في رحاب الله أيها الشهيد

لم يمت مرسي بل ولد اليوم، لم تمت الثورة، بل وضعت بذرتها اليوم، إن كان الخلاف قبلا على شرعية الرئيس فقد أراحهم الرئيس واستراح وذهب إلى أحبته غير مقصر.
“منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا “.
في لقاء شمل الأخوات مع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وجواب على سؤال موجه لفضيلة المرشد إثر الأزمة الحادثة في البلاد على خلفية الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي والذي قام فيه بعزل نائب عام دولة مبارك والمشير طنطاوي وسامي عنان، وعن رد الفعل المجتمعي تجاه القرار قال لنا: أدعو لأخيكم مرسي، فقد وضع يده في عش الثعابين، لا ندري ماذا نقول له، أو بماذا ننصحه؟ لا نستطيع إلا أن ندعو له فالفساد أكبر مما نتخيله جميعا.
تلك هي جريمة الرئيس الحر محمد مرسي الذي تم قتله اليوم بالمحكمة أو قبلها أيا كان وكيف كان موته؟! تلك هي جريمة الرئيس مرسي: وضع يده في عش الثعابين، وجابه دولة العسكر وقضى عمره في محاربة فسادها بداية من مجلس الشعب الذي ناب فيه عن الشعب فلم يقصر ولم يخن ولم يتكسب ولم يهن ولم يخن ولم يداهن ولم يخضع لضغوط من أي جهة ولو كانت تهديده بأبنائه والذين تم اعتقال أحدهم أثناء عضويته لمجلس الشعب.
تلك هي جريمة مرسي حين حكم البلاد لمدة عام لم يمكّن فيها من الحكم، وتخلت عنه كل القوى، وسلمته للدولة العميقة ودولة مبارك، وسلمته للعسكريين الذين تآمروا عليه مع كل من دفع لهم ثمن الخيانة كأول رئيس منتخب بعد الثورة، حين لم ينطق اسم دولة اسرائيل مرة ولو على سبيل الخطأ.
تلك هي جريمة مرسي الذي قرر أن تتبوأ مصر مكانتها التي تليق بها بين العرب وعلى مستوي العالم فأعلن أن مصر يجب أن تكتفي ذاتيا من غذائها، ودوائها، وسلاحها.
تلك هي جريمة مرسي، وهؤلاء هم الثعابين الذين وضع يده في عشهم، حين قرر أن تكون ميزانية الجيش معلومة للدولة، وتناقش على يد ممثلي الشعب الذين اختارهم بإرادة حرة، وبكرامة لا انحناء بعدها.
تلك هي جريمة مرسي الذي أعلن أن غزة لن تكون وحدها، والذي لبى نداء سوريا ليكون الرئيس الوحيد عالميا الذي يعلن أن: لبيك يا سوريا.
لم تكن جريمة مرسي الفساد، والذي اجتمعت أجهزة الدولة مجتمعة، بكل أطرافها الأمنية أن تثبت عليه قضية فساد واحدة، أو حتى اتصالا تليفونيا واحدا ينل منه كأخلص وأطهر رئيس عرفته مصر عبر تاريخها.
دخل الرئيس الراحل محمد مرسي قصر الرئاسة بالاتحادية وخرج منه طاهر اليد، ثابتا وقد كان يستطيع أن ينجو بنفسه مقابل كلمة واحدة يعترف فيها بالنظام الانقلابي، أو يتنازل فيها عن شرعيته، ذلك الثبات الذي مثّل الإشكالية الكبرى في سبيل شرعنة نظام الانقلاب الحاكم ..
قد كان يستطيع وهو العالم القدير في علمه أن ينأى بنفسه عن كل ذلك بكلمة تنازل واحدة، أو ورقة يطلب فيها العفو ويهاجر بأبنائه ويعيش منعما في أي بلد يختاره، يكون قد أدى ما عليه ولن يلومه أحد، لكنه أبى إلا أن يدفع حياته كما قرر يوما: الشرعية ثمنها حياتي.
وقد كانت حياته الحافلة بالكفاح ثمنا للشرعية، وثمنا للرجولة، وثمنا للثبات، وثمنا للكرامة، وثمن ثورة دافع عنها للحظة الأخيرة من حياته فمات بطلا ليدخل التاريخ من أبوابه المضيئة.
صدق مرسي في مطلبه فصدقه الله، وقد أقسم ألا يخرج من سجنه قبل خروج البنات اللاتي كان يخشى عليهن، فحرره الله رغما عن الظالمين، لم يمت مرسي بل ولد اليوم، لم تمت الثورة، بل وضعت بذرتها اليوم، إن كان الخلاف قبلا على شرعية الرئيس فقد أراحهم الرئيس واستراح وذهب إلى أحبته غير مقصر، ومن لم يجتمع عليه حيا فقد اجتمع عليه ميتا، لقد اجتمع على حب هذا الرجل ما لم يجتمع لأحد قبله، ولم يوحد موت أحد صفوفا كما وحد موت مرسي من كان معه ومن اختلف.
وتضيف الطغمة العسكرية الحاكمة في يونيو جريمة جديدة إلى جرائمها .. لا نقول فيها إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وغدا تظهر حقائق قتله، وأوقن أنها معد لها منذ زمن وقد كانت حياته وهو سجين حائلا كبيرا بين مشروعاتهم الصهيونية، ظنا منهم أن مقتله سيقضي على آخر أمل للثوار، بينما به ستبدأ الثورة من جديد، إن نظاما يخشى جثة إنسان قتلوه لن يبقى طويلا، وشعب ذاق عدالة رئيس ثم ذاق الهوان من المنقلب عليه لن يصمت طويلا
رحم الله الرجل الصالح مرسي، رحم الله الرئيس العادل، الذي أحب بلاده كما لم يحبها أحد قبله، والذي تمسك بالسلمية رغم الظلم الذي لا يحتمله إلا مثله، ففي رحاب الله أيها الشهيد.
————
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
