شيوخ القوى الوطنية بمصر: حان وقت التقاعد!

على الجميع أن يتوارى عن الساحة السياسية والثورية قليلا، لا أستثني أحدا: حمدين صباحي، محمد البرادعي، أيمن نور، وقيادات الصف الأول من الإخوان، وكل من كان في جيلهم، وليتركوا فرصه لجيل جديد من قيادات التيارات الثورية في مصر.

مصائب جديدة على رأس المواطن

حالة السكون على الساحة المصرية لا تمثل حالة إحباط ويأس، رغم أنها تبدو كذلك للوهلة الأولى، ولكنها تعكس حالة من التفكير الصامت وربما الهادئ بعض الشيء في سبل التغيير إذ إن الغضب الكامن يتصاعد، وسيتصاعد أكثر بفعل خلال الفترة المقبلة..

إن موافقة صندوق النقد الدولي على الشريحة الأخيرة في قرض الـ١٢ مليار دولار تعني مزيدا من الإجراءات الاقتصادية الصعبة على المواطن المصري بدءا من رفع كامل للدعم إلى تخفيض عدد موظفي الدولة بما يعقبه من نزول شرائح أخرى إلى طبقتي الفقر والفقر المدقع..

وكذلك تحميل المواطنين فاتورة بناء الجسور (الكباري) والأنفاق داخل المدن، عبر فرض رسوم على المرور بها، مما يعنى تحول الدولة إلى مستثمر..

إضافة إلى الاعتقالات المتتالية لشباب يناير وغيرها، والزج بهم إلى السجون في قضايا وهمية (تم اعتقال مصطفى ماهر شقيق أحمد ماهر مؤسس حركة ٦ أبريل، وهيثم محمدين المحامي الحقوقي) رغم ابتعادهم عن ممارسة السياسة وخصوصا هيثم الذي كان يقضى ١٢ ساعة في القسم قبل اعتقاله.

كل ما سبق يعزز من حالة الغضب لدى معظم المصريين، ولذا يبدو أن السعي للخلاص من مصائب النظام الحاكم حتمي.

مبادرة المئة.. تحمل عوامل فشلها

كانت مبادرة أيمن نور مؤسس حزب الغد والمرشح الرئاسي السابق بدعوة ١٠٠ شخصية مصرية للحوار بشأن سبل وحدة القوى الوطنية أولى مبادرات السعي، ورغم أهمية الدعوة بل حتميتها في هذا التوقيت إلا أنه شابتها العديد من الأخطاء مما قد يؤدي إلى عدم وجود نتائج حقيقة لها.

فالدعوة تمت بدون مشاورات مع أطرافها سواء الموجودين بالقرب من أيمن نور في الخارج، أو البعيدين داخل مصر، وبدت وكأنها تمت نتيجة جلسة بدون إعداد أو ترتيب مسبق..

وهذا خطأ سياسي لا يمر بسهولة، فعلى أقل تقدير كان يجب على صاحب الدعوة أن يتشاور مع أطرافها ومع الذين يرشحهم للحوار والحصول على موافقة مبدئية، ثم الوصول إلى صيغه توافقية ثم إعلان المبادرة والشخصيات التي وافقت دون تعريض الرافضين لأي هجوم نحن في حل من آثاره..

هكذا لاقت الدعوة معارضة من الطرفين الخارج الموجود فيه صاحب الدعوة، أو الداخل الذي فوجئ بالدعوة على الشاشات والجميع محق في اعتراضه على الطريقة ربما وليس على الدعوة التي تبدو نبيلة، وبدون الدخول في خبايا النفوس، ولكنها دعوه ملائمة للوضع الراهن.

مبادرة الطنطاوي: لا أحب السيسي ولا أثق فيه

أحمد الطنطاوي عضو مجلس النواب صاحب المقولة التي قلبت الدنيا عليه، وقالها في معرض اعتراضه ورفضه للتعديلات الدستورية: أنا لا أحب السيسي، ولا أثق في أدائه.

الطنطاوي أحد أبناء ثورة يناير، وصاحب العديد من المواقف الثورية خلال معركة تيران وصنافير، وفى نقده للنظام أعلن، خلال مقابلة صحفية، عن سعيه مع مجموعة من الشباب السياسيين ومثقفين وشخصيات عامة ومجموعة من شباب يناير إلى تكوين تكتل سياسي يتخطى الانتماء الحزبي الضيق، ويضم كل التيارات الوطنية..

هو تكتل يسعى كما قال طنطاوي إلى الخلاص من فشل النظام واستبداده وقرارات تؤدي إلى مزيد من التدمير للدولة المصرية، وتفادى ثورة جياع قد تقضي على الأخضر واليابس.

لقد تفادى الطنطاوي ورفاقه أخطاء المبادرة الأولى فهو لم يعلن أسماء أطرافها إطلاقا، ولم يدعُهم بدون مشاورات عن التكتل والمبادرة..

كذلك هو رفض إعلان تفاصيل بشكل شخصي.. فالمبادرة تحاول أن تحمى نفسها من عوامل الفشل (الحقيقة أن شباب يناير يجيد هذا التصرف فلا سعى لتصدر الصورة رغم أنهم أولى الناس بها) وحتى تتفادى المبادرة التشاحن بين أطرافها؛ فمن يوافق سيتم إعلان موقفه، ومن يرفض لا يتعرض لتجريح داخليا أو خارجيا.

