بينما أنت تلهو.. يأتيكم الغلاء!

استطاع النظام المصري أن يدخل تحت الجلد ويتخلل داخل كينونة الشعب المصري، وغرس جنوده في الحارات الضيقة في أحياء مصر كلها وأن يجلس مخبروه على مقاهي وسط البلد، بل ويوزرعهم في أسواق الخضار والعتبة والحسين ليعرف كيف يُنهك الشعب جيدا.
اكتشف النظام من سنوات طويلة أهمية أن يجعل الشعب لاهثا وراء رغيف الخبز ليمرر كل سياساته الظالمة والفاسدة إلى الشعب المصري ثم أدرك أهمية استخدام أسلوب الإلهاء؛ لذا فقد شكل ودرب كوادر كثيرة، وفي أماكن متعددة ليستطيع أن يستدركنا جميعا إلى معارك الإلهاء بعيدا عن معاركنا الحقيقة.
في ماضٍ قريب، كان الشعب المصري يسخر من حكامه فيلقى نكاته الساخرة منهم ومن السياسات العامة للدولة، وتخرج النكات من قلب الأحياء والشوارع والمقاهي والأسواق إلى العلن منتقدة حالا أو قرارات حتى قيل إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يسأل بصفه دورية عن نكات الشعب..
وهناك كتاب أو أكثر عن النكتة السياسة للمصريين، ولعلنا نذكر المقولة الساخرة في موضوع المطار السري؛ فيُقال إن سائقي السيارات كانوا يقولون عندما يقتربون من المطار السري: حد نازل المطار السري في إشارة ساخرة لكونه ليس سريا بل يعرفه العامة.
كانت النكتة تخرج من العامة لتنتقد النظام وسياساته، أما الآن ومنذ نحو عشر سنوات أصبحت السلطة هي من تطلق النكات، وإن لم تجد نكاتا تخرج علينا بحدث مضحك، ثم تأخذنا من حدث إلى آخر بينما تصدر هي قرارات مؤلمة تصب في مصلحة الوطن (كما يدعى وزراء مصر).
خرج علينا النظام خلال الأيام الماضية بعدد من الأحداث الساخرة أو قل نكاتا سياسة في عملية إلهاء كبيرة جدا تتناسب وحجم قراراته الاقتصادية المؤلمة؛ فلكل عملية إلهاء قرار اقتصادي أو سيأسى.
أحدث ملهاة حدثت للشعب كانت مع: مؤتمر مواجهة الفساد في أفريقيا في شرم الشيخ إذ حضره حبيب العادلي وزير داخلية مبارك بعد حكم براءته من تهمة استغلال النفوذ، وقضية فساد الداخلية والمتهم فيها مع ١٦ قيادة من الوزارة، وبعد أن قضى ٣ سنوات محبوسا في قضية السخرة لمجندي الداخلية، ورافقه في المؤتمر محمد فودة المحكوم عليه في قضية رشوة وفساد قضى عقوبتها في السجن، وخرج أخيرا ليواجه الفساد..
أليست هذه ملهاة كوميدية كبيرة، والحقيقة أن النخبة (الطليعة والشباب) لم يتوانوا في التقاط الملهاة ليتحول المؤتمر على لسانهم إلى مؤتمر الفساد والفاسدين والمفسدين..
إنها ملهاه مقصودة من النظام بل مفتعله وناتجة عن دراسة جيدة لما وصل إليه حالنا..
فبينما الشعب في ملهاته تصدر قرارات تنفيذ المرحلة الأخيرة من شروط صندوق النقد الدولي للحصول على الجزء الأخير من القرض المصري؛ فيرفع النظام الدعم عن الوقود والمحروقات بنسب تراوحت بين ٣٥ -٤٥ ٪، وتبدأ وزارة الكهرباء في رفع أسعار الكهرباء لتهبط شريحة جديدة من المصريين إلى تحت خط الفقر؛ إذ كان آخر تقرير قد أشار إلى أن ٦٠٪ من المصريين تحت خط الفقر قبل هذه القرارات، أما النسبة الجديدة فنحن في انتظارها وستكشفها الأيام المقبلة.
هل يتعمد رئيس الجمهورية في مصر أن يقدم لنا ماده ساخرة بين الحين والآخر؟ وما هي الصورة التي يريد أن يصدرها للشعب؟
وحقيقة أنا مثل النائب أحمد الطنطاوي عضو مجلس النواب لا أحب السيسي، ولا أثق في سياساته، ولا أثق فيه شخصيا ولا في قراراته؛ لذا فإنني أرى ما يقدمه السيسي أحيانا من صور شخصية له أو كلمات بحاجة إلى دراسة، ولكنني أعزو ما يقدمه إلى مسألة الالهاء التي يتعمدها النظام.
تذكر معي أول صور له والذي بدأ فيها كأنه ممثل عاطفي، أو مطرب عاطفي وكانت مرحله بدائية لديه، ثم تطور الأمر إلى مرحلة العجلة وسباقات ما بعد الفجر واللقاءات التلقائية مع الناس، وكان آخرها سائقة الميكروباص في العاصمة الإدارية!!! ثم تذكر هذه الجملة وما فيها من مادة ساخرة:
“احنا كنا كده … وبقينا كده.. وعشان نبقى كده … لازم نعمل كده”، والتي أدعوك –عزيزي القارئ- لمشاهدتها، وهي الجملة التي لاقت سخرية شديدة من الناس..
فهل يتعمد السيسي ذلك؟ أنا أظن أنه يتعمد ذلك ويتعمد إغراق الناس في السخرية حتى منه.. فما دام يحقق غايته فلا تضر السخرية منه.
ومنذ يومين خرج علينا السيسي مرتديا تيشيرت وبنطلونا واضعا التيشيرت داخل البنطلون في مشهد يذكر البعض بفناني الكوميديا، وبدا المشهد كوميديا داخل معسكر المنتخب الوطني المصري الذي يستعد لبطولة كاس الأمم الأفريقية.
نعم هي مسخره كوميدية؛ ولكن هل شعرنا نحن الساخرين بقرارات زيادة أسعار تذاكر المترو التي بدأ العمل بها منذ يومين، وهي الزيادة التي تدفع بتذكرة المترو إلى عشرة جنيهات، وتعنى زيادة سعره التذكرة من جنيه واحد إلى عشرة كاملة بنسبه زيادة ١٠٠٠٪ خلال ثلاث سنوات، وما يتبع ذلك من أعباء على الأسرة المصرية خاصة مع زيادة أسعار المواصلات الأخرى إثر قرارات رفع الدعم عن الوقود والكهرباء.. نعم سخر الناس من مؤتمر الفساد وبنطلون السيسي؛ لكن كم سندفع في مقابل السخرية؟!
تحولت السخرية من نقد للنظام إلى صنيعة النظام لإلهاء المصريين الذين غاصوا في صمت رهيب تجاه ما يحدث سياسا واقتصاديا، وقد زاد الصمت خلال الأيام القليلة الماضية وزادت معه كمية السخرية سواء من واقع مرير أو من وقائع مصنوعة من النظام الذي يتعمد أيضا تبريد الأحداث لامتصاص غضب الناس، إذ تبدأ القرارات بشائعة تخرج من النظام مسربة، ثم تتناولها وسائل إعلامه على أنها شائعة، ثم يخرج مسؤول لينفي ما يقال إنه شائعة!
بعد أيام من تناول الناس القرار والنقاش عن كونه شائعة أم لا يخرج القرار فجأة، ويحبذ النظام ليلة الجمعة إذ الإجازة الأسبوعية وصلاة الجمعة، ولا مانع من استخدام أئمة المساجد في تبريد الغضب، إضافة للانشغال بيومي الإجازة لتعود الحياة إلى طبيعتها ويتعايش الناس مع القرار وكأنه واقع منذ زمن.
وأعترف أن النظام برع في هذا السلوك “التبريدي”، ولا عجب فمن نجح في تبريد ثورة عظيمة هل يتعذر عليه تبريد قرار!
ومن أواخر ما تم تسريبه من أخبار -قيل إنها شائعة- كان أولها قرار بيع محطات الكهرباء التي أنشأتها الدولة بالشراكة مع شركة سيمنز الألمانية (الشعب لا يعرف بنود الشراكة)، لكنها الآن معروضه للبيع نعم إنهم يبيعون مرفقا حيويا ومهما لشركة أجنبية (لا نعرف جنسيتها بعد) ..
ويتواكب هذا مع تصريح لأحد الوزراء عن إسناد إدارة مؤسسات الدولة إلى إدارات وشركات أجنبية، وهكذا يعود الأجانب لإدارة مصر كما كانوا قبل مشروع تمصير الإدارة منتصف القرن العشرين.
وفى نفس التوقيت – وياللعجب- يصدر قرار من مجلس النواب ببيع الجنسية المصرية برسوم قدرها المجلس بعشرة آلاف دولار، وكان التصريح الكوميدي لوكيل لجنه الأمن القومي بالمجلس اللواء العسكري السابق!: إن قرار التجنيس يصب في مصلحة الأمن القومي”!!
أي أمن يتحدث عنه اللواء السابق!!! والقرار قد يفتح الباب لتجنيس جواسيس وعملاء!
إن هذا القرار يصب في مقولة غولدا مائير رئيس وزراء “الكيان الصهيوني” في السبعينيات: “بعد أربعين عاما سيحكم أبناء إسرائيل الوطن العربي”!!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
