ خاتمةَ سلسلةٍ طويلةٍ مِنَ الانْقلاباتِ فِي هذَا البلدِ مُنذُ استقلالِهِ (17 أبريل 1946)، وتبْقيهِ مُطمئنّاً فِي الحُكمِ، وَليفعلَ مَا يريدُ حتَّى لَو حوّلَ الجمهوريّةَ السّوريةَ إلَى مَلَكِيّةٍ وراثيّةٍ مُطلقةٍ، وَالتّوريثُ تَمَّ بالفعلِ لابنِهِ بشار بعْدَ رحيلِ الأبِ (10 يونيو 2000).

 وَخلالَ الثّورةِ الشّعبيّةِ (15 مارس 2011) والّتِي تحوَّلتْ إلَى اقْتتالٍ أهليٍّ كانَ الأسدُ يوشكُ عَلَى السّقوطِ، وتمَّ إنقاذُهُ وإعادتُهُ إلَى عرشِهِ، وضمانُ استمراريّتِهِ بدعمٍ مِنْ روسيا وإيرانَ وميليشياتِهَا، كَمَا جاءَهُ دعمٌ غيرُ مُباشرٍ مِنْ خصومِهِ الأمريكانِ والأوروبيّينَ والعربِ الّذِينَ كانُوا فِي مرحلةٍ خلالَ القتالِ يطالبُونَ برحيلِهِ حرباً أَو سِلْماً..

 وكلمةُ السّرِّ فِي إعادةِ تدويرِهِ هِيَ إسرائيلُ الّتِي لنْ تجدَ أفضلَ مِنهُ حامياً لحدودِهَا، وصامتاً فِي اسْتسلامٍ عَنْ المُطالبةِ بالجولانِ، أَو ترجمةِ لافتةِ المُقاومةِ الأثيرةِ عِندَهُ إلَى تنفيذٍ عمليٍّ فِيهَا، ومصطلحُ المُقاومةِ المُهانُ هُوَ شعارُ هذَا النّظامِ وحليفَيهِ إيرانَ وحزبِ اللهِ، والمُفارقةُ التّاريخيّةُ أنَّهُم يُقاتلونَ الشّعبَ السّوريَّ طوالَ سنواتٍ لقمعِ مطلبِ الحريّةِ والكرامةِ، لكنَّهُم لَمْ يُقاتلُوا الإسرائيليَّ المُحتلَّ للجولانِ مُنتهكَ السّيادةِ والكرامةِ رُغمَ أنَّها الأحقُ بقتالِ وتضحياتِ المُمانعينَ الأشاوسِ!.

وعِندَمَا حاولتْ إيرانُ الاقترابَ مِنَ الجولانِ كثّفتْ إسرائيلُ هجماتِهَا عَلَى قواتِها ومُستشارِيها العسكريّينَ وَعَلَى حزبِ اللهِ، فهذِهِ المنطقةُ خطٌّ أحمرُ، وغيرُ مسموحٍ لأحدٍ مِنهُم بالتواجدِ أَو اللعبِ فِيهَا، كَمَا أجبرتْ روسيا طهرانَ وميليشياتِها عَلَى الانْسحابِ لِمَا يقربُ مِنْ مائةِ كيلومترٍ مربّعٍ عِنْ حدودِ إسرائيلَ والجولانِ، ومَعَ هذَا عِندَمَا ترصدُ إسرائيلُ تحركاتٍ عسكريةً مُريبةً لإيرانَ وحزبِ اللهِ فإنَّها تقصفُهَا فوراً سواءٌ أكانتْ تتعلّقُ بالجولانِ أَو بِمَا هُوَ أبعدُ مِنهَا.

هذَا هُوَ حلفُ المُقاومةِ الّذِي يروِّجُ للعداءِ مَعَ إسرائيلَ، والدّاعِي لتحريرِ فلسطينَ والقُدسِ والمسجدِ الأقْصَى، هَا هِيَ فلسطينُ عَلَى مَرْمَى حَجرٍ مِنهُم، وهَا هِيَ المدينةُ المُقدّسةُ ومآذنُ وقبابُ الأقصَى ومسجدُ قُبّةِ الصّخرةِ ومسْرَى الرّسولِ الكريمِ عَليهِ الصّلاةُ والسّلامُ، والطّريقُ إِليها جميعاً يمرُّ عبرَ أرضِ الجولانِ، وليسَ عَلَى أشلاءِ السّوريّينَ وقُرَاهم ومُدنِهِم، وهُم كانُوا عَلَى حدودِهَا، فلمَاذَا لمْ يقتحمُوهَا طوالَ سنواتِ الحربِ ليقومُوا بتلقينِ إسرائيلَ درساً عسكريّاً فِيهَا أوّلاً، ثُمّ مِنْهَا يجتازُونَ حدودَ فلسطينَ المُحتلّةِ، لتكُونَ طريقُهُم سالكةً للتّحريرِ التاريخيِّ والعظيمِ لَهَا مِنْ رجْسِ الاحْتلالِ الصّهيونيِّ، وساعتُها مِنْ حقِّهِم أنْ يَسخرُوا مِنَ العربِ المُتخاذلِينَ كَمَا يشاؤُونَ، ويردّدُونَ مَعَ جوليا بطرس، “وين الملايين، الشّعب العربي وين، الغضب العربي وين، الدم العربي وين، الشرف العربي وين…”!.

مَاذَا لَو كانَ بشار الأسد تصالحَ مَعَ شعبِهِ الّذِي تفاءَلَ بِهِ عندَ تولّيهِ الحُكمَ، رُغمَ أنّهُ استمرارٌ لسُلطةِ الاستبدادِ القاسِي؟، لكنَّهُ خذلَ الشّعبَ سريعاً فِي الإصْلاحِ، وخذلَهُ مرّةً ثانيةً لمّا خرجَ فِي خضمِ الرّبيعِ العربيِّ يطالبُ بالحرّيّةِ والكرامةِ، ولمْ يكُنْ رحيلُهُ مطروحاً فِي شعاراتِ الثّورةِ، ضيّعَ الفرصتَينِ، وَلَو استثمرَ واحدةً مِنهُما لكانتْ سوريا فِي وضعٍ مُختلفٍ اليومَ، ومَا لمْ تكُنْ هُناكَ صفقةٌ سرّيةٌ تتعلّقُ بالجولانِ، وكانَ النظامُ مُهتمّاً بتطهيرِ كلِ أراضيهِ مِنَ الاحتلالِ، لكانَ نظاماً شعبيّاً هيّأَ مُواطنيهِ للكفاحِ المُسلّحِ فِي الجولانِ، إذَا لم يُرِدِ التّورطَ فِي حربٍ نظاميّةٍ لاختلالِ موازينِ القوَى لصالحِ إسرائيلَ، وعَلَى الأقلِّ فإنَّ مثلَ هذَا الكفاحِ سيجعلُ الاحتلال الإسرائيليَّ مكلفاً وخطراً علَيهِ ويحفّزُهُ للتّفاوضِ الجادِّ بشأنِ الانْسحابِ.

هبّةُ الإدانةِ العربيّةِ والدّوليّةِ للقرارِ الأمريكيِّ وقتيّةٌ، وهِيَ سلوكٌ سياسيٌّ تقليديٌّ حصلَ مَعَ قرارِ نقلِ السّفارةِ للقُدسِ المُحتلّةِ، وإدارةُ ترمب ماضيةٌ فِي خُطّةِ دعمِ وتعظيمِ إسرائيلَ بكلِّ إصرارٍ، ومَعَ هذَا يظلُّ عربُ الشّجبِ والاسْتنكارِ يحجّونَ إلَى البيتِ الأبيضِ ويطلبُونَ نظرةَ رِضَا مِنْ ساكنِهِ، ويهرولُونَ صوبَ المُحتلِّ العدوِّ للتّطبيعِ المجانيِّ الذّليلِ.

 ويظلُّ نظامُ دمشقَ قاتلُ شعبِهِ، والّذِي يتّبعُ سلوكَ النّعامةِ مَعَ إسرائيلَ، فِي حالةِ خنوعٍ وانسحاقٍ عنِ اتّخاذِ موقفٍ وطنيٍّ مشّرفٍ، ولَو مرّةً واحدةً. فهلْ يستمعُ إلَى صوتِ حليفِهِ حسن نصر الله أمينِ عامِّ حزبِ اللهِ الّذِي يستدركُ حالةَ الخجلِ لحلفِ المُمانعةِ ويدعُو مساءَ الثّلاثاءِ الماضِي للمُقاومةِ لتحريرِ الجولانِ؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان