“استقالة” ودموع في عيون محترمة

الفارق هائل بين دموع خَجِلة محترمة للسيدة تريزا ماي، وبين دموع في عيون وقحة للجبابرة والطغاة.
صباح الجمعة 24 من مايو/أيار الماضي، كانت السيدة تريزا ماي، مثار اهتمام واسع من وسائل الإعلام، والرأي العام في العالم، فقد ألقت بياناً قصيراً أمام مقر إقامتها في 10 داوننغ ستريت، بشأن قرارها الاستقالة من زعامة حزب المحافظين، وتخليها عن رئاسة الحكومة البريطانية 7 من يونيو/حزيران، وهو ما تم أمس حسب ما قالت في بيانها.
مناط النظر هنا ليس قرار مغادرة مقعد رئاسة الحزب والحكومة، بقدر اللحظة التي تأثرت فيها بشدة وهي تتلو بيانها، حيث أجهشت بالبكاء، وذرفت الدمع، وكادت الدموع تُرى من عينيها لولا أنها استدارت سريعاً ودخلت مقر سكنها.
ويُلاحظ من مشيتها وجود انحناءة في ظهرها، وغالباً ليس بسبب التقدم في السن (ستكمل 63 عاماً مطلع أكتوبر/تشرين الأول المقبل)، إنما للهموم التي تكالبت عليها جراء أوضاع سياسية في الحكم قادتها في النهاية إلى وضع نهاية لمشوارها السياسي وخروجها إلى الظل بلا عودة إلى أضواء السلطة.
دموع الحزن على الإخفاق
المتوقع أنها، وراء الأبواب المغلقة للمقر التاريخي لسكن رؤساء الحكومات في بريطانيا، أجهشت بالبكاء بصوت مسموع، وذرفت الكثير من الدموع، وفجرت شلالات من الأحزان، ولا بد أن يكون زوجها فيليب ماي شاطرها لحظة الحزن، (ليس لديهما أبناء)، وكذلك طواقم العمل والخدمة القريبة منها.
فالخروج من المنصب، ليس كما الدخول فيه، في الأول يكون الفرح والسرور والتفاؤل والأمل بتحقيق إنجازات عظيمة تُسجل في تاريخ بريطانيا، وفي التاريخ الشخصي لرئيس الحكومة، وفي الثانية يكون الحزن والأسف عندما لا يتحقق ما كان يجب إنجازه من وعود وعهود يقطعها على نفسه أمام شعبه.
وفي حالة تريزا ماي فإن تركها السلطة كان أليماً ومهيناً في آن لأنها لم تنجز شيئاً يذكره لها التاريخ، وكان على أجندتها مهمة أساسية تسلمتها من سلفها ديفيد كاميرون المستقيل أيضاً، وهي إنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسلام وأمان دون أضرار كبيرة تمس بلدها.
لكنها فشلت في هذا الملف، وبسبب ذلك قررت التعجيل باستقالتها، بل دفعها حزبها (المحافظين) إلى الاستقالة، بجانب ضغوط المعارضة العمالية بزعامة جيرمي كوربن، فقد أُريق ماء وجهها أمام حزبها، وأمام مجلس العموم (البرلمان)، وأمام الشعب والاتحاد الأوربي حيث لم تستطع تمرير اتفاق “بريكست”، وتلقت هزائم مذلة متتالية في البرلمان الذي رفض الاتفاق الأصلي، ورفض تعديلاته حيث لا يحقق ما تصبو إليه الشعب.
وكانت تريزا صادقة عندما لخصت جوهر استقالتها بقولها: “إن عدم قدرتي على إتمام البريكست أمر مؤسف للغاية بالنسبة لي، وسيكون كذلك على الدوام، وأصبح من الواضح لي الآن أن مصلحة البلاد تقتضي وجود رئيس وزراء جديد ليقود هذه الجهود”.
لم تقل دون الكرسي الدماء
في هذه العبارات الشفافة الصريحة مفتاح مهم من مفاتيح الحكم الديمقراطي، فهي لا تجد غضاضة أن تخرج على الشعب وتعترف بعدم القدرة على إنجاز وظيفة رئيسية من وظائف حكومتها.
وهي لا تعاند أو تكابر أو تتمسك بالكرسي وتقول دونه الدماء، إنما تتركه فوراً لمن يأتي بعدها، ويتحمل المسؤولية، فقد يكون أقدر منها على إتمام مالم تستطع إتمامه.
ديفيد كاميرون استقال 24 يونيو 2016 فور ظهور نتائج الاستفتاء لصالح معسكر خروج بريطانيا، وكان ضد الخروج، واعتبر أن النتيجة تصويت عليه أيضاً، وبالتالي يكون فقد صلاحيته وجدارته للحكم فغادر مكرساً الديمقراطية العتيدة العريقة في هذا البلد، ومؤكداً احترامه لشعبه ولنفسه.
وهكذا كل من استقالوا قبلهما – تريزا، وكاميرون – من الحزبين الكبيرين (المحافظين، والعمال) اللذين يتبادلان الحكم في المملكة المتحدة، يغادرون في هدوء وسلام التزاماً بالقيم الديمقراطية، ولا يتشبثون بكراسي غير مستقرة، فهم يعلمون أنهم جاؤوا لهدف وحيد وهو خدمة الشعب، وإذا تم إنجاز الهدف أو الإخفاق فيه فعليهم الرحيل الكريم، وهو ما لا يحدث مثله أبداً، في العالم المتخلف الذي يعادي العقل والرشد والتطور والفطرة والديمقراطية، وفي القلب منه الدول العربية، حيث الحكم هو الغاية والوسيلة والهدف الأثير والشهوة التي تسمو فوق كل الشهوات الإنسانية الأخرى، والخروج منه هو المستحيل إلا بالدماء.
برلمانات حقيقية وأخرى هزلية
تريزا تقدم درساً جديداً في احترام الإرادة الشعبية، وتقدير تكاليف الوظيفة العامة، وحزبها يقدم نموذجاً في إعلاء مصلحة البلاد على مصلحته الضيقة، فليس الهدف أن يحكم فقط من أجل الحكم، ولا أن يحافظ على صورة زعيمته من الاهتزاز، أو الاستقالة التي تقلل من شأنه وشأنها السياسي، ولا القلق من الذهاب لانتخابات مبكرة مرة أخرى، إنما ما يعنيه هو بريطانيا أولاً وأخيراً، وتقليل خسائر مغادرة الاتحاد الأوروبي والتوصل لاتفاق مرضي..
ولهذا لم يكن مسانداً لها في عمليات التصويت على اتفاق “بريكست”، فالحزب فوق زعيمه، وفوق أي عضو فيه، والدولة فوق الحزب، وهذا هو صلب العمل الوطني الصحيح وليس الدعائي في الديمقراطيات.
وبريطانياً أولاً عند النواب والساسة، وليس الحزب الحاكم أو حزب المعارضة، ولهذا كان التوافق قائماً في كل عمليات التصويت بين المحافظين والعمال ضد الاتفاق الذي وضعته الحكومة، إذ أن الدعم المطلق والأعمى لسياسات وقرارات الحكومة ليس فرضاً على الحزب الحاكم ونوابه في البرلمان، إذا كانت لا تلبي تطلعات المواطنين في الدوائر الانتخابية، وكل نائب هو نبض الناخبين في دائرته، وهو لا يمكن أن يخذلهم، أو يتجاهل الموقف الغالب لهم، وإلا فقد ثقتهم فيه، وبالتالي يخسر الحزب، وتصعد المعارضة..
هكذا يحدث في كل الديمقراطيات الصحيحة في العالم، التصويت داخل البرلمانات لا يرتبط غالباً بتوجهات الحكومات، فالنظرة السياسية أوسع من الحزبية الضيقة، وقراءة توجهات الرأي العام أعمق من التعامل السطحي معه والاستهزاء برغباته، فلا يتم تجاهله، واحترام الإرادة الشعبية أمر مقدس، فلا يمكن خذلناها.
وقد تجلى ذلك في كل مرات التصويت في مجلس العموم، وهي جلسات حازت اهتماماً ومتابعة من شعوب العالم ومن الحالمين بديمقراطيات وبرلمانات مماثلة ونواب على هذا القدر من الإخلاص لمواطنيهم وبلدانهم، وليس النفاق والتدليس للاستبداد كما هو حال البرلمانات الهزلية في بلدان التخلف الشامل.
دجل القائد الضرورة
دموع تريزا ماي حقيقية، وليست تزلفاً للحزب، أو النواب، والشعب، ولا استعطافاً لهم لإبقائها، ولا للهتاف بأنها ربان السفينة، والقائد الضرورة، ولا كيف تترك البلد وهي في أزمة وعلى مفترق طرق، وإلى آخر هذا الدجل والخزعبلات والانحطاط المزدهر في البلدان التي تعيش في الظلام وخارج التاريخ.
