لماذا كل هذه الكراهية في فض اعتصام ثوار السودان؟!

قوات الأمن السودانية تحاصر مقر الاعتصام أمام القيادة العامة الخرطوم-أرشيفية

لن تنطفئ شعلة الحرية والكرامة والعدالة: طالما بقي الرهان على الشعب، فهو الوحيد الباقي والقادر علي إبداع أشكال ناجعة من المقاومة والنضال السلميين.

أتذكر بعد الوحدة بين شطري ألمانيا، أن انطلقت مظاهرة احتجاجية في الشارع، مثل أي مظاهرة أخرى تجري احتجاجا علي شأن ما داخلي، أو إضراب من عمال أحد القطاعات الخدمية للمطالبة برفع الأجور،  لم أعد أتذكر تحديدا لماذا كانت هذه المظاهرة؟!،  لكن الذي لن أنساه، و بقي في الذاكرة،  هو ما حدث في تلك المظاهرة..  فقد انقض جندي على أحد المتظاهرين بطريقة وحشية وأوسعه ضربا وركلا وسحلاً،  رغم التظاهر السلمي من قبله ومن قبل الآخريين،  وهنا قامت القيامة ونسي الجميع مطالب المتظاهرين، لكنهم لم ينسوا ما فعله الجندي بالمتظاهر، وراحت البرامج التليفزيونية ووسائل الإعلام تناقش حدث الاعتداء الهمجي على المتظاهر..  كيف؟، ولماذا؟، ومن هو هذا الجندي؟

جنود الجزء الشرقي

عشرات المقالات والتحليلات التي انتهت إلى أن الجندي قادم من ألمانيا الشرقية، حيث تربى وتتلمذ على أيدي رجال الأمن في النظام الديكتاتوري في ألمانيا الشرقية سابقا، واكتشفوا أنه بعد الوحدة، وإدماج الشطريين الشرقي والغربي ظل جنود الجزء الشرقي غير مندمجين،  بل ما زالوا متمسكين بما تدربوا عليه من قسوة وعنف تجاه المواطنين،  فقد كان العنف أمرا عاديا لدى الجنود،  وكان لديهم أوامر صريحة  بإطلاق النار على كل من يعبر الحدود في اتجاه الغرب، ثم انتهت الضجة بتحويل الجندي إلى أحد مراكز التأهيل الاجتماعي لإعادة دمجه وتأهيله في المجتمع من جديد.
تذكرت هذه الحادثة وأنا أشاهد مجزرة الجنود السودانيين في فض اعتصام الثوار في محيط اعتصام القيادة العامة،  مشاهد مروعة لجنود مدججين بأسلحة،  وكرابيج،  وعصي غليظة ينقضون بالضرب العنيف غير المبرر على أبرياء،  حتي أنهم أوقفوا سيارة، وأخرجوا من فيها وانهالوا عليهم ضربا بعصي غليظة في حين كان صوت دوي رصاص القناصة يهز المكان، ويظهر مقطع فيديو صوره نشطاء كيف تم اقتناص شاب أعزل أمام الجميع!
أكثر من مئة قتيلا وفق متحدث طبي حتى الآن، والسؤال هنا لماذا كل هذا العنف والغدر ضد مواطنين ينتمون لنفس الجنس والعرق والدين؟!!، وهل الفساد والتأهيل المعوج هما وحدهما  اللذان يغرسان في عقلية العسكر أن كل مواطن يطالب بالحرية أو يبدي رأيه في نظام الحكم في بلاده هو عدو يستحق القتل؟!

 
بيضة في وجه نائب

قبل عدة شهور وبعد مجزرة نيوزيلندا التي قتل فيها متطرف أسترالى المصلين في مسجدين،  قذف شاب أسترالي بيضة في وجه نائب برلماني عنصري في بلاده بسبب إهانة المسلمين في نيوزيلندا واتهامهم بأنهم هم السبب في المذبحة التي وقعت ضدهم،
الشاب الصغير لم يعجبه هذا التجني، وسرعان ما سرت موجه تعاطف كبيرة مع الشاب تؤيد رده فعله ضد هذا العنصري البغيض،  حتى إنهم وقعوا عريضة يطالبون فيها بفصل النائب من البرلمان الأسترالي ..
وهذا فقط مثل يؤكد أن إبداء الرأي والاختلاف هو أحد سنن هذه الحياة، والاستماع إلى الرأي الآخر ينقذ من الهلاك، فمن كان يعتقد أن متظاهرين سلميين استطاعوا فقط بحناجرهم الإطاحة بأنظمة الحكم الديكتاتوري في مصر، والسودان، وتونس والجزائر !
آدمية الإنسان واحترام رأيه عند الشعوب المتحضرة خط أحمر ..
ميركل الناجحة طيلة فترة حكها الممتدة منذ سنة 2015 حتى الآن، تقرر إنهاء مسيرتها السياسية،  واعتزال الحياة العامة في نهاية فترة ولايتها سنة 2021، مؤكدة حقيقة أن استمرارية الوجوه لا تضمن استمرارية الوجود،  فقد تعرضت للنقد الشديد بسبب سياستها في فتح أبواب الهجرة، فآثرت الابتعاد،  لكن في الجهة المقابلة يرى حكام الديكتاتوريات أن استمرار الوجوه من استمرار الوجود أي وجود وبقاء الدولة يستمر ببقاء ووجود الجنرال، فإن رحل رحلت الدولة وتداعت وتفتت!  
تخطى العالم الغربي منذ زمن  تلك المعضلة  القائمة بين الديكتاتوريات العسكرية ومطالب الشعب، وبات الحكم المدني هو الحكم الراسخ، وأصبح الإنسان في ظله له قيمة وشأن، كرامته مصونة، وحريته مكفولة، حتى السجون التي يؤدي فيها الخارجون عن القانون عقوبتهم  تحولت إلى مراكز تأهيل وإصلاح.

امتحان دولة

إن أهم اختباريين هنا في الجامعات الألمانية، هما اللذين لهما علاقة بالإنسان، وهما امتحان نهائي الطب ونهائي الحقوق فكلاهما يطلق عليه “امتحان دولة” أي لهما خصوصية كبيرة، ولا يتم نيل الدرجة إلا بعد اجتياز فترة التدريب والتأكد من صلاحية ممارسة المهنة ، فالإنسان له قيمة ولا يجب الخطأ في حقة صحيا ولا حقوقيا .
 وبغض النظر عن الغرب الاستعماري والعنصرية المتفشية في بعض بلدان الغرب، إلا أن الحقيقة التي أكاد أن أجزم بها، هي أن عمل كل أجهزة الدولة يكون منصبا من أجل مصلحة المواطن،  والفيصل في تفوق حزب على حزب في الانتخابات هنا،  يكون دائما مقابل الدور الذي يقوم به من أجل المواطن . 
ملخص كل ذلك أن الذي حدث في السودان بالأمس من مجازر، وما حدث قبله في كل الثورات، والحروب العربية، وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب يوميا،  كشفت أن هناك عقلا إجراميا يتمسك به من هم في قمة السلطة، فهم لا يؤمنون بأي حل يبعدهم عن السلطة، ولا يؤمنون بأراء الآخرين، أنهم لا يرون إلا أنفسهم التي ترفض الاستماع لأي صوت غير صدي صوتهم!! 
وفي النهاية لن تنطفئ شعلة الحرية والكرامة والعدالة: طالما بقي الرهان على الشعب، فهو الوحيد الباقي والقادر علي إبداع أشكال ناجعة من المقاومة والنضال السلميين لإجبار العسكر والقوى الإقليمية على التسليم لإرادة الشعوب.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان