لأجل هذا قتلوا مرسي

لم يكن السيسي وحده مسؤولا عن قتل أول رئيس مصري مدني منتخب بالانقلاب عليه أولا وزجه في السجن ومن ثم منع العلاج والدواء عنه بل شارك في قتله كل الذين سمح لهم بحكمته أن ينتقدوه.
لا تحتمل الديكتاتوريات التي أوجدتها الدول العظمى في الشرق الأوسط وجود عقول مفكرة يمكنها أن تصنع نهضة في البلاد التي تقع تحت سيطرتها.
الطغاة الذين يمثلون أذرع و “أذناب” تلك الدول يقومون بالمهمة بمنتهى الأمانة والجدية، وتعتبر تلك المهمة شرط الاستمرار في السلطة والاحتفاظ بها.
وعلى رأس تلك الدول الولايات المتحدة التي اشتهرت باستقطابها للعقول المفكرة والسيطرة على المخترعين وقتلهم إن رغبوا في الخروج عن سيطرتها. أمّا هؤلاء الذين يتمسحون بأذيالها فتقوم بإعدادهم للمهام الصعبة.
لم يكن الربيع العربي ضمن تصورات أمريكا ولا مخططاتها فكيف لها أن تصدق أن الشعب في مصر قد انتخب رئيساً مدنياً انتخاباً ديمقراطياً؟ إذن لا بدّ أن تسارع لإزاحة الرئيس الذي أعلن وقوفه إلى جانب ثورة الشعب في سوريا وقدم برنامجاً يسعى لاكتفاء مصر اقتصادياً.
لم يكن السيسي وحده مسؤولا عن قتل أول رئيس مصري مدني منتخب بالانقلاب عليه أولا وزجه في السجن ومن ثم منع العلاج والدواء عنه بل شارك في قتله كل الذين سمح لهم بحكمته أن ينتقدوه وأعطاهم حريّة التعبير بحكم مكانته ومحافظته على ما أقسم عليه حين حولوا الانتقاد إلى سخرية، وأولهم الإعلاميون المأجورون الذين كانوا يطبلون لمبارك وابنيه طيلة فترة رئاسته ويخافون أن يقولوا ولو كلمة حق بسيطة. على رأس هؤلاء الإعلامي “الفقاعة” باسم يوسف صاحب برنامج “البرنامج” الذي التفّ حوله كثيرون وأعجبوا بأسلوبه وقلدّوا أداءه “السمج” في الانتقاد.
هزئ باسم يوسف من الرئيس مرسي ولم يخف وظهر على أنّه الفذ الشجاع الذي لا يخشى في الحق لومة لائم وتمادى في السخرية والهزء بشخصية الرئيس وشكله وهو ما يدل على ضحالة الفكر إذ لم يتمكن من انتقاد حكم مرسي وسياسته كما يدل على السفاهة التي تميز بها والإسفاف الأخلاقي. فهل كان وجوده في مصر أثناء الثورة وطيلة فترة حكم مرسي مجرد مهمة موكلة إليه؟
هذا الشجاع وأمثاله لم يجرؤوا في عهد السيسي على النطق بكلمة حق واحدة وعادوا إلى أحجامهم الطبيعية وأخلاقهم المتبدية بلعق أحذية العسكر.. الأسود عادوا فئراناً فقد انعدم هرمون الحرية الذي حقنهم به الرئيس الشهيد فضمرت قريحتهم النقدية فجأة وتلاشت! واكتفى باسم يوسف بارتداء هيئة شيف من غير قفازات ولا ملابس بيضاء ولا قبعة!
ولم يستطيعوا الاعتراف أن الشجاع هو من منحهم الحرية وأنهم أجبن من انتقاد حاكم وقول كلمة حق.
عادة ما يثير المجهول الرعب في نفوس الناس، ويساعد الذراع الأمني للطغاة في إبقاء مسافة بينهم وبين شعوبهم ويلبسونهم أثوابا من الغموض ويؤطرون حياتهم حتى يمتلكوا هيئة مجهول يثير الرعب في النفوس في الأماكن التي “لا يظهرون فيها”
حرص السيسي على تجنيد الآلة الإعلامية بكل هيئاتها لصنع صورة مهيبة له في نفوس البسطاء لكنه فشل هو وهيئته الإعلامية وأصبح مثار سخرية الإعلام المعارض والسوشيال ميديا فلجأ إلى إثارة الخوف بافتعال مجازر “تبدو حوادث في ظاهرها” ويروج لها على أنها حوادث إرهابية كي يدخل الرعب في نفوس الناس ويظهر على أنه حاميهم من الإرهابيين! الخطة التي اتبعها بشار الأسد في قمع الثورة السورية. وهي الطريقة التي تعامل فيها مع الدكتور مرسي الرئيس الذي أطاح به جسدياً ولم يستطع أن يقضي على أثره حتّى في منع الناس من وداعه وتشييعه إلى مثواه الأخير
خرجت الجنازة فجراً، التوقيت الذي اعتاد الطغاة أن يرسلوا فيه أزلامهم ومخابراتهم لاقتحام البيوت واعتقال خصومهم والقضاء على معارضيهم. لكن ذلك لم يمنح السيسي الأمان الذي أراده ولم يستطع أن يمنع الناس في أرجاء الأرض من إقامة صلاة الغائب على الشهيد الرئيس الذي لم يظن أنه بفعلته تلك أعطاه مجداً مضاعفاً وجعل حتى الذين اختلفوا معه ومع سياسته يترحمون عليه ويحزنون ويقومون بواجب العزاء لأسرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الوقت ذاته منح جماعة الأخوان المسلمين مظلومية جديدة يستغلونها في خطابهم السياسي.
هذا الموقف أظهر ضعف السيسي وخوفه وهشاشة موقفه، فالرجل الميت لن يستطيع الخروج من نعشه لينتقم منه وكان بإمكانه استغلال الموقف لصالحه وعمل جنازة رسمية لمرسي تليق برئيس، ليكسب شعبه لكن الحقد يعمي البصيرة والخوف والعادة المستحكمة بنفوس الحكام جعلت السيسي يضيّع الفرصة ويختبئ وراء جنوده الذين يقومون بتمهيد الطريق أمامه.
عندما تقرر منظومة المال المتوحش دعم ديكتاتور في حكم بلده فإنما تفعل ذلك لضمان استمرار مصالحها من جهة وضمان تفرد دولتهم المدللة ( إسرائيل ) بكونها واحة الديمقراطية في المنطقة، وعندما غرد إيدي كوهين على صفحته في تويتر قائلاً: “للحقيقية كان محمد مرسي الأكثر خطراً على الأمن القومي الإسرائيلي”؛ فإنه على وعي تام بما يقول فقد قام الرئيس الشهيد بالبدء فعلياً بما ينبغي القيام به للبدء بتنمية حقيقية في البلد عبر مخاطبة أكثر من ألف عالم مصري يعملون في الخارج يدعوهم فيها للمساهمة في مؤتمر عام يضعون فيه تصوراتهم العملية لهكذا أمر، وهذا يعني تأسيس بداية حركة هجرة عكسية للعقول، وفي دولة كمصر يبدو أنّ هذا العمل خط أحمر، ولابد إذن من استدعاء ذلك الضابط الوحيد الذي نجى من حادثة الطائرة ليبدأ مهمته ليس في قتل العقول وحسب وإنّما أيضاً في المستقبل القريب لتفتيت الجيش الوحيد المتبقي في المنطقة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
