من دفتر الغربة حكايات الحزن!

لم يعد قلبه يحتمل، فهل يقرر المخاطرة بالعودة لوطن ينتظره فيه القهر، أم يتغلب على قلبه الذي يئن من بعده عن الحبيبة التي ما غاب عنها يوما؟
صحابي غربتهم مصر/ عن أزهارها المرة
فتاهوا في فيافي الحزن/ محزونين بالفطرة
ومصر يتيمة الضحكات/ تقطف زهرة الحسرة
1-المقطع السابق من قصيده طويلة للصديق المبدع الشاعر أحمد بخيت كتبها منذ سنوات، ربما كانت أثناء دراستنا الجامعية.
فهل كان أحمد يقرأ المستقبل، فيرى أنه سيأتي على مصر نظام وحاكم يدفع الأصحاب إلى الغربة نتيجة سياساته الاستبدادية وانتشار القمع والقتل والاعتقال والسجن وغلق كل نوافذ التغيير؟
هل كان يكتب حكايات المقاومين الذين غربتهم مصر في داخلها وداخلهم، أو في كل مكان في العالم فصاروا (يهود التيه)، كما في المقطع:
سنخرج دائما من مصر/ أصبحنا (يهود التيه)
لم يحلم أحمد بأمر صعب المنال، إذ كان طالبا في الجامعة يمارس نشاطا جامعيا، ويحلم أن يتخرج يوما ليعيش في وطن يحقق فيه العيش والحرية، ويشارك في احتفاليات تحيي القضية الفلسطينية ويغنى وأصدقاؤه حتى لا تنسى أمته قضيتها الرئيسية.
لم يحلم أن يكون قائدا ولا زعيما؛ بل كانت أحلامه عادية، وحينما هبت نسائم يناير خرج حالما بالحياة، وشارك في الثورة وفرح مع أبنائها برحيل مبارك، وشارك في تنظيف الميدان، وفي حملات زملائه بدهان أرصفة الشوارع في القاهرة وغيرها من المدن.
التقى ضباط الشرطة في الأحياء والميادين، وأكد لهم أننا شعب واحد وأنهم أخوة، ورفع معنوياتهم واحتضن جنود قواته المسلحة، وعندما بدأت مرحلة تبريد الثورة تحت رعاية المجلس العسكري ارتفع صوته: الجيش المصري بتاعنا والمجلس مش تبعنا.
استمر احمد في كل فعاليات الثورة المصرية من يناير حتى يونيو، وعندما بدأ لديه إحساس أن ثورته تسرق وحلمه يُغتال بعد ٣ من يوليو/تموز ٢٠١٣ لم يكن لديه استعداد أن يفرط فيه.
لم يصمت فقد تعود منذ يناير أن الثورة ثورة جيله، وتصور أنه بعد ثلاث سنوات في الميادين والشوارع أصبح من حقه أن يحقق حلمه بينما كان الطرف الثاني (المعروف بالثالث) يفكر أن يقضي على أحمد وجيله.
لم يكن يتخيل أنه لن يستطيع أن يرفع صوته معترضا وبدأت الأحداث تتوالى حيث الطرف الآخر (الثالث) لم يكن يريد إلا صوته فقط (ما تسمعوش كلام حد غيرى).
وبينما الحال هكذا، وفى إطار القضاء على يناير فكرة وجيلا، وجد أحمد نفسه متهما في قضية تظاهر، ولفقوا له تهمة من تلك التهم التي اعتادوا تلفيقها لكل من شارك في محاولة التغيير.
وكان على أحمد أن يختار بين السجن وبين الغربة، مثله مثل الآلاف الذين سافروا بحثا عن أمان أو بحثا عن طريق للمقاومة، وكانت رحلة الخروج صعبة استقرت به في بلاد بعيدة.
في كوريا كان المستقر أربع سنوات غاب عن الأصدقاء والأقارب والزملاء. غابت الأحلام والحقائق، ويوما بعد يوم يفقد جزءًا من قلبه؛ ما بين صديق يودع الحياة، وأخ يفارق، وهذه أخته ترحل بلا وداع لم يكن يتخيل أن يبتعد عن حضنها.
ها هو في التيه يفقدها، وترحل من دون نظرة وداع. لم يتبق في حياته سوى ست الحبايب أمه، لم يعد قادرا على التيه والغربة في بلاد حتى لغتها صعبة للغاية..
ولم يعد تواصله عبر الإنترنت كافيا له، فقد صار كل يوم يفقد جزءا من داخله، وبمرور الوقت زاد الصراع داخله، ومع ضياع الأحلام صار حلم أحمد أن يعود مهما كان ما يلاقيه.
أثناء تفكيره في العودة لم يفكر سوى في احتضان أمه، وتقبيل يديها حتى لو لدقائق، ثم يكون ما يكون.
صرخاته اليومية تدمي قلبه وقلب امه فهي تشتاق إليه؛ ولكن قدومه يعنى الكثير، ربما اختفاؤه قسريا، أو ربما محاكمته وسجنه طويلا، وحتى إن زارته سيكون عبر أسلاك لا تستطيع أن تحتضنه من خلالها.
البكاء ليلا في عشق الأمان
اعتادت الصغيرة أن تستيقظ ليلا وتخرج إلى ساحة الشقة التي تقطنها لتجد والداها مستيقظا يمارس عمله أحيانا أو يقرأ كتابا أو يتطلع إلى التليفزيون أو إلى جهازه المحمول.
تستيقظ الصغيرة لترمي نفسها في الحضن الآمن لها، ويلتقي قلبها الصغير قلب الأب، وحضنها حضنه، هو أمانها وحصنها الدائم، لم تكن هي بحاجة إلى حضن أبيها قدر حاجته هو إليه، وتنساب قطرات الدموع بين الأبنة وأبيها.
لكن الصغيرة لم تكن تدري أنها في أيام الشتات. لم تكن تدري أن من جاء إلى الحكم في وطنها مكلف بأن يكون المصريون في شتات وتيه.
كانت فقط تفرح لانتصار أبيها في معركة، وتحزن حينما تقترب منه فتجده مهموما أو حزينا، وتتناثر إليها كلمات تفهم منها الحال، ومن بينها دعواته للمشتتين أن يعودوا إلى ذويهم سالمين.
لم تكن تعرف أنها قد تصبح في يوم ما بعيدة عن حضن أبيها الدافئ، ولم يكن هو يعتقد أنه يوما ما سيكون من رجال التيه والغربة؛ فلم يكن يوما يستطيع أن ينام بعيدا عن منزله أو وحيدا في غرفه في بلاد لم يحلم أن يهبط أرضها.
ها هو الليل يأتي وبينهما مسافات طويلة ليس من السهل اجتيازها بسبب الظرف أو المسافات.
وها هي تدخل إلى غرفتها تحلم أن تخرج منها لتجد أبيها على كرسيه يمارس حياته كما تعودت لتحتضنه، وتذهب لتنام هادئة مطمئنة.
وعندما تدرك أنه ليس هناك تذوب قطعة من قلبها فتدمع عينها وتتساقط الدموع على وسادتها الصغيرة.
وعلى طرف بعيد يخرج هو حزينا من غرفته يبحث عن صوت يؤنسه أو شقاوة تقلقه أو دوشة تزعجه؛ فلا يجد! فتنساب دموعه على أوراقه فتلتقي دموعها عن بعد المسافات بين وسادة الصغيرة وأوراق أبيها.
اغتراب مبدع حالم
في زمن القهر والغربة واستبداد الرأي ومحنة المصريين.”ياللي سهرت الليالي يونسك صوتي/ متونسة بحس مين يا مصر في غيابي”.
التقيته في بداية التسعينيات وكان استثناء جميلا، كانت قراءته مثار إعجاب الكثيرين، في حين تبدو أفكاره غريبة أو سابقة لعصرها.
ورغم أن المساحة السياسة هي الغالبة في النقاش، فإن الفن كان جزءا دائما من الحوار. هو مفكر ثوري مذ عرفته، وأديب وشاعر وصحفي يحفظ ما لا يحفظه غيره من أشعار وأحداث، وقارئ متعمق في الأدب والرواية والتاريخ.
لم أتخيل يوما أن يرجو خيرا من السلطة الحاكمة بعد يوليو/تموز الحزين في ٢٠١٣، فالأمور كانت واضحة لدي، وكنت أعتقد أن ظنه الحسن بها مسألة وقت.
حاول أن يكون –مثل كثيرين ممن شاركوا في ٣٠ يونيو- مصباح ضوء في طريق أحلام المصريين، لكنهم لم يكونوا مدركين الجزء الخفي من السلطان الحاكم بأمره، ولا مساحة دهائه في خداع المصريين.
وفاض الكيل، وبعد سنوات اكتشف الحقيقة فكان من الطبيعي أن تنفجر ثورته محملة بأحلامه، وكان عليه الاختيار بين أن ينتقد على طريقة النبيل المناضل يحيي القزاز -المعتقل لدى النظام المصري منذ تسعة أشهر- فيعلن بكل قوة، ويكشف حقيقة خيانة أحلام الشعب على يد الحاكم الذي يريد أن يكون وحيدا أوحدا، أو يسعى إلى مساحة حرية يُعلن فيها آراءه ورؤيته فكان أن اختار الغربة فكانت اغترابا وتيها.
وغادر البلاد حاملا أحلامه لعله يجد متنفسا، رغم أنه لا يتنفس إلا في أحياء مصر الشعبية وخاصة حاراتها القديمة، وقراها على ضفاف النيل وبين زراعتها وحدائق البرتقال والمشمش في دلتاها؛ فكان طبيعيا بعد مرور أيام الغربة الاولى ومحاولة خلق مساحة لمقاومة الانهيار والاستبداد أن تعود روحه إلى أصلها.
صارت حالة الاغتراب ضاغطة على روحه وقلبه، وصارت أحلامه كوابيس في غربته إذ لم يعد قادرا على التحمل، فما يحمله من أحلام مدعمة بالإبداع والحس والشاعرية لا يمكن أن تحتمل بعدا.
ولكن ماذا يفعل إذا كان الاعتقال مصيره إن عاد، وهو ما يسمعه دوما من المحيطين به كلما أزاح عن صدره الهم، وقال: سأعود؟
لم يعد قلبه يحتمل، فهل يقرر المخاطرة بالعودة لوطن ينتظره فيه القهر، أم يتغلب على قلبه الذي يئن من بعده عن الحبيبة التي ما غاب عنها يوما، وما غاب حلم أبنائها عنه سنوات طويلة من عمره؟
وصار شعاره الذي يتردد داخله كل يوم وبصوت قوي: عايز أرجع مهما كان اللي ها يحصل، أعيدوني مهما كان الثمن فالموت هنا أو هناك، لا فرق.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
