فض اعتصام السودان: قبح العسكر وبشرى للنصر

كان تخلي الفريق عبدالرحمن سوار الذهب عن السلطة في السودان إلى حكومة مدنية منتخبة بعد عام بالتمام من تسلمه تلك السلطة عقب انتفاضة الشعب السوداني في أبريل ١٩٨٥، وتنفيذا لوعده للشعب السوداني حدثا استثنائيا في تاريخ العسكر بالعصر الحديث .. فلم يظهر موقف مشابه سوى موقف الفريق رشيد عمار رئيس أركان الجيش التونسي في ثوره الياسمين التونسية حينما أعلن أن الجيش خارج الصراع على السلطة، وكان له دور كبير في إزاحة نظام زين العابدين بن علي، وانتصار الثورة التونسية، ولم يطمع في السلطة، وترك تونس للتفاعلات المدنية.
لم يكن الموقفان سوى استثناء يؤكد القاعدة، وهي تمسك العسكر بالسلطة مهما كان الثمن من دماء الشعوب وخاصة الشعوب العربية التي تجلت بعد ثورات الربيع العربي في مصر واليمن وسوريا وليبيا.
جاءت فاجعة فض اعتصام القيادة العامة في السودان صبيحة آخر أيام شهر رمضان الكريم والتي راح ضحيتها أكثر من ١٠٠ شهيد من الثوار في السودان لتؤكد صعوبة تخلي المجلس العسكري السوداني عن الحكم، وخاصة بعد زيارة رئيس المجلس عبدالفتاح برهان للرياض وحضوره القمه العربية، والقمة الإسلامية ممثلا للسودان ..
وجاء ذلك بعد محادثات مع رئيس النظام في مصر عبدالفتاح السيسي، ومدير مخابراته عباس كامل، ثم عاد برهان ليأمر قوات الانتشار السريع بفض اعتصام الثوار منفذا نصائح رفاقه العسكريين الذين يحكمون مصر بالحديد والنار .
ونتج عن الفض مذبحة للثائرين منذ ١٩ ديسمبر 2018 دفعتهم إلى بدء عصيان مدني مفتوح حتى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تحظى بثقة الشعب، ومشاركة قوى الحرية والتغيير التي وحدت جزءا كبيرا من القوى السياسية بالسودان حتى بعض الفصائل التي كانت تحمل السلاح تخلت عنه وانضمت لها، وستصل حتما إلى النصر وربما تقود شعوبا أخرى إلى جولة أخرى من جولات الربيع العربي تستطيع أن تتحول فيها الدول إلى حكم مدني متخلصة من الحكم العسكري.
كانت القسوة التي شهدها فض الاعتصام عاملا حاسما في ازدياد قوة الثوار والتفاف الشعب السوداني حول قوى الحرية والتغيير التي أعلنت دعوتها للشعب للعودة إلى الميادين والاعتصام صبيحة يوم عيد الفطر، و إعلان عن عصيان مدني شامل بدأ من السبت الماضي، وتوقفت حركة الطيران في مطار الخرطوم، وفي خطوة يائسة وغبية أدخل النظام المصري نفسه في الصراع وأرسل مصريين ليقوموا بمهام في بعض المطارات والموانئ … إنه غباء العسكر وغياب السياسة!
وأضافت الثورة إلى قوتها قوة أخرى، إذ لاقت تعاطفا أفريقيًا ودوليًا، وجمد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، وحاولت الأمم المتحدة إصدار قرار لإعاقة الفيتو الروسي والصيني .. هكذا يدفع برهان ورفاقه ثمنا باهظا لسماعه نصائح الجيران وخاصة النظام المصري في التعامل مع شعبه المنتفض.
تصرفات السيسي ورجاله في مصر تعكس رعبا من اكتمال نجاح الثورة السودانية خوفا من امتداد الانتفاضة إلى شمال الوادي خاصة بعد أن تعلم المصريون الدرس جيدا ..
