ما وراء العودة إلى مشروع بورقيبة

بعنوان الانتماء للزعيم بورقيبة ومشروعه السياسي واسم حزبه القديم تطوف المحامية عبير موسي البلد لتعيد إنتاج خطاب الكراهية والإقصاء فمشروعها هو إيقاف التاريخ الذي انطلق سنة 2011
ماذا لو كانت الانتخابات وسيلة المنظومة الساقطة للعودة إلى السلطة من باب الديمقراطية وشرعية الصندوق؟
هذا الاحتمال لا يساوي صفرا في التجربة التونسية منذ اندلاع الثورة وسقوط نظام بن علي أو بالأحرى سقوط بن علي وبقاء منظومته الفاسدة. وقد تكون انتخابات 2019 هي الخطوة النهائية لاستعادة منظومة بن علي للسلطة بشكل كامل وتهميش من عارضها قبل الثورة من جديد. مؤشرات كثيرة تتجمع في المشهد التونسي لتؤكد احتمالات فوز المنظومة بأغلبية برلمانية متقدمة على حزب النهضة الإسلامي وعلى بقية الطيف السياسي الديمقراطي. أهم هذه المؤشرات أولا
محاولة الاستثمار في خطاب الكراهية لتحجيم الإسلاميين وذلك أولا بتجاهل خطاب عبير موسي الفاشي ومحالة قطف ثماره وثانيا تقدم الصف المنتمي للثورة إلى الانتخابات في حالة شتات سياسي وتنظيمي مهلكة. فإذا وضعنا هذا في إطار قدرة المنظومة الفاسدة على التلاعب بالناخبين وبشراء الأصوات وتصويت الموتى فإن الخماسية القادمة ستكون نظام بن علي بشرعية صندوق ديمقراطي بعد أن كنسه الشارع.
بعنوان الانتماء للزعيم بورقيبة ومشروعه السياسي واسم حزبه القديم تطوف المحامية عبير موسى البلد لتعيد إنتاج خطاب الكراهية والإقصاء، فمشروعها هو إيقاف التاريخ الذي انطلق سنة 2011 والعودة به إلى نقطة أساسية هي استعادة بن علي المشروع والشخص إذا أمكن والبدء من جديد في محاكمة الإسلاميين المتهمين بأنهم هم من أسقط بن علي وخرب الدولة القائمة وباعها لقطر وتركيا والإخوان المسلمين. ولا تقدم المحامية أفكارا أخرى للحكم.
الخطير في خطاب هذا الحزب وزعيمته ليس كم الكراهية الذي يصدر عنها بل كمون بقية الطيف السياسي الديمقراطي وراءها وتظاهرهم بالصمم عن خطابها في انتظار أن يؤدي هذا الخطاب إلى تحجيم عدوهم اللدود (حزب النهضة) ليتقدموا هم في المساحة الفارغة التي سيتركها لهم كلما تقلصت قاعدته.
وهي الخطة الغبية نفسها التي سارت عليها الطبقة السياسية بالأخص مكوناتها اليسارية زمن بن علي فقد كانوا يباركون له ذبح الإسلاميين على أمل أن يأخذهم بالأحضان ويبني معهم وبهم تجربة ديمقراطية فلما انكشف لهم اللص كان القطار قد فاتهم وبقوا حيث هم وها هو خطاب الكراهية يعود ومشروع الإقصاء يسيطر والنخبة نفسها كامنة تنتظر نفس الغنيمة.
إن أخطر ما في هذا الأمر هو أن الطبقة السياسية لم تتطور ولم تغير منوال تفكيرها فهي ماكثة خارج الديمقراطية وإن زعمت. ولأنها جامدة ومتكلسة حول صورة للبلد بدون إسلاميين فإنها تبقى خارج المنوال الديمقراطي فلا تحوز ثقة جمهور غير منتسبيها الأيديولوجيين وهم قلة لا وزن لهم في قانون العدد الانتخابي. عجزهم دون الديمقراطية هو السبب الثاني لخيبة الثورة. لأنهم غير ديمقراطيين ولا يؤمنون بالشعب فإنهم لم يفلحوا في توحيد جهدهم وهم يتقدمون فرادى فيخسرون وهذا السبب الثاني لعودة المنظومة.
لا أجد له وصفا أقل حدّة: غباء مستحكم أنتجته روح أنانية متمركزة على ذاتها. زعامات فارغة تنتج شقشقة لفظية كثيفة وبلا مضمون. كلما سمعوا حديثا عن توحيد الصف لخلق أغلبية، تكبروا عن كل جهد تجميعي يقام على حدود دنيا تمكن من دفع مسار الثورة. تحصل به قطيعة جذرية مع المنظومة وتفسح المجال فعليا لظهور زعامات جديدة.
هذا التشتت سبب خيبة كبيرة للكثيرين في انتخابات 2014 خاصة وسيضاعف خيبة كل من اتبع الحزيبات الصغيرة بعد أن يتم إقرار العتبة الانتخابية (3 بالمائة) سيأخذ كل حزيب قزم كمّا من الأصوات لا ينتصر به ولا يضاعف به قوة الثورة. ولديهم منذ الآن أعذار للفشل فالآخرون هم السبب. لقد رفضوا التوحد معنا.
هذا الوعي الطفولي بالسياسة وشروط تصفية المنظومة بواسطة الصندوق الانتخابي بديلا عن العنف أفرغ الثورة من كثير من طاقاتها ذلك أن كثيرين يرفضون المنظومة ويبحثون عن حزب قوي يضم جهودهم لفعل سياسي عميق فيجدون زعامات صغيرة تمارس بحقارة وسوء طوية وتبحث فقط عن يد عاملة أو كم أصوات ناخبة. أما الشراكات والعمل الطويل النفس فيعطلها عن طموحاتها. كان هذا الدرس واضحا جدا عقب خيبة 2014 ولكن لا أحد تعلم بل نرى تقدم زعامات أصغر وأقل أهمية وبلا تاريخ وعيونهم فقط على مغنم وشهرة وحديث إعلامي ينتهي بتحقيرهم لفقرهم الفكري وعجزهم عن الاقتراح.
حكم بن علي كما حكمت الدكتاتوريات العربية منذ 70 عاما بضعف معارضيهم وشتاتهم وتكالبهم على المغنم السريع. وقد كانت الدكتاتورية قادرة على هذا النوع من العطاء. أمراض المعارضة القديمة لا تزال هي السُّلَّم الذي ستعود عليه المنظومة المخلوعة. ونحن نراها تعود في تونس. متحدية كل عوائقها الذاتية ومعتمدة بالأخص على تشتت معارضتها.
تظهر المنظومة بدورها مشتتة الآن ولكنها في شتاتها قادرة على أن توصل أغلبيتها للبرلمان أو على الأقل كتلة تعطل كل شيء إلا بمقابل والمقابل معروف مغانم السلطة فليس للمنظومة طلب غيرها. وهي ليست معنية بحل مشاكل البلد الاقتصادية والاجتماعية ووسيلتها معروفة عوض الاتجاه إلى معالجة المشكل ستخلق مشكلا آخر، هو استعادة المعركة مع الإسلاميين وطبعا ستجد يساريين إلى جانبها. ونعود إلى حيث كنا قبل 2011. هل ندعو إلى المقاطعة وكسر المسار الانتخابي حتى لا تجد المنظومة العائدة غطاء شرعيا؟
هذا الخطاب يزعج سياسيي الحد الأدنى فمجرد طرحه يردون بالحالة المصرية والليبية مخوفين الناس من احتمالات الفوضى. ومتجاهلين أن المنظومة التي لبس رجالها السفساري سنة 2011 لا تملك شجعانا يدافعون عنها في الشارع.
تونس ذاهبة إلى انتخابات الحد الأدنى أمام المنظومة وسيكون أكثرها عددا وعدة في موقع المعارضة التي لا يصغى إليها ولا تؤخذ آراؤها بعين التقدير. حتى عندما نسلم للمتفائلين بأن قوى الثورة ستدخل المجلس النيابي القادم فإننا نرى أنه دخول خجول وقاصر وغير مؤثر بالتبعية. وحتى في صورة تقدم الإسلاميين بكتلة قوية فإنهم لن يكونوا بالعدد الكافي لممارسة السلطة وسيكون للأقل منهم عددا قدرة أكبر على ابتزازهم وانتزاع كل الإدارة منهم باسم الحفاظ على وحدة البلد وأمنه كما لو أن وحدة البلد مسؤولية طرف دون آخر.
الصورة التي يقاطع فيها جميع أنصار الثورة الانتخابات ويتركون فلول المنظومة بدون غطاء سياسي وشرعي لن تتحقق. هذه خطوة شجاعة وتقتضي ثمنا كبيرا والتونسيون الذين يبكون لارتفاع سعر الموز في رمضان لا يمكنهم المغامرة في طريق وعرة سيكتفون بالحد الأدنى فهذه بلدته. يمكن لبن علي أن يعد حقيبة العودة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
