الجزائر والسودان: رهانات النجاح والفشل

 

 

هناك رهانان على الثورتين السلميتين الرائعتين في السودان والجزائر. الأول رهان النجاح الذي يتبناه دعاة الديمقراطية والحرية في العالم العربي، وهم المخلصون والمؤمنون بضرورات التغيير والإصلاح الجذري والشامل في بنية وهياكل الدولة العربية الوطنية الحديثة، ليُعاد تأسيسها على قواعد النظام الديمقراطي والحكم والرشيد، بما يعني ذلك حق المواطنة والمساواة والعدالة وحكم القانون والتداول السلمي للسلطة، وأن يكون المنتخبون في المناصب الرفيعة والعليا جميعاً خدماً للشعب، يأتون ويرحلون بإرادة الشعب الحر، لا سادة متجبرين عليه.

والرهان الآخر هو الفشل كما حدث في تجارب عربية سابقة ويسعى إليه حثيثاً دعاة الاستبداد، وأنصار الديكتاتوريات، وأعداء الثورات والتغيير بما تعنيه هذه الكلمات والأوصاف من مساوئ وقمع وقهر وتخلف وفساد وفقر وانغلاق.

 مصيدة السلطوية

ومن أسف أن البلدان العربية وقعت كلها أو معظمها في مصيدة الحكم السلطوي الذي لم يحقق أية فائدة للأوطان والشعوب، بل ينقلها من سيئ إلى أسوأ، والدليل الأول على هذا أنه بعد عقود من التحرر من المستعمر لم نجد بلداً واحداً يصنع تنمية جادة ونهضة حقيقية ويوفر حرية ويقيم دولة مؤسسات وقانون وعدل تضعه في خانة الدول التي نفضت غبار التخلف وانطلقت إلى آفاق الاستنارة وركب العالم المتقدّم صانع الحضارة، والدليل الثاني على الفشل الكامل للسلطوية القمعية مهما كان شكلها هي موجات الثورة المتفاعلة عربياً وبشكل مذهل، فاشتعال الثورة ليس غاية في حد ذاته ولا لعبة تتحرّك بريموت كنترول، إنما هي ناتج تفاعل غليان سياسي ومجتمعي وصل درجته القصوى بسبب عدم القدرة على احتمال الأوضاع القائمة حيث لم يعد في قوس الصبر منزع.

 موجتان ثوريتان.. والأمل المتجدد

الموجة الثوريّة الأولى كانت في 2011، والثانية هذا العام 2019، والموجة الحالية ذات بعد مهم فهي تحيي الأمل في الشعوب، وتؤكد أنها لا تيأس، ولا يقتلها الإحباط، ولا تخشى الديكتاتور مهما كان جبروته وفاشية نظامه، فالشعوب تؤكد مجدداً أنها تمتلك طاقة هائلة للتعبير عن نفسها عندما يستبد بها الغضب والظلم، ولا تبالي بردود فعل الأنظمة، وما قد تلجأ إليه من قوة مفرطة دمويّة.

والثورات الداعية للحرية والخبز معاً هي حصيلة الفشل التاريخي الذريع للنظام العربي السلطوي الذي يقاوم بعنف أحاديته وطغيانه حتى لا يرحل ويتم دفن مسيرته السيئة للأبد.

كان الشائع بعد كل ما تعرضت له الموجة الثورية الأولى من انكسارات ودماء وآلام أن فكرة الانتفاضة مجدداً على مستبد آخر مستبعدة، اتساقاً مع السؤال الذي يُطرح بخبث من الماكرين وهو: ماذا فعلت الثورات في البلدان التي شهدتها من قبل؟، فهي إما أحدثت انقسامات جغرافية ومجتمعية حادة قادت إلى اقتتال أهلي جلب تدخلات إقليمية ودولية، وإما استعادت استبداداً أشدّ من الذي تم إسقاطه، والاستثناء تونس التي نجت من هذه المصائر الصعبة، لكنها نجاة ليست كاملة، إذ أن أعداء التغيير الديمقراطي يتحينون كل الفرص لإعادة هذا البلد إلى حضن الشوك الكاره لتغليب إرادة الشعوب، وفتح نوافذ الحريات، وتمكين صندوق الانتخاب من إفراز نخب الحكم.

انتصار مرحلي للجزائريين

ومن حراك السودان الساحر، إلى حراك الجزائر الذي توج بانتصار مرحلي مهم، وهو قطع الطريق على الرئيس بوتفليقة للترشح لفترة خامسة رغم الاعتلال الشديد لصحته، وعدم قدرته على ممارسة الحكم منذ سنوات، هذه الانتفاضات السلميّة لا تزال تناضل لفرض مطالبها في بناء نظام سياسي جديد يزيل كل إرث النظام السابق الذي فشل على مدار عقود في بناء الدولة الوطنية العادلة، إنما رسخ الفساد والبلادة والفقر والقهر وتحكم حواشي الحكم ومنتفعيه في ثروات البلاد ومصائر العباد كما هو الحال في مختلف البلدان العربيّة.

 وطالما أن الثورة مستمرة، والثوار يواصلون الاحتجاج، ومنتبهون لمكر الماكرين، فإن الانتصار سيكون حليفهم في النهاية.

السودان: ثورة عظيمة

وما يضاعف الأمل في الطاقة الهائلة الكامنة في الشعوب، هي الثورة السودانية العظيمة حقاً، فقد انطلقت في 19 ديسمبر 2018، ولا تزال قوية وحيوية ومتماسكة حتى اليوم رغم السهام المصوّبة إليها من أعداء كثر يتربصون بها، ولا يريدون استمراريتها وتحقيق أهدافها، هذه الثورة لم تتوقف يوماً وهي في شهرها الخامس الآن، ومما ساهم في صمودها ونجاحها أنها انتشرت واتسعت وتنوّعت فعالياتها وشملت مدن وقرى السودان وتمسكت بفضيلة الصبر والنفس الطويل، وأرهقت النظام العسكري الديني القاسي الذي رغم سيطرته على مفاصل البلاد طوال 30 عاماً وتغلغله في كل مؤسساتها ومرافقها وهيئاتها وتشكيل ميليشيات وتنظيمات داعمة وحامية له إلا أنها واجهته بشجاعة نادرة، هي الثورة السلمية الأطوال عمراً في الربيع العربي كله، أسقطت البشير في 11 أبريل، ثم أسقطت نائبه ووزير دفاعه عوض بن عوف بعد 24 ساعة فقط من تنصيب نفسه رئيساً للمجلس العسكري الحاكم، حيث لم يكن يصلح أن يكون وجهاً تالياً للديكتاتور الزائل، فقد كان وجهاً كئيباً آخر.

 والنضال لا يزال مستمراً وبزخم هائل في مواجهة محاولات المجلس العسكري بقيادته وتشكيلته الجديدة الحالية للالتفاف على الثورة ومصادرتها تدريجياً وصنع حالة استبدادية جديدة بأسماء ووجوه عسكرية أخرى، كأن هناك بشير آخر يُراد تخليقه بقناع آخر من نفس العباءة العسكريّة لكن بسمت مدني.

وهي نفس العملية الالتفافية التي جُربت في بلدان الانتفاضات السابقة، ونجحت في بعضها في غفلة من الزمن أو بخطيئة من الثوار وهم يتباكون الآن أنهم فرطوا في ثورتهم ولم يحافظوا عليها متحصنين بسلميتهم ووحدتهم وشرعية وأخلاقية أهدافهم وأحلامهم النبيلة.

الاستفادة من التجارب السابقة

من حسن حظ السودانيين والجزائريين أن أمامهم سوابق متعدّدة لتجارب أدخلت الثورات في مآزق أو حولتها إلى احتراب وانقسامات ودمار للأوطان وتشريد للشعوب، ولهذا يناضلون بسلمية كاملة، وبانفتاح على حلول آمنة لا تقصي ولا تعادي المؤسسات بشرط ألا يتم سلب جهدهم الثوري، وألا يمنحوا الفرصة للثورات المضادة للعصف بهم، وإعادة عقارب الساعة للوراء، وهو تيار نافذ داخلياً، وله داعمون أقوياء متمكنون خارجياً يمتلكون القدرات الهائلة على التدمير التدريجي والمنهجي وبلا رحمة ودون اعتداد بالشعوب ولا آمالها في التغيير، فالمهم عندهم أن يتسيّد الاستبداد ولا يترك بلداً يكون نموذجاً في التغيير الدستوري الديمقراطي وحكم دولة القانون وبناء نظام سياسي عادل ورشيد، لا يريدون للشعوب أن تمتلك إرادتها وحرياتها حتى لا تقدّم نموذجاً على أن المواطن العربي ليس أقل من المواطن الأوروبي والأمريكي والكندي والياباني والكوري الجنوبي والسنغافوري والماليزي، وكل مواطن في كل بلد حر ديمقراطي في العالم في صنع حداثته وتحضره وقدرته على اختيار حكامه ونوابه وممثليه في تداول مستمر للسلطة بلا توقف يشمل مختلف التوجهات والتيارات والأفكار في المجتمع، ومتى ما حصل ذلك فإن شعاع الضوء الخارج من هذا البلد العربي أو ذاك سيكون كاشفاً لظلام الديكتاتورية في البلدان المصابة بهذا الداء العضال فيضعه في مأزق ويجعل شعبه يفكر ويتطلع أيضاً للخلاص من الكابوس الثقيل الجاسم على الصدور.

الربيع  ومسار التحول الصحيح

لا يُراد لهذه المنطقة أن تخرج من صحراء الاستبداد الجرداء القاحلة سياسياً وفكرياً والقاتلة لمعنى الإنسانية ولكل المعاني النبيلة ولكل القيم والتحررية السامية، لا يُراد لها أن تشعر شعوبها بكرامتها وعزتها وقدرتها على الفعل وامتلاكها لإرادتها حتى تبقى في طاعة الطغيان الأبدي، وكأن تاريخ المنطقة من صفحة واحدة لا تتغير، عنوانها ومتنها الحكم المُطلق.

انتصار الجزائريين والسودانيين سيُضاف إلى إفلات التوانسة من انكسار تجربتهم، وهذا يعني خروج الربيع من كبوته عبر ثلاثة نماذج يُتوقع أن تكون مضيئة، وهذا سيؤكد أن الربيع هو المسار الصحيح للتحول والإصلاح الشامل مهما جرى الإمعان في تشويهه وتدميره وشيطنته، وسيؤكد أن المشكلة لم تكن فيه، إنما كانت فيمن ترصّد له، وتآمر عليه، وأخذ يهدم فيه بعنف وكراهية وحقد، ومن أسف أن بعض من شارك في صنع ربيع الحرية المنعش هذا صار أحد معاول الهدم في أيدي أعداء الحرية سواء بقصد أو بغفلة منه.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان