وماذا بعد خسارة إسطنبول؟!

تعالت الاصوات المطالبة بمحاسبة كل القياديين الذين تسببوا في خسارة أهم معاقل الحزب في البلاد، وهى اسطنبول، فيما لم يعد من المستبعد أن تتم الدعوة إلى مؤتمر استثنائي للحزب
عقب الخسارة الموجعة التي تلقاها حزب العدالة والتنمية عبر صناديق الاقتراع في انتخابات الاعادة ببلدية إسطنبول ، انهال سيل من الاخبار والمقالات والتحليلات التي تناولت في مجملها كافة الآراء المطروحة حول أسباب تلك الهزيمة التي مثلت صدمة لأنصار الحزب ، واعتبر الكثير منهم أن ملف اللاجئين السوريين، والأزمة الاقتصادية كانا العامل الحاسم في تلك المعركة الانتخابية، بعد أن نجح تكتل المعارضة نجاحا باهرا في توظيفهما في حملته التي سعى من خلالها إلى سحق الحزب الحاكم، مستثمرا في تحقيق ذلك الهدف مرشحه أكرم إمام أوغلو الذى يمتلك العديد من المميزات الشخصية التي تتمثل في كونه متحدثا لبقا، لديه قدرة فائقة على الإقناع، ويتمتع بالفتوة والشباب ما مكنه بسهولة من استقطاب شريحة لا بأس بها من الشباب الذين دعموه من دون قيد ولا شرط، حتى وإن بدا في العديد من وعوده الانتخابية غير منطقيا ولا عقلانيا، فيكفي أنه وجه سياسي جديد يحمل أفكارا مختلفة، والأتراك عموما يحبون التغيير في الأفكار المطروحة، وفي وجوه السياسيين.
ورغم اتفاقنا في المجمل مع أن تلك العوامل كانت مؤثرة، وأنها ساهمت بالفعل في هذه النتيجة، فإن الكثيرين تجاهلوا أو غضوا الطرف عن أسباب وعوامل أخرى لعبت دورا أكثر عمقا وتأثيرا فيما مُني به حزب العدالة والتنمية من خسارة فادحة لا تقل عن العاملين السابقين أهمية، بل ربما تفوقهما، والتي تحتاج دراستها إلى الدقة والعمق، وإلى التعامل مع الحقائق المرتبطة بها بكل شفافية وصدق.
ولعل من أهم تلك العوامل الانقسامات الداخلية، وتنازع السلطات داخل العدالة والتنمية بين عدد من الاجنحة المتنافسة، والتي لا يستطيع أحد إنكار وجودها بعد ان ظهر بعض منها إلى العلن بصورة أو بأخرى، وانعكس ذلك بوضوح على خطاب الحزب السياسي في المؤتمرات الجماهيرية، وفي تصريحات بعض مسؤوليه خصوصا في الملفات الاقتصادية والامنية والاجتماعية، الأمر الذي أحدث إرباكا لدى جمهور المتلقين.
ولعل من الأسباب هو تزايد الحديث عن الاستعدادات الجارية على قدم وساق من جانب الزعامات السابقة للعدالة والتنمية، بهدف الإعلان عن حزب سياسي جديد في الخريف المقبل لمنافسة العدالة والتنمية
الى جانب مرحلة الترهل والتراخي الناجمة عن الاستمرار في السلطة لسنوات دون منافسة حقيقية، والاعتماد على الشعبية المطلقة التي يحظى بها الرئيس أردوغان، والرهان الدائم علي قدرته كزعيم في تخطي النسب القانونية لإحراز النجاح المطلوب للاستمرار في السلطة دون جهد أو تعب، وذلك أضعف دون شك من آليات تفاعل الحزب مع الشارع بشكل مباشر. وساهم في منح الفرصة كاملة لأحزاب المعارضة للتكتل والاستحواذ على الساحة الخالية أمامهم، الامر الذي أسفر في نهاية المطاف عن تغير معادلة التصويت التي رأينا نتيجتها في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث بدا واضحا زيادة قدرة تكتل المعارضة على التنظيم وجمع قواه والعمل بين الجماهير وفي الشارع، بل والدخول في منافسة شرسة مع خصم كان دائما هو الأقوى.
وبغض النظر عما إذا كان ذلك يتم بجهود ذاتيه داخلية ، وتحالفات غير منطقية ، أو بدعم خارجي سري أو من دونه ، فإن محصلة ذلك النهائية تعد مؤشرا قويا على أن الساحة السياسية التركية ، لم تعد هي نفسها تلك الساحة التي خبرناها من قبل ، وان هناك تغييرا جذريا قد حدث فيها، وأننا أصبحنا أمام عمل سياسي حزبي جديد، يعتمد على المقاربة والتعاون ، مهما اختلفت التوجهات والأيدولوجيات ، يميزه قدرته الواضحة على إحداث تغييرات جذرية في نتائج المعادلة الانتخابية ، الأمر الذى يعني أن حزب العدالة والتنمية أصبح يواجه خصما شرسا ، يختلف تماما عن ذلك الذى اعتاد مواجهته في السابق، ما يحتم عليه بذل جهود مضاعفة لمواجهة هذه التغييرات.
القاعدة السياسية المعروفة تقول إن الشعوب لديها ذاكرة السمك، تلك الذاكرة التي تُمحى في غضون ثوان قليلة، لذلك سيكون من الطبيعي وفق ذلك المفهوم قيام المواطن التركي في إطار بحثه عن بديل قوي متماسك يميزه التلاحم والتعاون وتقديم وجوه جديدة تسعى لإرضاء الناخب وتتعامل معه بعدم استعلاء، لعل وعسى يجد لديه حلا لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية، حتى وإن كان ذلك أمرا غير صحيح.
فالرغبة في التغيير، مجرد التغيير، ستكون هى سيدة الموقف في هذه الحالة، خصوصا إذا نجح تكتل المعارضة في إرضاء المواطنين من خلال أدائه في البلديات الكبرى، ذات الكثافة السكانية العالية التي استحوذ عليها كأنقرة وإسطنبول وإزمير، لان ذلك معناه إفساح المجال أمام المعارضة للقيام بممارسة ضغوط أكبر بهدف التعجيل بتقديم موعد الانتخابات البرلمانية وربما الرئاسية، استثمارا لهذا النجاح، بغية الوصول إلى الأغلبية البرلمانية، وربما الاستحواذ على القصر الرئاسي.
ويبدو أن أول من تنبه إلى كافة تلك العوامل السلبية التي تهدد مكانة العدالة والتنمية على الساحة السياسية التركية بصورة جدية كان الرئيس أردوغان الذى أعطى تعليمات مشددة بإجراء مراجعة شاملة لنتائج الانتخابات وسير الحملة الانتخابية التي أسفرت عن تلك النتائج، وأسلوب تعاطي الحزب مع قاعدته الجماهيرية، وذلك بنية إجراء تغييرات جذرية في التشكيل الحكومي، حيث من المنتظر أن تشهد الفترة المقبلة القيام بالعديد من الإجراءات التي من المرجح أن تتركز بشكل كبير على الملف الاقتصادي تحديدا، إضافة إلى إعادة هيكلة تشكيلات الحزب في المحافظات المختلفة خصوصا الكبرى منها، والدفع بعدد من الوجوه الشابة الجديدة .
وهو ما يعني إدراكه الكامل لمفهوم الرسالة التي حملتها نتائج الانتخابات في إسطنبول ، وتأكيده عمليا على أن حزبه لديه القدرة على محاسبة نفسه، واتخاذ الإجراءات المناسبة لتصحيح الخلل، بعد أن تعالت الاصوات المطالبة بمحاسبة كل القياديين الذين تسببوا في خسارة أهم معاقل الحزب في البلاد، وهى إسطنبول، فيما لم يعد من المستبعد أن تتم الدعوة إلى مؤتمر استثنائي للحزب، لمناقشة المخاطر التي تواجهه وتهدد مكانته، ما يعني أننا على أبواب مشاهدة العديد من التغييرات في بعض أطر الحزب القيادية، وفي تعاطيه مع الملفات الاقتصادية والأمنية .
نجاح أردوغان في تحقيق ذلك يعني عودة حزب العدالة والتنمية مجددا ليتبوأ مكانته بقوة على الساحة التركية، والمعنى أننا سنكون على موعد مع تغييرات جذرية غير متوقعة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
