صمت المصريين الذي يغري النظام بمزيد من القسوة

 

حالة الصمت التي تبدو على الساحة المصرية والسكون الذى يغطى أنحاء المحروسة يمثل حالة إغراء كبيرا للنظام المصري ليطغى أكثر على المصريين، ويزداد تجبرا في أرجاء البلاد.
ويأتي الحكم ببراءة حبيب العادلي وزير داخلية مبارك في قضية فساد وزارة الداخلية وكأنه نوع من المكايدة المستمرة للمصريين منذ انتهاء فتره تبريد الثورة، وبالتحديد منذ انتهاء دور الثوار والسياسيين حينما ساهموا في إعادة مجموعات كبيرة من نظام مبارك إلى الحكم بدءا بقبول عصام شرف رئاسة الوزراء عقب ثورة يناير، ومرورا بقبول هشام قنديل المنصب نفسه عقب تولى الرئيس محمد مرسي السلطة بعد انتخابات ٢٠١٢، وانتهاء بوجود بعض السياسيين في أحداث يوم 3 من يوليو/تموز 2013، وهو اليوم الفاصل في استرداد الثورة المضادة الحكم كاملا عن طريق عدلي منصور ثم تولي السيسي الحكم، ومعه بدأ الانتقام من المصريين شعبا وثوارا!

لماذا ينتقم نظام مبارك من المصريين؟

ربما يكون مفهوما انتقام النظام المصري من ثوار يناير بكل اتجاهاتهم السياسة: بداية من الإخوان المسلمين مرورا بشباب حركة ٦ أبريل، والتيارات اليسارية والليبرالية، وانتهاء بشباب وقيادات التيار الشعبي، لأنهم صناع الثورة على نظام مبارك وشركاء الحدث والمحركين له،
لكن لماذا ينتقم النظام من الشعب بهذه القسوة؟
قسوة في التعامل مع احتياجاته سواء بالارتفاع الجنوني في أسعارها، أو ارتفاع أسعار الخدمات، أو الاعتقال العشوائي لأبنائه الذين يحاولون التنفس عبر الإنترنت، أو بمجرد وقوف أحدهم في الشارع بلافتة: ارحل يا سيسي (الشاب محمد محيى) أو بلافتة: لا للتعديلات الدستورية (الشاب أحمد غانم) أو حتى من ارتدي قميصا مكتوبا عليه: لا للتعذيب، أو غيرهم الكثير من أبناء الشعب الذين لا ينتمون إلى تيارات سياسية..
واعتقد أن هذا الانتقام غير المبرر ظاهريا، قد يكون له ما يبرره جوهريا، إذا استرجعنا أجواء الـ18 يوما في ميدان التحرير حيث تجلت سلوكيات المصريين التي أكدت فشل كل محاولات تهميش وتجهيل هذا الشعب منذ زيارة الرئيس الأسبق أنور السادات للكيان الصهيوني وحتى عشية ٢٤ يناير ٢٠١١ ..

ويكفينا أن نتذكر مثلا أن مصر عاشت فترة الثورة من دون حادثة واحدة للاعتداء على الكنائس في ظل غياب كامل للشرطة، أو نتذكر تجربة اللجان الشعبية التي حلت محل جهاز الأمن عقب انسحابه من المدن.
كما لا ننسى مثلا صلاة المسلمين في الميدان التي كان يحيط بها الأقباط متشابكو الأيادي، وتكافل المواطنين في توفي الإعاشة من طعام وشراب. لقد كان درسا علّم العالم..

تلك هي الجريمة التي يُعاقب عليها الشعب المصري حتى الآن من وجهة نظر النظام الحاكم في مصر؛ فكيف تم إفشال مشروع طويل لهم وللأمريكان والصهاينة في خلق مسخ للإنسان المصري.. وكلما تذكر النظام ذلك وهو لا ينسى أيام يناير فإنه يزداد انتقاما من الشعب.

الصمت يغري بزيادة الانتقام

لكن هذا الصمت الذي يتلقى به المصريون كل هذا القهر يغرى النظام باستخدام مزيد من القسوة خلاله تعامله معهم، وإن كان هذا الصمت ظاهريا، إذ إن آبار الغضب موجودة. موجودة بعد نتيجة الاستفتاء على تعديلات الدستور؛ فرغم الادعاء الكاذب (جبرتم بخاطري) فإن الحقيقة غير ذلك.
وقد يبدو المصريون صامتين أمام تنازل عن تيران وصنافير، أو الغلاء المعيشي، أو سقوط طبقات من السلم الاجتماعي، أو تزايد الفقراء، ومن هم تحت خط الفقر إلى ٦٠٪، وهناك أكثر من ٢٠٪ منهم فوق الخط سوف يهبطون إلى تحته قريبا مع استكمال مشروع رفع الدعم قريبا؛ إلا أن هذا صمت ظاهري يتصاعد مع الوقت.

فمن صوتوا في الاستفتاء على تعديل الدستور بلا، والذين أبطلوا أصواتهم، والذين قاطعوا أغلبية كبيرة (حتى بأرقام اللجنة العليا للانتخابات والمشكوك فيها بكل الظواهر التي حدثت).

صمت الحرافيش في روايات محفوظ

عاشور الناجي بطل رواية الحرافيش (السيرة العاشورية ) يعيش في الحارة حياة بسيطة تتواكب مع أحواله، وتقلبات الظروف به وبعائلته إذ هو  ينتمي إلى عائلة الناجي الكبير  الفتوة الأصلي للحارة (نموذج الحاكم العادل في رواية محفوظ) الذى كان محبوبا من أهل الحارة (مصر) إلا أن أحد رجاله انقلب عليه وغدر به واستولى على لقب الفتوة وعاث فيها فسادا وظالما واستبدادا: يفرض الجبايات عليهم وينتقم منهم.

عاش عاشور (المواطن – الشعب) متجنبا المشاكل (صامتا) رغم تمتعه بالقوة البدنية وقدرته على قهر الفتوة، وكان صمته بحكمة أقنع به نفسه فهو يؤدي رسالة سامية يعلم أولاده، ويحسن تربيتهم، فكان عليه أن يحتمل ما لا يطيق.
وفى لحظة واحدة استعاد عاشور الناجي قوته حينما انفجر الغضب نتيجة ازدياد الظلم والقهر فامتلك عصاه (قوته)، وقهر الفتوة الظالم، وأصبح عاشور فتوة الحارة العادل (الحاكم العادل للوطن بعين نجيب محفوظ).

ويشير نجيب محفوظ لنا إلى أن انتظار فتوة عادل ليس هو الحل، وأن صمت الشعوب ليس حلا، وأنه قد يأتي عاشور عادلا، وقد يأتي متجبرا مستبدا، والحل أن نمتلك جميعا أدوات الحفاظ على العدل سواء بالتعليم أو بتوزيع عادل للثروات، أو أن تكون القوة ملك الحرافيش جميعا وليست لفئة واحدة. 

هل نحن أمام لحظة انفجار آبار الغضب

في رمضان يخفت صوت الصمت لدى المصريين فالشهر للصوم والصلاة والعبادة عند كثيرين منهم أو شهر مشاهدة تليفزيونية لمسلسلات هذا العام أو برامج مقالب.

يبدو صوت الصمت ضعيفا ولكن هذا لا ينفى أن الغضب مكتوم، وسيزداد أمام ما هو قادم، إذ من المتوقع حدوث موجة غلاء أسعار قاسية بعد رفع الدعم بالكامل، وسياسيا تقترب خطوات تنفيذ صفقة القرن والتي أعتبرها  فاصلة بين الوطنية والخيانة، وتمحيص لكل العرب و المصريين والمؤسسات بمصر بصفة خاصة.
فأي تنازل سواء باقتطاع جزء من سيناء لصالح تحريك الفلسطينيين، أو بإنشاء منطقة صناعية للفلسطينيين من دون توطين يعد تنازلا عن أرض مصرية.

ومازال الصامتون يتلقون صدمات متتابعة في الخدمات والمرافق وعجز التعليم (وزير التعليم يجتاح ١٢ مليار جنيه وإلا!)، والصحة (وزيرة الصحة تعلن أنها تستدين لدفع الرواتب!) وأصحاب المعاشات (رئيس الجمهورية يعد بمصاعب أكثر: احنا لسه ما عملناش حاجة!).
وأظن مع استمرار هذا الانهيار في أحوال المعيشة والتعليم والصحة والخدمات سيكون غضب الصامتين بلا حدود، وسيتخلصون من الفتوة المتجبر المستبد وصبيانه!

ولكن كيف نستطيع أن نجعل الغضب القادم منتظما ثوريا بلا أثمان ثقيلة؟ تلك هي المسألة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان