في الليلة الظلماء يُفتقد الرئيس الشهيد

تأبى الأحداث والتطورات المؤلمة التي تشهدها مصر حاليا إلا أن تذكرنا بفضل الرئيس الشهيد محمد مرسي، ونصاعة السنة اليتيمة التي حكم فيها مصر، عاش خلالها المصريون أزهى معاني الحرية والديمقراطية بحق (وليس على طريقة الطغاة الذين تبجحوا من قبل عن أزهى عصور الديموقراطية في مصر في وقت كانت تشهد أسوأ عهود الاستبداد).
فجر أمس الثلاثاء ألقت قوات الأمن القبض على عدد من النشطاء السياسيين والصحفيين اليساريين والليبرالين المعروفين بدعوى عضويتهم في خلية إخوانية تستهدف ضرب الاقتصاد الوطني!!، من بين المعتقلين النائب البرلماني زياد العليمي والصحفيون اليساريون هشام فؤاد وحسام مؤنس ورجل الأعمل عمر الشنيطي وآخرون، وإذا كان من المستغرب اتهامهم بالانتماء للإخوان رغم شهرتهم السياسية كمناوئين للإخوان، فإن الأكثر استغرابا هو دفاع البعض عنهم بنفي انتمائهم للإخوان، وكأن الإنتماء للإخوان مبرر كاف للاعتقال والتعذيب ومصادرة الأموال.
ليس صحيحا ما ردده البعض لعبارة عودة “زوار الفجر” وكأن “زوار الفجر” اختفوا خلال السنوات الماضية، وهو ما يكشف مجددا أن من يرددون ذلك لم يكونوا يرون بل كانوا يبررون الاعتقالات التي لم تتوقف فجرا وظهرا وليلا وفي كل لحظة طيلة السنوات الست الماضية عقب انقلاب الثالث من يوليو2013، لتنطبق عليهم القاعدة المستدامة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
هي سنة يتيمة واحدة، تعرض خلالها مرسي ورجاله لقصف عنيف من قوى الثورة المضادة وبمشاركة قوية ممن يلحقون اليوم بمرسي ورجاله سواء إلى القبور أو إلى السجون، وعلى الرغم من ذلك القصف المركز طيلة العام ضد حكم مرسي إلا أنه لم يحبس سياسيا أو صحفيا، وحتى الحالة الوحيدة التي حكم فيها القضاء بحبس أحد الصحفيين (إسلام عفيفي رئيس التحرير الأسبق لجريدة الدستور ) تدخل الرئيس مرسي بما كان يملكه وقتها من سلطة إصدار تشريعات في غياب البرلمان ليصدر تعديلا قانونيا يمنع الحبس الاحتياطي في تهمة إهانة رئيس الجمهورية، وليطبق هذا التعديل على الفور بحيث لا يبيت الصحفي عفيفي في الحبس، ولا يحبس أحد بعده.
عدد كبير من رموز وكوادر 30 يونيو يقبعون الآن في السجون، أو هم مطاردون داخل مصر وخارجها شأنهم في ذلك شأن من تمردوا على حكمهم، ورغم أن نظام السيسي أنهى مبكرا شهر العسل معهم والذي استمر لمدة عام استعان بهم خلاله في تشكيل الحكومة وبعض المجالس القومية (المجلس القومي لحقوق الإنسان- المجلس الأعلى للصحافة- المجلس الأعلى للثقافة الخ)، وبدأ النظام التحرش بهذا الفريق تدريجيا بعد ذلك وصولا إلى اعتقال الرموز الكبرى وتجميد ممتلكات البعض، إلا أن جهود العمل المشترك بينهم وبين القوى الأخرى الرافضة للإنقلاب تحطمت على صخرة الرفض، والذي كشف أن روح العداء بين هذه القوى أكبر من عدائها للنظام الذي يقمعها جميعا، (يستثنى من ذلك قلة من تيارات مختلفة تجاوزا خلافات الماضي ويواصلون الجهد لبناء شراكة وطنية قادرة على إنقاذ الوطن والمواطن).
في السنة اليتيمة التي حكمها مرسي لم يكن أحد بحاجة إلى لقاءات سرية لتأسيس تحالف مثل تحالف الأمل الذي كان يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2024، والذي تمت الاعتقالات لإجهاضه مبكرا، وكان بوسع من يشاء أن يدعو لاجتماع عام تحضره كل وسائل الإعلام، يرتب فيها ما يشاء، ثم يكيل خلاله الاتهامات للرئيس وأنصاره وأصحابه وآل بيته ثم يعود إلى بيته آمنا.
في عام حكم مرسي كان التظاهر حرا دون أي عوائق، خرجت مظاهرات بهدف أو بدون هدف، وانتشرت ظاهرة الاعتصامات والإضرابات العمالية طلبا لتحقيق مطالب فئوية، بل ذهب بعض الشباب إلى المنزل الذي يسكن فيه (بالإيجار) محمد مرسي ليلقوا أمامه لفات برسيم في وضاعة وسفالة غير مسبوقة ومع ذلك لم يتعرض لهم أحد.
في عام مرسي عجت الجامعات بالحراك الطلابي والأكاديمي، انتخابات لاتحادات الطلاب، انتخابات لرؤساء وعمداء الكليات ورؤساء الأقسام بها، ندوات ومحاضرات للمؤيدين والمعارضين، معارض ومسابقات دون عوائق أو قيود.
في عام مرسي تبارت وسائل الإعلام في تقديم بضاعتها بكل حرية للقراء جذبا لهم، وتبارى الإعلاميون في تقديم مهاراتهم، وتجاوز الكثيرون منهم بحق الرئيس وأسرته ومساعديه، وكان ذلك مثار فخر وتمايز لهم ليظهروا به كمعارضين صناديد في وقت لم تكن المعارضة تكلف صاحبها أي ثمن، بل كانت تمنحه الشهور والمزيد من الأموال.
من تجربة شخصية بحكم موقعي في المجلس الأعلى للصحافة لم نرفض أي طلب لترخيص صحيفة، ورغم مبالغة البعض في طلب عدة تراخيص في وقت واحد( من خلال بعض الأحزاب) إلا أننا وافقنا على جميع الطلبات تطبيقا لمبدأ حرية إصدار الصحف، وفي بداية عملي في المجلس طالعت بين أوارق طلب الترخيص خطابا موجها إلى وزير الداخلية للاستعلام الأمني فقمت بتمزيقه علانية بينما كان الموظف المختص يرتعش أمامي بسبب ذلك ( وقد كان لواء ومسؤولا سابقا بالقضاء العسكري) وقد حاول الدفاع عن ذاك الخطاب لكنني أفهمته أن ثورة يناير قامت أساسا ضد هذا الخطاب وما يماثله من الإجراءات القمعية التي عانى منها الشعب كثيرا من قبل.
في عام مرسي نشطت الأحزاب السياسية وتمايزت، وتمكنت من عرض برامجها، والتقت بالجماهير دون إذن مسبق، وشكلت تحالفاتها في وضح النهار، وكان زعمائها يطوفون مصر طولا وعرضا، ويخرجون ويدخلون عبر مطاراتها وموانئها بكل تقدير وإعزاز، وفي عام مرسي كان رؤساء الأحزاب يذهبون إلى القصر الجمهوري بعزة نفس، ويناقشون الرئيس ندا لند، على عكس ما يجري حاليا لهذه الأحزاب وللنشطاء والذين لم تكن دفعة المعتقلين الأخيرة هي أول ولن تكون آخر الدفعات، فقد سبقها اعتقال شخصيات حزبية وسياسية كبرى مثل د.عبد المنعم أبو الفتوح ود .حازم عبد العظيم ود .يحيي القزاز ومعصوم مرزوق والمستشار هشام جنينة وأبو العلا ماضي وسعد الكتاتني، ورائد سلامة، وحسن حسين، وأحمد ماهر الخ الخ.
الفارق كبير بين حكم ديمقراطي حكم بإرادة الشعب بعد ثورة الشعب، فكان الأمين على تطبيق مبادئ تلك الثورة وعلى إرادة الشعب وطموحاته في العيش والحرية والعدالة والكرامة، وبين حكم عسكري حكم بقوة البارود في انقلاب عسكري فيخشى أي تحرك شعبي حتى لو كان مجرد استعداد لانتخابات ستجري بعد 4 سنوات، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
