عام التحولات الكبرى.. الانتظار لا يكفي

 

انتخابات البرلمان الأوربي التي أعطت نتائجها إشارات متضاربة حول التغيرات في السياسة الأوربية تجاه قضاياها المحلية وتعاملاتها الخارجية هي جزء من جملة من التطورات والتغيرات الكبرى التي ينتظرها العالم وفي القلب منه منطقتنا العربية والإسلامية خلال العام المقبل والتي تنتهي بنهاية العام 2020 حيث الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي قد تطيح بترمب وترمبيته أو تثبتها لدورة جديدة.

حتى نصل إلى نهايات 2020 هناك العديد من المحطات الفارقة التي ستحدث تغييرات كبيرة سلبية أو إيجابية في منطقتنا وفي العالم، ففي منطقتنا لا تزال الثورتان السودانية والجزائرية في مرحلتيهما الأوليان، وخلال عام ستتضح الصورة تماما، سواء بانتصار كامل أو انتصار جزئي يفتح الباب لانقضاض الثورة المضادة مجددا.

الجزائر أفضل من السودان

تبدو الصورة حتى الآن في الجزائر أفضل كثيرا من السودان، حيث تمثل الثورة الجزائرية جميع فئات الشعب، ولا تقصي أحدا، وهي تستهدف تحرير المواطن بعد أن حررت ثورة نوفمبر 1954 الوطن، وهي لا تفرق بين صغار أو كبار في السن، فقط تريد إزاحة من شارك في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد في العهود السابقة، ولذا لم يكن غريبا أن الحراك الذي يتصدره الشباب هو الذي دعا رموزا سياسية (عجوزة) مثل أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق ليعود إلى المشهد مقدما رؤيته لإنقاذ الوطن والخروج بالثورة إلى بر الأمان، وظلت الرؤية للمؤسسة العسكرية محافظة على احترام تاريخي لها حتى وإن ظهرت بعض الهتافات ضد قائدها قايد صالح الذي يتهمه البعض بالمماطلة في تلبية مطالب الحراك، عبر إصراره على مسار انتخابي رسم خيوطه نظام بوتفليقه وسيشرف عليه بقية رجاله، وقد تجاوز الجزائريون هذه العقدة بصبرهم وصمودهم في الميادين، وفوتوا الفرصة على بقايا دولة بوتفليقة في إجراء انتخابات رئاسية في 4 يوليو المقبل تحت بصرهم وقدراتهم التزويرية الهائلة، وهاهي أبواب الترشح تغلق دون مرشحين، وهو مايعني انتصارا للحراك الثوري يفرض أجندته ورؤيته على الجميع، ويكون البحث عن حل بديل مقبول من الحراك هو الشغل الشاغل الآن للمؤسسة العسكرية والنخب السياسية وكل الحكماء، وعلى الأرجح ستصل الثورة الجزائرية إلى مبتغاها بسبب مثابرتها ووعيها ورغبة الجميع في إنقاذ الوطن، وسيكون انتصار الثورة الجزائرية بشرة خير لكل المنطقة وتأكيدا أن الشعوب لم تمت، وأن محاولات تخويفها وترويعها لن تجدي نفعا، وأن رياح التغيير والحرية والكرامة ستملأ الأفاق في كل مكان.

في السودان يبدو الوضع معقدا، فالحراك الذي انطلق منذ التاسع عشر من ديسمبر الماضي ووصل ذروته بالاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة  منذ 6 إبريل والذي نجح في الإطاحة برأس النظام عمر البشير، وقع في فخ الاستقطاب السياسي مبكرا، بل إن بعض متصدريه كانوا حريصين على إظهار روح الثأر والانتقام من خصومهم السياسيين بمن فيهم الذين وقفوا في الصف المعارض لنظام البشير ولو في سنواته الأخيرة أو حتى أيامه الأخيره، وقد منحوا بذلك فرصة عظيمة للمجلس العسكري للتشبث بالسلطة عبر قدرته على إظهار الخلافات بين قادة الاعتصام وغيرهم من القوى السياسية، ورغم أن المجلس اضطر تحت ضغط الشارع الثوري للدخول في مفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، واعتبرها الممثل الشرعي للثورة، إلا أنه كان ينتظر اللحظة التي يتنصل فيها من اتفاقاته الأولية معهم بتسليمهم السلطة التنفيذية لمدة 3 سنوات، وها هي الفرصة قد واتته مع حدوث تباين جديد في مواقف قوى الحرية والتغيير من الإضراب العام (الثلاثاء والأربعاء ) الذي رفضه حزب الأمة أكبر أحزاب الحرية والتغيير، وفي الوقت نفسه بدأ المجلس العسكري حوارا مع قوى معارضة  أخرى، ووجدنا تصعيدا في لهجة التصريحات الصادرة عن قيادات المجلس العسكري بعد زيارات رئيسه ونائبه لكل من السعودية والإمارات ومصر وهي الدول الثلاث الداعمة للعسكر وللمفارقة فإنها داعمة أيضا لقوى الحرية والتغيير، وتبدو هذه الدول ممسكة بخيوط الثورة في السودان حاليا، مالم تنتبه قوى الثورة لذلك، ومالم تتخلى عن عقلية الإقصاء، فتوحد كل أو معظم القوى السياسية الليبرالية واليسارية والإسلامية هو وحده الكفيل بإجبار المجلس العسكري على تسليم السلطة كاملة للمدنيين، وعلى العموم فإننا سننتظر تطورات الوضع على الأرض في السودان خلال الفترة المقبلة والتي ستتضح جليا خلال بضعة أشهر، وهو ما سيتعدى أثره الحدود السودانية إلى دول الجوار بل والمنطقة عموما.

الثورة المضادة في ليبيا

في ليبيا تبدو الحرب حتى الآن سجالا بين قوى ثورة 17فبراير 2011، وداعميها الإقلميين والثورة المضادة وداعميها الإقليميين والدوليين أيضا، ولم يعد الدور الإقليمي في تلك الحرب الداخلية خافيا على أحد مع وصول أسلحة مصرية وإماراتية وأيضا تركية إلى ليبيا، وسيكون انتصار فصائل ثورة 17 فبراير انتصارا لكل أنصار الحرية والتغيير في المنطقة عموما، وسيكون في الوقت نفسه انكسارا جديدا لحلف الثورة المضادة، والعكس صحيح تماما، والخوف الآن هو لجوء قوى الثورة المضادة إلى خيار تقسيم ليبيا بين شرق تابع لحفتر وغرب مع الثورة، لكن الرهان لا يزال قائما على وعي الليبيين لهذه المؤامرات، ورفضهم التام لهذا التقسيم، بل وإرادتهم الصلبة في حسم المعركة لصالح الثورة وتعقب الثورة المضادة حتى عقر دارها.

صفقة القرن وتسارع خطواتها

أما صفقة القرن والتي يراد فرضها على المنطقة لإنهاء القضية الفلسطينية، فقد تسارعت خطواتها، ولم تنتظر حتى ما بعد عطلة عيد الفطر، إذ اعلن عرابو الصفقة عن عقد مؤتمر اقتصادي في البحرين يومي 25 و26 من يونيو بهدف توفير المليارات المطلوبة لإنجاز المهمة، وهي مليارات ستدفعها بالأمر المباشر الدول الخليجية، لكن ما يثلج الصدور حتى الآن هو الموقف الفلسطيني الموحد ضدها، وكذا الموقف الأردني الرافض لهذه الصفقة وإغراءاتها المالية الكبيرة، وستكون هذ المؤامرة الجديدة على القضية الفلسطينية فرصة أخرى لمزيد من تعرية الحكام والأنظمة العربية المنبطحة، وكما كانت النكبة الأولى عام 1948 سببا لحدوث تغييرات سياسية كبيرة في المنطقة إذ إنطلقت على إثرها موجة من معارك التحرر من الإستعمار في مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر الخ فإن هذه المؤامرة الجديدة ستكون فاتحة لموجة جديدة من ردود الفعل الشعبية الكبرى للتخلص من هؤلاء الحكام المنبطحين والذين أهدروا ثروات بلادهم الغنية في مغامرات لا هدف لها إلا إطالة بقائهم في السلطة.

يرتبط بصفقة القرن مباشرة تصاعد التوتر والتهديدات بالحرب بين أمريكا وإيران، وقد وصل التوتر إلى حافة الهاوية مع حشد القوات والأساطيل الأمريكية إلى مياه الخليج، ومع تصاعد ضربات أذرع طهران اليمنية (الحوثيين) للمنشآت السعودية والإماراتية بالطائرات المسيرة، ولكن رغم الوصول إلى هذا المستوى (حافة الهاوية) ورغم الضغوط المتواصلة السعودية على ترامب لشن الحرب إلا أن فرص اندلاع الحرب تتراجع في ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب التي يدعو فيها إيران للتفاهم مع إدارته، وفي هذه الحالة ستبدو القمم الإسلامية والعربية والخليجية التي دعت لها السعودية نهاية هذا الشهر هي مجرد مظاهرات سياسية لإسناد الموقف السعودي، في الوقت نفسه سيستغل ترامب كل هذا التوتر لمزيد من الإبتزاز والحلب للسعودية والإمارات وبقية دول الخليج، وخلال أشهر قليلة ستنقشع الأزمة، وسينشغل ترامب بالاستعداد لحملته الانتخابية وهذا ما يجرنا للتطور الأكثر أهمية مع نهايات العام 2010 وهو الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يسعى ترامب للفوز بدورتها الجديدة بينما لن يفوت الديمقراطيون الفرصة للتخلص منه، وهو ما سيفجر تغييرات كبرى في العالم وفي المنطقة حال حدوثه، والاستعداد لهذه الانتخابات يستغرق عاما كاملا على الأقل قبل إجرائها، وهو ما ينعكس على سياسات ترامب في منطقتنا.

تنتظر المنطقة كلها عاما صعبا من الناحية السياسية (وفقا لتداعيات التوترات السياسية والعسكرية) ومن الناحية الاقتصادية (مع تصاعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين ومع استنزاف أموال دول الخليج العربي)، وستنعكس نتائج هذه التوترات والمعارك على مصير مساعي التغيير الديمقراطي في مصر وغيرها من الدول، ولكنها لن تؤتي أكلها بدون حراك داخلي يواكبها، ويوظفها لصالحه كما كان يحدث إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي (حلفي وارسو والناتو) منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان