مهرجان قمم سابقة التعليب!

ما قيمة اجتماع القمة إذا كان البيان الختامي مسبق الصياغة والإعداد؟ والاستغراب يزداد عندما تكون القمم طارئة، كما حدث في مكة المكرمة قبل ساعات، يومي 30 و 31 مايو، فقد احتضنت المدينة المقدسة قمة عربية عُقدت فجر أمس (الجمعة)، وقبلها بقليل التئمت قمة خليجية، وبيانها كان سابق التجهيز، ولم يختلف الأمر مع القمة الثالثة، وهي إسلامية، لكنها عادية، وأنهت أعمالها ليل أمس.
هو مهرجان قمم سابقة التعليب، وبالتالي يكون توافد الحكام، ورؤساء الوفود من أجل اللقاءات الشخصية، والمصافحات والعناق، والتقاط الصور التذكارية، وأداء العمرة في السابع والعشرين من شهر رمضان، ويترسخ في الأذهان أن ليلة هذا اليوم هي ليلة القدر المباركة.
هناك هدف سياسي آخر، وهو أن تبدو السعودية محاطة ومحمية بهذا العدد الكبير من البلدان الخليجية والعربية والإسلامية، فتكون رسالة قلق لـ إيران، ورسالة للمجتمع الدولي بأنها في موقع قيادة للعالمين العربي والإسلامي، ورسالة لأمريكا بالقدرة على حشد هذه العواصم وراء الهدف المطلوب فلا يكون ترمب في حرج عندما يُصّعد ويضغط على طهران، بل سيبدو متكئاً على موقف رسمي واسع من جيران ودوائر ومحيطات إيران نفسها.
القمم تُعقد ليتحاور القادة ويتفقون على قضايا ويختلفون حول أخرى، ثم يصلون إلى مساحة مشتركة من التوافق، وليس أن يكونوا مختلفين في جوهر القضايا، ثم يصدرون بيانات عكس هذا الواقع، وتظل قراراتها وتوصياتها حبراً على ورق، وهذا يجعل الشعوب العربية والإسلامية لا تسترد الثقة في مؤسستي القمة العربية والإسلامية، وأما مجلس التعاون الخليجي الذي كان مثار إعجاب فقد انتكب أيضاً بعد الأزمة الخليجية.
بدأت القمة الخليجية بجلسة مفتوحة قصيرة، فجلسة مغلقة لم تطل كثيراً، ثم إعلان بيان بشأنها، واقتصرت القمة العربية على جلسة واحدة مفتوحة، وفي ختامها تلا الأمين العام للجامعة العربية بيانها الختامي الذي اعترضت عليه العراق لأنها لم تشارك في صياغته ما يعني أن هناك من انفرد بكتابة البيان دون مشاركة كل الأعضاء.
والبيانان الخليجي والعربي موجهان لإيران بالأساس، وينددان بسياستها وتدخلاتها في شؤون دول المنطقة وسعيها لامتلاك قدرات نووية، ويدينان استهداف ناقلات السفن قبالة سواحل الإمارات، وقصف مضخات النفط في السعودية، ويلمحان لمسؤولية إيران في العملية الأولى، ويتحدثان صراحة عن دعمها لجماعة الحوثي التي نفذت العملية الثانية، فضلاً عن ربط إيران بدعم التطرف والإرهاب، ووصف الحوثي بأنه جماعة إرهابية رغم أنه يتفاوض مع الحكومة الشرعية في اليمن برعاية الأمم المتحدة ورضا العالم ومنها أمريكا والسعودية والإمارات.
في الدعوة للقمم لم يكن هناك إشارة إلى إيران بالإسم الصريح، إنما الهدف هو بحث الأمن الخليجي والعربي، واستهدافات السعودية والإمارات، لكن كان مفهوماً، ومن سياق التصعيد الأمريكي الإيراني الحالي، والسعودية طرف أساسي فيه، أن المملكة تصوب على إيران بالقمم الطارئة لتضيف حلقة أخرى في سلسلة الضغوط عليها، وحصارها وعزلها خليجياً وعربياً وإسلامياً، وإظهارها كدولة منبوذة في حواضنها، وهذا يعتبر خدمة للأمريكي في اشتباكه مع الإيراني لترهيبه ودفعه إلى طاولة التفاوض لعقد اتفاقات جديدة نووية وصاروخية ..
هذا ما يريده ترمب لطمأنة إسرائيل أولاً، ولتقديم بعض الطمأنة للحلفاء في الخليج مقابل الأموال الضخمة التي يدفعونها له، إذ لا يعقل أنه بعد كل هذا الحلب ألا يفعل شيئاً لهم بمواجهة إيران، ولو من باب التهديد، وهذا الشيء لن يكون حرباً، فهو وأركان إدارته يؤكدون يومياً بأنهم لا يسعون للحرب، إنما الحوار، وفي يوم القمم أعادت تصريحات ترامب التأكيد على استبعاد خيار الحرب، أو تغيير النظام، إنما تعديل سلوك النظام، والتفاوض، وحتى جون بولتون مستشار الأمن القومي وأحد صقور إدارة ترمب وداعية الحرب بدأ يخفف من لهجته التحريضية.
الرئيس الأمريكي يخشى الحرب، وهناك عقلاء في وزارة الدفاع يدركون تداعياتها وكوارثها، وأن الدمار سيكون شاملاً، ويعلمون أن إيران ليست خصماً سهلاً رغم أن قدراتها أقل كثيراً من قدرات أمريكا، وليس من مصلحة ترامب الساعي لرئاسة ثانية التورط في محرقة بالخليج، خاصة وأنه جاء لينهي الحروب، لا أن يفجرها.
نسأل: هل البيانات سابقة التجهيز تعكس موقفاً عاماً موحداً وصلباً ضد إيران؟. وهل هذه العواصم تدعم مثلاً ضربة أمريكية استناداً إلى البيانات الخارجة عن هذه القمم؟!
أعتقد أن البيانات شيء، والمواقف الحقيقية للعواصم شيء آخر، فالبيانات حلقة في سلاسل الشجب والاستنكار المعتادة ولا جديد فيها، وهي ترضية للسعودية، والتخفف من ضغوطها على الحكومات لتقف معها وتتبنى سياستها تجاه إيران، والمملكة اعتادات ألا تواجه مباشرة أو منفردة في مختلف الملفات أو الأزمات في المنطقة، فهي دوماً تستدعي من يتصدر ويواجه نيابة عنها ..
وفي الاشتباك مع إيران تقوم بهذا الحشد عبر قمم لإنتاج عنوان رئيس للعالم بأن العرب والمسلمين المجالات الحيوية لإيران يرفضون سياساتها وتدخلاتها وتوسيع نفوذها وهيمنتها وإثارتها للتوتر وتهديدها للاستقرار وأمن الطاقة العالمي، كما سبق وتم صنع نفس الرسالة تقريباً في مهرجان قمم سابق بالرياض في مايو/أيار 2017.
وضمن أهداف بيانات القمم بيع العواصم المشاركة مواقف سياسية للأمريكي الذي قد يكون له دور من وراء الستار في عقدها لمساعدته في تكثيف الضغوط على إيران وتصدير فكرة أن عسكرته لمياه الخليج يستند على طلب من جيرانها ومن المنظومة العربية لردعها وجعل المنفذ الوحيد أمامها لفك الحصار والعزلة أن توافق على اللقاء الذي يتشوق له ترامب.
في القمة الخليجية لم نسمع غير كلمة واحدة للعاهل السعودي هاجم فيها إيران بالإسم، وهذا طبيعي، فالصراع محتدم بين البلدين، وفي القمة العربية قيلت كلمات عديدة، والوحيدة التي هاجمت إيران صراحة هي كلمة العاهل السعودي أيضاً، بينما الكلمات الأخرى لم تذكر اسم إيران ولم تستهدفها مباشرة.
كل الكلمات دافعت عن الأمن القومي العربي، وفي القلب منه أمن دول الخليج، وأدانت ضرب الناقلات في مياه الإمارات، وقصف مضخات النفط في السعودية، وطالبت بالتكاتف في مواجهة مهددات الأمن العربي، وكل هذه المعاني طبيعية وعادية، فالقمة عنوانها أمني بالأساس، لكن لم يوجه أي متحدث كلمة نقد لإيران باسمها الصريح، بل كانت هناك دعوات للتهدئة وعدم التصعيد وحسن الجوار والحوار، وهذا يعني أن العواصم العربية ليست مع نقل الأزمة من السياسي إلى العسكري.
العرب قد يتجاوبون مع السعودية ويرفضون أي تهديد لها أو تدخل في شؤونها وشؤون دول الخليج، لكنهم لا يوافقون على اشتعال الحرب واصطفافهم فيها إدراكاً بأنه لا ناقة لهم ولا جمل من ورائها، ولأن الأمريكي بقدر ما قد يتعرض لخسائر فيها فإنه سيجني وحده مكاسب ضخمة من مواصلة السحب من الخزائن الخليجية، إضافة إلى أن كل بلد يواجه شدائد وأزمات داخلية صعبة، وهناك من تمزقه حروبه الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية.
يسترعي الانتباه إلى أنه في إطار الدائرة الخليجية الضيقة المعنية مباشرة بالعلاقة مع إيران سلباً أو إيجاباً هناك ثلاث دول يمكن القول إنها ضد التصعيد والتأزيم وهي عُمان والكويت وقطر، مقابل ثلاث دول أخرى مع التصعيد، لكنها ليست مع الحرب، فالسعودية تكرر أنها لا تريد الحرب، والإمارات والبحرين لا طاقة لهم بأجواء الأزمة، فما بالنا بلهيب الحرب عليهما، وهما يصطفان إلى جانب الرياض في الاشتباك الكلامي فقط مع إيران.
إذا كان هذا هو الوضع في الدائرة الخليجية، فمن المؤكد أن المواقف في بقية الدول العربية لن تكون عدائية مع إيران، ولن تستسيغ الحرب مطلقاً، ولا أدل على ذلك من كلمات القادة الذين نأوا عن استدعاء اسمها في عبارات هجومية صريحة، بل العراق كان حاسماً في اعتراضه على البيان الختامي بسبب التنديد بإيران، فالعلاقات بين البلدين وثيقة ومتشابكة في ملفات كثيرة.
ومجمل الدول العربية لا تجد لها مصلحة في توسيع الشقة مع إيران، لكنها مع عدم المس بالأمن الخليجي والعربي، وهذا منطقي، وهي مع حل الأزمة بالحوار، ولعل الاقتراح الإيراني الأخير بعقد معاهدة عدم اعتداء بينها وبين دول الجوار خطوة يمكن استثمارها للبناء عليها لتخفيف اشتعال اللهيب، ومسار التهدئة سيقود إلى تفاهم أمريكي إيراني يثمر عن حوار واتفاقات نووية وصاروخية جديدة تطفئ اللهيب عن آخره، وتنزع الفتيل من أيدي ترامب وإدارته، وهو يستثمره لمواصلة الحلب مستفيداً من الفزاعة الإيرانية، هذا إذا كان راغباً حقاً في الحل والتوصل لاتفاقات وإنهاء التوتر واستعادة الهدوء والسلم والاستقرار في المنطقة.
لماذا لا تضعه طهران أمام هذا الاختبار، طالما هي أصلا عقدت اتفاقاً نووياً مع سلفه أوباما وتؤكد عدم نيتها تصنيع قنبلة نووية، وطالما تريد عقد اتفاق عدم اعتداء مع بلدان الخليج، وتشدد على أن منظومتها الصاروخية لا تستهدف جيرانها، ولا أوربا، وبالطبع لن تمس إسرائيل عملياً، فماذا سيضيرها لو قيدت هذا السلاح، وعادت دولة طبيعية، وعالجت مساوئها الكثيرة، وتخلت عن مخططاتها الخبيثة، وضيقت حلقة الاختبار على ترامب وصقوره ليتبين هل هو مع السلام فعلاً، أم هدفه الشرير الاستثمار المفتوح للورقة الإيرانية الثمينة؟!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