فقد شهدوا تسع سنوات من الكذب المتتالي من المجلس العسكري في مصر منذ أيام الثورة المصرية الأولى وحتى الآن، بداية من التحية العسكرية لشهداء الثورة التي قدمها الفنجري – قيل بعد٣٠ يونيو إنها كانت لتحية شهداء الشرطة- ومرورا بكل المباحثات التي أجراها المجلس بشأن تسليم السلطة بعد يناير، وانتهاء بخداع لكل قوى الثورة كل على حدة، إذ جذب الإخوان والسلفيين بعيدا عن الميدان في معركة التعديلات الدستورية في ١٩ مارس٢٠١١ (ما عرف باستفتاء الجنة والنار ) محدثا انقساما شديدا بين قوى الثورة ..
ثم عزز الانقسام بإصراره على الانتخابات أولا قبل كتابة الدستور الجديد ثم كانت انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر ٢٠١١ -حصل الإخوان وتحالفهم على نسبة ٦٧٪ من المقاعد- وما أعقبها من انتخابات رئاسية شهدت حوارات بين أعضاء المجلس العسكري وكل قوى الثورة المصرية لم يكشف عن أسرارها حتى الآن، وماذا كان عرض المجلس العسكري ومن قبل ومن رفض؟
ثم كان العام الذي حكم فيها الإخوان مصر وهو عام لم يكشف أيضا عن أسراره ( وقيل إن هناك وعودا قدمت لقوى مدنية قبل ٣٠ يونيو، وهي أسرار لم تعرف، قاد خلالها وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي محادثات غائبة عنا جميعا، وهو الرجل الذى أعلن عقب ٣٠ يونيو أنه: لن يترشح للرئاسة حتى لا يقال إن الجيش المصري تحرك لأغراض شخصية .. أو كما قال اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني الميداني : “لو لقيته حد ترقى إلى رتبة أعلى قولوا ده انقلاب”.
والواقع أن السيسي ترشح وأصبح رئيسا مخلفا وعده، وأن وصفي رُقي ثم اختفى من المشهد، وسيطر المجلس على مصر وسيطرت المؤسسة العسكرية على كل جوانب الحياة فيها من سياسة إلى اقتصاد إلى إعلام حتى وصل أخيرا إلى الدراما التليفزيونية محكمة سيطرتها على مصر بأسرها!
إن الميزة التي تحلى بها شعب السودان خلال ثورته، وافتقدها المصريون هو قدرته على الصمود والصبر والاستمرار؛ فالمصريون استعجلوا الراحة والعودة إلى ديارهم بعد ١٨ يوما فقط في ميادين الثورة بينما الشعب السوداني مستمر في انتفاضته منذ سبعة أشهر، ودخل في عصيان مدني مفتوح رغم محادثات رئيس الوزراء الإثيوبي مع القيادة المدنية وسلطة المجلس العسكري.
الإصرار والصمود من قوى السودان الثورية مستمر حتى تسليم السلطة والحصول على حكم مدني حقيقي لا يتلاعب به مجلس عسكري ولا وزير دفاع يطمع في السلطة ويخفى قناع الثعلب بين كلماته الرقيقة والمعسولة: “إنتو ما تعرفوش إنكم نور عينيا”، فهل تعلم المصريون الدرس؟! هل تعلموا من تضحيات شعب السودان؟! ربما كان هذا السر وراء قلق السيسي ورجاله في مصر وهو ما يفسر الدعم القوى للمجلس العسكري السوداني ورئيسه عبدالفتاح برهان.
الصدام العنيف الذي قام به العسكر في السودان كشف بوضوح الوجه الحقيقي للعسكر وسقوط هذا العدد من الضحايا أظهر كراهية شديدة للحرية والعدل لديهم، واستمرار الصمود سوف يؤدي إلى مزيد من الوضوح وسقوط الأقنعة ويخلع عن المجلس العسكري سواء في السودان أو مصر الوجه المخادع الذي يتخفى في ثياب الواعظين وكانت التجربة المصرية مثالا حيا له.
لقد خاض المجلس العسكري في مصر معارك أقل عنفا شكلا منذ بداية الثورة المصرية حتى فض اعتصام رابعه العدوية والنهضة في ١٤ أغسطس ٢٠١٣، وهو الفض الذي استخدم فيه العنف الشديد والمفرط.