دموع تريزا ليست تمثيلاً، أو أكاذيب وخداع، إنها دموع في عيون محترمة، خجلة، مهذبة، واقعية، صادقة، مخلصة، وطنية، شريفة، تبكي لأنها كانت تود أن تترك علامة في سجل الحكم.
لم تكن تريد المغادرة السريعة في قيادة الدولة (ثلاث سنوات فقط)، كانت تسعى لتنفيذ شيء كبير وعظيم، كانت تريد أن تُذكر بشيء مهم عندما يُقال إنها المرأة الثانية التي تتولى رئاسة الحكومة البريطانية بعد مارجريت تاتشر، لا أن تخرج هزيلة ضعيفة مهزومة، حققت اسماً وشهرة وأداء ناجحاً عندما كانت وزيرة للداخلية، ولم تحقق شيئاً عندما صارت رئيسة للوزراء.
تاتشر خرجت أيضاً من الحكم بضغوط من حزبها، لكنها تركت علامات ومنجزات حتى لُقبت بالمرأة الحديدية، ولم تظهر قيادة قوية في أوروبا بعدها إلا أنجيلا ميركل في ألمانيا، وهي تتفوق على تاتشر بالعطف والحنان على شعبها وعلى المهاجرين واللاجئين، وحققت إنجازات اقتصادية عظيمة جعلت من ألمانيا الاقتصاد الأول أوروبياً والرابع عالمياً، وكلمتها هي الأساس في الاتحاد الأوربي.
لا زعامة أبدية في الديمقراطية
لكن آلية الديمقراطية لا تقف عند زعيم واحد مؤبد مهما كانت قدراته جبارة، وأعماله خارقة، فالألمان طلبوا من ميركل الرحيل، يريدون قيادة جديدة، وقد استجابت وقررت إنهاء مشوارها السياسي عام 2021.
وكان البريطانيون طلبوا من تريزا نفس الأمر بعد توالي الظروف غير المواتية لها، وتمرد حزبها عليها، وتمرد الوزراء عليها، وتوالي استقالتهم (36 وزيراً استقالوا خلال أقل من 3 سنوات)، ووعدت بأن تغادر في 2022، لكنهم لم يصبروا عليها، وطرح عدد من النواب الثقة فيها، وأفلتت بصعوبة حيث منحها كبار قادة الحزب فرصة لتنهي الخروج ثم يكون لكل حادث حديث، لكن مع الإخفاق، وضعف موقفها كرئيس للحكومة، والنتائج السيئة في الانتخابات المحلية، وقبلها الانتخابات العامة المبكرة (2017) التي خرجت منها أكثر ضعفاً مما كانت عليه قبل أن تدخلها عرضت أن تستقيل بعد إنجاز اتفاق الخروج، لكن ليس كل ما تريده تريزا تجده، فقد انتهى الحزب إلى أن مصلحته أهم من رئيسته، ومصلحة بريطانيا فوق الحزب، فاضطرت للاستقالة.
دموع في عيون وقحة
تريزا وأمثالها كثيرون في الديمقراطيات، فهم يتولون المناصب بالاختيار الشعبي للخدمة العامة، لهذا يغادرونها دون أزمات سياسية، أو احتجاجات جماهيرية، أو ثورات شعبية، أو انقلابات عسكرية.
تخلصت الديمقراطيات من هذا التخلف المستوطن في العالم غير الديمقراطي الذي ينتمي إليه العرب وجل المسلمين، عالم لا يرفع الرأس، عالم الدكتاتوريات والفقر والفساد وقمع الشعوب وإذلالها واستعبادها، عالم الحاكم فيه لا يزال يقول أنا ربكم الأعلى.
خرج بن علي، ومبارك، وعلي صالح، وقُتل القذافي، ثم خرج بوتفليقة، والبشير، من الحكم بثورات ودماء ودمار، وبشار باق على أطلال بلد وأشلاء شعب، والحكام الجدد في جمهورياتهم، والقدامى في ممالكهم لا يتعلمون الدرس، فهم لا يزالون غارقين في الاستبداد، وقمع أحلام الشعوب في الحريات والحقوق والعدالة.
الفارق هائل بين دموع خَجِلة محترمة للسيدة تريزا، وبين دموع في عيون وقحة للجبابرة والطغاة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
