رسائل أرطغرل وقوة الفن الناعمة

فلن أقارن بين الفن التركي والعربي بشكل عام، أو بين ” قيامة أرطغرل ” والمسلسلات المصرية أو العربية المقدمة في شهر العبادة.
اهتمام شبه عالمي حظي به المسلسل التركي التاريخي قيامة أرطغرل، في الوقت الذي لم ينل عمل فني بهذا الحجم لهذا الكم من الهجوم والنقد والاتهام في الإعلام المصري على وجه الخصوص ..
وتحول العمل الفني المتميز الذي تمتع بأعلى نسبة مشاهدة ليصل للخامس عالميا، ومتابعة أكثر من ثلاثة مليارات متابع، ويعرض في 85 دولة بشكل رسمي، وفي الوقت الذي يعتمد فيه العالم على كل مستوياته السياسية على القوة الفنية الناعمة في توصيل بعض الرسائل للآخر ، نجد أن النظام المصري يوجه آلته الإعلامية بشكل غير مسبوق للتشكيك في الحقائق التاريخية الواردة في المسلسل المعني ..
وبصرف النظر عن إضافة الكثير من مشاهد الأكشن -واللازمة غالبا- لأي عمل فني لاجتذاب الفئات المختلفة لمشاهدته، خاصة فئة الشباب وصغار السن، وهم ما نجح العمل الكبير بالفعل فيه، فقد صارت نغمة تتر المسلسل هي النغمة المحببة للهواتف الجوالة لكثير من الشباب الذين لا ينتمون للحركة الإسلامية فضلا عن المنتمين لها.
وصارت بعض الجمل والمفردات المترددة على ألسنة أبطاله، كذلك صور هؤلاء الفنانين تزين حسابات المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الجانب الآخر نجد تراجعا ملحوظا في الإقبال على الدراما العربية، خاصة الفن المصري الذي كان سمتا للتليفزيون العربي في شهر رمضان، إذ يعاني من تسييس المادة المقدمة بشكل مبالغ فيه مما نتج عنه إعراض المشاهد والمتابع العربي لكافة المسلسلات المقدمة بشكل ملحوظ ، أيضا فإن المتابع لهذا الفن يجد إسفافا وانحطاطا أخلاقيا ، وسطحية في التعاطي تتناسب وتوازي الوقع المعاش في تلك البقعة من العالم ، وكأنه تصديق للقول بأن الفن هو انعكاس للواقع وتعبير دقيق عنه ، وذاكرة مرئية تعبر عن حالة تمر بها الأمة بصدق.
وحتى نكون منصفين فلن أقارن بين الفن التركي والعربي بشكل عام، أو بين ” قيامة أرطغرل ” والمسلسلات المصرية أو العربية المقدمة في شهر العبادة، وإنما سأقدم مقارنة بسيطة وسريعة بين الرسائل التربوية الموجهة بين الفن العربي التاريخي كالفيلم المصري ” الناصر صلاح الدين على سبيل المثال والفن التركي متمثلا في ” قيامة أرطغرل ” لنجد أن المغالطات التاريخية في الدراما المصرية متعمدة لدرجة أنها تقوم بتغيير الحقائق الثابتة ..
فصلاح الدين الأيوبي الكردي لم يكن ملكا للعرب، وعيسى الغواص ثبت تاريخيا أنه جندي مسلم، وريتشارد قلب الأسد لم يكن ملكا عظيما محبا للسلام، محبا للدين، محبا للمقدسات، وإنما كان صليبيا مجرما قاتلا، والعلاقة بين الرجل والمرأة لم تكن مشاعا للعلاقات غير الشرعية، وإنما كان جيش المسلمين جيشا ربانيا يتميز بمكارم الأخلاق علاوة على قوة العقيدة وقوة العبادة ..
لم يستطع الفيلم المصري أن يعرض الحقائق التاريخية مجردة لاعتبارات كثيرة منها مثلا أن مخرج الفيلم نفسه ليس مسلما، بل وساهم في تشويه التاريخ الإسلامي متعمدا ، مما انبني عليه جملة من الرسائل التربوية السلبية لدى الشباب، علاوة على تزييف التاريخ ..
وعلى الجانب الآخر نجد أن في كل حلقة من حلقات “قيامة أرطغرل” مجموعة من الرسائل الموجهة لكل الأطراف، سواء القائمين على العملية التربوية، أو الحكام، أو قادة التغيير في أي مجتمع، أو الشباب الذي يتأثر بقصص البطولة والمتعطش لها، أو قادة الحركة الإسلامية الذين ينزعون في تصوراتهم وتحركاتهم إما للعنف المطلق، أو السلمية المفرطة ، أو السكون القاتل.
حمل المسلسل باقة غنية من الأحداث الدرامية التي تحمل دلالات تربوية دقيقة وعميقة ، فالإيمان وحده لا يغني عن القوة التي يجب أن يتحلى بها المسلم ، والقوة والإيمان لا يغنيان عن الشجاعة والإقدام وسرعة اتخاذ القرار خاصة مع الأحداث المتسارعة ، وكل هذه القيم لا تغني عن صاحبها شيئا ما لم يتحل بالذكاء وسرعة البديهة والفطنة والتعامل مع العدو القوي الماكر ..
قدم المسلسل كافة الأطياف التي من خلالها يمكن أن يقام مجتمع ناجح قوي يخشى جانبه ويحترم من قبل أصدقائه، ويهاب من أعدائه، الشيخ الحريص علي تعليم النشء مبادئ الدين والقرآن والسيرة والسنة وتاريخ الصحابة وبطولاتهم ورقائق نبيهم، الطبيب الحاذق الذي يستعين بالله أولا ثم بالعلم ثانيا ..
المرأة المشاركة في دقائق الدولة، حاملة للسيف كالرجل، تحسن استخدامه وقت الحاجة دون عجرفة ودون خروج عن طبيعتها كأنثى وأم وزوجة ومجاهدة وواعية بتاريخ بلادها ، القيادة الراشدة الحازمة التي لا تحابي الصاحب أو الحبيب على حساب الدولة ومصلحة المجتمع ، الجندية المطيعة الواعية ..
حقيقة لقد نجح هذا العمل الفني الضخم في توصيل رسالته التربوية على أفضل ما يكون بالرغم من أن التاريخ الإسلامي يحمل بطولات أعظم مما قدمت في هذا العمل إلا أنه حتى الآن يعد هو الأفضل فنيا على الإطلاق، ولذلك ربما لاقى هذا الكم من الهجوم المصري من إعلام الانقلاب .
باستعراض تاريخ الدراما في كل قطر: عربيا أو غربيا نجد أن لكل مرحلة سمة وطبيعة في طريقة تقديمها لواقعها عبر عمل فني ما، ففي فترات الحروب تختلف الأعمال المقدمة اختلافا جذريا عن مثيلتها في الظروف المعتادة، وفي فترات الانتصار سيختلف بالطبع عن فترات الهزيمة، وفي الأنظمة الشمولية سيقدم لونا يختلف جذريا عنه في الأنظمة الحرة ، وفي الدول الفقيرة سيختلف بالطبع عن المجتمعات الرأسمالية الغنية، لكنه في كل الحالات أصبح لا غنى عنه في أي مجتمع ..
بل لقد أصبحت اللغة المشتركة، والمعبر الناعم عن مدى قوة النظام أو ضعفه، وها هو الفن الأمريكي الذي سيطر على العالم لعشرات من السنوات يقدم رؤيته الأحادية في قضايا كبري حتى استطاعت فرنسا واليابان أن تدخلا في عالم الإنتاج الفني وتنافسا هوليود في مجال السينما ..
حتى أنه في السنوات الأخيرة لم يدرك الملايين أحداث الحرب العالمية وبشاعتها وما فعلته بالإنسانية إلا بعد تقديم سلسلة من الأفلام تتحدث عن بشاعة تلك الحرب والخسائر الإنسانية الفادحة، واستطاع الأمريكان أن يفرضوا ثقافة معينة خلال فترة طويلة إلى أن نافستها السنيما الفرنسية خوفا من الذوبان الثقافي لما يسمي بالعولمة للحفاظ على هويتها التاريخية.
وأما على الجانب العربي فقد كان الانحطاط الأخلاقي، وانتشار لثقافة كأس الخمر والسيجار للشاب المتحرر المتجدد المتغرب متعدد العلاقات النسائية هو محور الأعمال الفنية المصرية منذ ستينات القرن الماضي حين كان صلاح نصر وجهاز المخابرات يتحكم باختيار الفنانين ويجندهم للإيقاع بالمعارضين أو بالتجسس على الشركاء ..
ولم تفلح السينما المصرية إلا في تقديم عدد محدود جدا ربما يكون معدودا على الأصابع الواحدة من الأعمال التي يمكن أن تدخل في إطار المنافسة على أعمال جدية، وتم تسييس الفن بشكل كامل ليقدم رسائل هدم وإلهاء للمجتمع في ظل الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأنظمة الحاكمة المتعاقبة ..
وكلما فشل النظام أكثر في تحقيق مطالب الناس ، كلما ازداد الفن إسفافا وتجريحا لمشاعر الرقي والأخلاق ، وكلما زادت السطوة الأمنية وقويت شكيمة حكم العسكر ، كلما ازدادت المتاجرة بأجساد النساء باسم الفن ، في الوقت الذي خاصمت فيه الحركة الإسلامية الفن لفترات طويلة واكتفت بالإعراض عن متابعته، ولم تفكر في خوض ذلك المجال خوفا من الهجوم عليها من جانب بحجة التحريم، وعدم القدرة على تكاليف الإنتاج من جانب آخر ..
ومن جانب ثالث مثلت التضييقات الأمنية والملاحقات المستمرة لكوادرها حالة عزلة على معظم مستويات الإبداع الفكري والفني والأدبي ، ومن هنا كان الهجوم الشرس من الإعلام المصري على مسلسل كقيامة أرطغرل، ذلك العمل الذي استطاع رغم طول ساعات العرض أن يجمع حول شاشته كافة أفراد الأسرة، بكافة أطيافها، مستحضرة حالة العداء الكبير بين النظام الانقلابي وبين أردوغان كحاكم مسلم رفض الانقلاب منذ لحظاته الأولى ولم يعترف به حتى الآن ، فهل تلتقط الحركة الإسلامية تلك الرسائل الكبيرة لتكون بداية أعمال ضخمة على غرار الدراما التركية ، ستكون خطوة واسعة المدى إن استطاعت أن تتجاوزها وتخطوها فسترفع عنها الكثير من الحرج في توصيل رسائل لا تستطيع التعرض لها في خطب الخطباء ، أو حلقات الذكر والتربية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