“احنا اللي قولنا لا”

هي محاولة للاستفادة من الرافضين للتعديلات الدستورية، إذ إن الرقم الذي أعلنته اللجنة العليا للانتخابات حال صحته، لمن رفضوا التعديلات:

٣ ملايين أو من أبطلوا أصواتهم: حوالي مليون مواطن..

فقد ظهرت مبادرات تدعو إلى تكتل هذه الجموع في تنظيم سياسي ربما يكون بديلا للنظام مؤيدا باعتقاد أن الرقم الذي أعلنته اللجنة ربما كان أقل من الحقيقة وظهرت مجموعة: احنا اللي قلنا لا”..

وكالعادة يبدو خلافا في الرؤى بين من يرى أن يكون تنظيما سياسيا يسعى إلى تقديم بدائل من خلال الانتخابات القادمة أي كانت نوعيتها محلية أو نواب أو رئاسية..

مع التصدي لسلبيات العملية الانتخابية من تزوير وعدم الحياد الحكومي وغيره من التجاوزات..

وفريق آخر يرى البديل في تكتل احتجاجي ثوري على غرار اتحاد الشغل في تونس أو تجمع المهنيين في الجزائر أو قوى الحرية والتغيير في السودان وتكون مهمته إسقاط النظام، وقد تكون البداية بإسقاط التعديلات الدستورية التي تؤبد حكم السيسي

ولعل أهم ما يواجه هذه الفكرة بعيدا عن كونها تتسع لتشمل ٤ ملايين شخص وهو رقم كبير جدا وصعب تنظيمه عمليا، فإن فكره محاولة تلاشي حالة الاختلاف بين القوى السياسية المكونة لهذه المجموعات وهو ما ينمو بشكل متصاعد خلال الأشهر الماضية في محاولة للخلاص من حالة الثأر بين القوى السياسية..

كلمة السر شباب الثورة

رويدا رويدا يخفت صوت ثأر الاختلافات السياسية بين قوى الثورة، وأقرب شريحة لذلك هم الشباب وخاصة شباب يناير إذ جمعهم الميدان على آفاق، وأحلام أكبر من صراع تاريخي أو قضايا ماضوية فبدا متسامحا مع أخطاء التاريخ؛ ورغم ما حدث من يناير 2011 حتى الآن، إلا أن مقولة أن الجميع قد أخطأ بلا استثناء وعلينا التسامح خاصة بين جيلهم بدأت تنتشر بما يبشر بقرب تلاشي حالة الثأر (رغم أصوات فردية من كل الأطراف لا تريد التسامح).

إن نقطة البداية الحقيقية في نجاح أي تكتل جديد يسعى إلى المستقبل أن تختفي من صفوفه الأولى كل الشخصيات التي تكون مثار خلاف سواء على حق أو بفعل فاعل (كسب السيسي كثيرا من اشتعال المعارك وصار يحكم مصر).. فلا يمكن مثلا الزج بشخصيات تم تشويه تاريخها لدى الشارع أو بين القوى السياسية المختلفة (بفعل فاعل)..

على رأس تكتل جديد أو مبادرة جديدة فتكون النتيجة مزيدا من المعارك بلا جدوى تؤدي إلى مزيد سيطرة النظام الحاكم..

نعم سيحاول النظام أن يسعى لتشويه الشباب ( هاشتاج شباب وسط البلد مثالا )؛ ولكنه سيجد صعوبة في إقناع الشعب أن أي بديل  له ليس وطنيا، إذ أصبحت لعبة تشويه مكشوفة.

إن حل المسألة الوطنية والثورية يتمثل أولا: في تراجع جيل كبير من رموز العمل الاحتجاجي والسياسي على رأسهم: حمدين صباحي، محمد البرادعي، أيمن نور، قيادات الصف الأول في الإخوان المسلمين..

ولقد وضعت حمدين صباحي أولا، رغم أننا أصحاب مشروع واحد وشركاء في الحلم والتنظيم، وإيماني أنه تعرض لظلم كبير.

أما الخطوة الثانية والأهم أن يدعم هؤلاء من خلف الصورة جيلا جديدا من الشباب ليشارك في تكوين تكتل جامع للثورة المصرية (أحمد الطنطاوي مثالا)؛ فالنقطة الفاصلة والأهم تكتل يعتمد على غالبية شباب الثورة ممن لا يزالون قابضين على جمرها، وأن يفسح الجميع مجالا للتسامح والتقارب، والاتفاق حول مهمة وحيده “إنقاذ مصر”، وأثق أنه بعد مشاورات وحوارات مع شباب من مختلف التيارات أن يكون هذا التكتل قابلا للتحقيق.

فلنتفق جميعا على إنقاذ وطن، وخاصة أننا في انتظار معركة وطنية كبرى سنواجهها مع إعلان صفقة القرن.. فليتفق الجميع على قضايا مصيرية وعلى فتره انتقالية تعيد ترتيب بيت على وشك الانهيار.. اتفقوا أو انتظروا الطوفان!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان