انتخابات “إسطنبول” واللقاء الغامض بين عبد الله غول وزعيم المعارضة!

ويدخل ضمن ذلك الإطار اللقاء الغامض الذي تم بين عبد الله غول رئيس الجمهورية الاسبق وكيليشدار أوغلو على متن أحد اليخوت بعيدا عن أعين الإعلام وعن طاقم الحراسة لكل منهما,
أثار قرار إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول الكثير من ردود الأفعال غير المتوقعة سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، اذ رأى البعض في القرار فرصة للهجوم على الرئيس أردوغان وتكرار اتهاماتهم له بالديكتاتورية، والسعي للسيطرة على قرار الناخب التركي، حتى ذهب البعض إلى التهكم بإن نتائج انتخابات إسطنبول لم تعجب السلطان فقرر إعادتها مرة أخرى.
الغريب في موقف هؤلاء أن قرار إعادة الانتخابات اتخذ بشكل قانوني كامل من قبل الهيئة العليا للانتخابات، التي قامت بالنظر في الطعون المقدمة من حزب العدالة والتنمية، ودراسة ما قدمه من أدلة ومستندات تؤكد صحة ما تقدم به، وحينما تأكدت من وجود عدة مخالفات قانونية تستوجب إعادة الانتخابات بعد ان حامت الكثير من الشبهات حول أوراق التصويت في 123 صندوق من صناديق الاقتراع، تضم أصوات 42 ألف صوت، وذلك وفق حيثيات القرار التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات، فكان قرارها بالإعادة.
إذن القرار جاء بناء على مخالفات قانونية صارخة شابت عملية التصويت والفرز، أدت إلى إشكاليات لا يمكن تجاهلها أو الصمت عليها، خصوصا أن عدد أصواتها يمثل كتلة تصويتية لا يستهان بها، تلك الكتلة من شأنها فعليا تغيير النتائج التي سبق الإعلان عنها.
قد يكون من المنطقي والمفهوم رفض أحزاب المعارضة لذلك القرار، والاعتراض عليه والتنديد به، إلا أن مطالبتها بإعادة الانتخابات الرئاسية (2018) والاستفتاء على التعديلات الدستورية (2017)، لأنها تمت – وفق وجهة نظرها – في الظروف نفسها التي اُجريت فيها الانتخابات المحلية، متجاهلة عند طرحها لذلك أن لا أحد أعترض على سير أي من الاستحقاقات الانتخابية المذكورة، ولم يتقدم حزب منها بطعن للجنة الانتخابات على النتائج التي أسفرت عنها، مصحوبا بأدلة ومستندات تؤكد حدوث أية مخالفة. بل إن جميع أحزاب المعارضة اعترفت بهزيمتها في الانتخابات الرئاسية، وأقرت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية.
ولذلك يبدو غريبا مطالبتها الآن بإعادة كافة تلك الاستحقاقات الانتخابية التي شهدتها البلاد في العامين الماضيين، وكأن المسألة أصبحت تدار وفق نظام المقايضة، وليس وفق اُسس قانونية تحكم العملية برمتها.
إلا أن المثير للشكوك حقيقة ذلك التدخل الخارجي في أمر هو في النهاية شأن داخلي بامتياز، يبدو ذلك واضحا من اسمها ” انتخابات محلية ” ورغم ذلك انهالت الانتقادات الحادة على الرئيس أردوغان فور إعلان قرار الإعادة، وكأنه هو من اتخذ القرار، كما وجهت الكثير من الاتهامات لحزب العدالة والتنمية الحاكم لمجرد أنه اتخذ الطريق القانوني للمطالبة بما رآه حقا له، وانتظر لأسابيع عدة حتى تبت اللجنة في طلبه وتقوم بدارسة طعنه، وتقرر إعادة الانتخابات، وهي ذاتها اللجنة التي سبق أن رفضت ما تقدم به الحزب الحاكم من طعون في أنقرة، ولم يعلق أحد.
رد الفعل العنيف الذي قوبل به قرار الإعادة في إسطنبول، أثار العديد من الشكوك بشأن الدوافع الخفية التي تقف وراءه، ومنح ثقة ومنطقية لما يتردد بشأن وجود مؤامرة كبرى تم تنفيذها خلال تلك الانتخابات المحلية، خططت لها عناصر داخلية وخارجية لإسقاط حزب العدالة والتنمية، عبر إصابته بهزيمة ثقيلة في إسطنبول إلى جانب أنقرة وأضنة وأنطاليا، يعقبها استكمال باقي المخطط الهادف للسيطرة على كامل تركيا، وإخراج الاسلاميين من السلطة، وتسليمها للأحزاب اليسارية والعلمانية مجددا.
وهو الأمر الذى يجعلنا نعيد النظر مجددا في التحالف الغريب الذى جمع الاضداد معا في بوتقة واحده، وأقصد بذلك حزب الشعب الجمهوري وريث مصطفى كمال أتاتورك، وحليفه حزب الجيد القومي، اللذين تعاونا بصورة سرية مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني الذى تصنفه تركيا منظمة إرهابية، ليخوضوا معا معركة الانتخابات المحلية ضد حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، ورغم أن ذلك الأمر تسبب في تعرض زعيم الحزب كمال كيليشدار أوغلو للاعتداء من جانب سكان إحدى القرى أثناء تواجده فيها للمشاركة في جنازة أحد ابنائها الذى استشهد خلال مواجهة بين الجيش التركي والمنظمة المذكورة، فإن هناك إصرارا غريبا على الاستمرار في هذا التعاون الغريب حتى عند الإعادة، رغم ما يمثله ذلك من خطورة على شعبية الحزب ومكانته لدى قاعدته.
إلى جانب ما أبداه عدد من القيادات السابقة لحزب العدالة والتنمية من تعاطف مع جبهة المعارضة وأسفهم لقرار لجنة الانتخابات، ويدخل ضمن ذلك الإطار اللقاء المبهم الذي تم بين عبد الله غول رئيس الجمهورية الاسبق وكيليشدار أوغلو على متن أحد اليخوت بعيدا عن أعين الاعلام وعن طاقم الحراسة لكل منهما، من دون أن يتم الافصاح عن فحوى اللقاء أو أسبابه.
فإذا ما أضفنا للمشهد الداخلي، تلك الانتقادات الخارجية التي جاءت من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وإسرائيل بسبب قرار إعادة الانتخابات في إسطنبول، انتخابات محلية وليس انتخابات رئاسية ولا برلمانية، يتضح لنا أن الأمر يتعدى بالفعل مسألة الانتخابات المحلية، ورئاسة بلدية إسطنبول إلى ما هو أكثر أهمية وأكبر بكثير من دعم الديمقراطية، إنها بالفعل مؤامرة اشتركت فيها عناصر داخلية، بتمويل وتدريب من عناصر خارجية، تستهدف إنهاء وجود حزب العدالة والتنمية، وهزيمة الرئيس أردوغان وإزاحتهما عن المشهد السياسي التركي، ولعل انتشار قوات إماراتية وسعودية في شرق المتوسط، والتجهيزات الجارية على قدم وساق لتشكيل جبهة عسكرية للوقوف في وجه الجيش التركي في الشمال السوري، والسعي الحثيث لإقامة قواعد عسكرية في البلقان، دلائل على جدية وعمق ما تتعرض له تركيا من خطر حقيقي على أيدي من يكرهون أن ينتصر الإسلام فيها، وأن يستعيد أمجاده المسلوبة على أرض آخر عاصمة للخلافة الاسلامية، إسطنبول، التي استقبلت اللاجئين إليها من مشارق الارض ومغاربها.
ويبقى أن يفطن الأتراك إلى أن ردود الافعال الغربية حول قرار إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول لم ولن تكون دفاعا عن الديمقراطية في تركيا، أو عن حق المواطن التركي في التعبير عن رأيه وتحديد اختياراته، وإنما هى محاولة خبيثة تستهدف استكمال ما يحاك لهم ولبلادهم من مؤامرات لضرب استقرارهم، وعرقلة انطلاقهم، بل وإعادتهم مجددا إلى دائرة الإملاءات الغربية، وفرض الوصاية على استقلال قرار بلادهم السياسي الذي بات يؤرق الجميع.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