وبينما وجد العسكر في مصر ما اعتبره مبررات للفض صدقها بعض المصريين من بينها أنه اعتصام جماعة تريد أن تستأثر بالحكم، ويوجد سلاح بالاعتصام، وساعد في ذلك تصريحات على منصة رابعة كان أخطرها تصريح القيادي الإخوان محمد البلتاجي ( فك الله أسره ) من أن : اللحظة اللي هيرجع فيها مرسي للحكم ها يتوقف الضرب في سيناء).
وهو تصريح غير موفق إطلاقا حمل جماعة الإخوان كل ما يحدث في سيناء حتى الآن، واستغل النظام مثل هذا التصريح ليعد رأيًا عاما مضادا للاعتصام في رابعة، ويؤكد على عنف الجماعة. كل هذا حول الفض إلى معركة انقسام في الشارع المصري فتعاطف بعضهم مع القوة التي استخدمت، ورفض آخرون العنف الشديد في الفض، وقد ساعد الانقسام نسبيا على تخطي العسكر والنظام للأزمة.
منذ بداية الثورة المصرية استخدم المجلس العسكري العنف ضد الثوار، لكن بطريقة ناعمة خبيثة مخادعة، وكان الإعلام سلاحا خطيرا فيها مهد لها الطريق لتمر بداية من الهجوم الذي تعرض له الميدان صبيحة جمعة التطهير والمحاكمة في ٨ أبريل ٢٠١١ والتي ظهر فيها ٢١ ضابطا من ضباط الجيش المصري متضامنين مع الشعب المصري وهم ما عرفوا ( بضباط ٨ أبريل) إذ اقتحمت الشرطة العسكرية وقوات المظلات الميدان فجر السبت ٩ أبريل وألقت القبض على الضباط، وفضت اعتصام الميدان وسقط شهداء..
ثم توالت الأحداث وكان الفض الثاني للميدان في أول أغسطس من نفس عام الثورة عن طريق الشرطة العسكرية وقوات المظلات في ثاني اشتباكات الجيش مع الثوار، وسقط شهداء آخرين ثم كان فض اعتصام أسر الشهداء والذي شهد سقوط شهيد وإلقاء جثته في مقلب قمامة.
لقد أجاد المجلس العسكري تبرير كل هذه الأحداث واستخدم الإعلام فيها عبر نشر شائعات بشأن الاعتصام، وكذلك الادعاء بأن الاعتصام يعطل الإنتاج والدعوة إلى ترك البلاد تبني، فقد سقط نظام مبارك وهيا اذهبوا إلى بيوتكم لنبني البلد حتى كانت مذبحة ماسبيرو في ٩ أكتوبر من نفس العام، وهي المعركة التي استخدمت فيها المدرعات لسحق الأقباط المعتصمين أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وكانت واحدة من معارك المجلس الكبيرة استخدم خلالها جزء من السلفيين وقوة أخرى في إحداث الانقسام بشأن الفض الثالث في تاريخ معارك المجلس العسكري بمصر قبل فض رابعة والنهضة.
كل هذه الأحداث لم تكشف بوضوح عن وجه المجلس الذي خرج في أحد المرات ليعلن (أن رصيدنا لديكم يسمح)، وإن كانت السنوات الخمس الأخيرة قد كشفت هذا الوجه بعد السيطرة التامة للمجلس على أنفاس الحياة في مصر.
أما فض اعتصام القيادة العامة بالسودان فقد كان أكثر وضوحا في كشف الوجوه سواء في مصر أو السودان.
يجيئ نجاح الثورات في كل بلاد العالم على قدر التضحيات التي يقدمها الثوار والشعب، وكلما ازدادت التضحيات ازداد الأمل في النصر، وهو ما قدمه الشعب السوداني حتى الآن في ثورته السلمية من شهداء في ليلة عيد الفطر المبارك، وأدمى قلوب المحبين والساعين للحرية والعدل والمساواة والقائمين من أجل حكم مدني رشيد في بلاد أضاع حاضرها حكم عسكري مستبد ظالم لا يقبل الحرية ولا الديمقراطية طريقا للحكم..
وقد يكون نصر الثورة السودانية القريب بإذن الله هو بداية لانتصار قوى ثورية أخرى في أرجاء الوطن العربي، وقد يبدأ المشروع الذي نحلم به إذ الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
