مع القرضاوي (1).. كيف بدأت رحلة ربع قرن؟

 

 

شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، بيننا عشرة ومعرفة وعمل، وصحبة وتلمذة، تقارب الربع قرن، أسأل الله أن يطيل عمره ويحسن عمله، وبحكم هذه الرحلة قدر لي أن أكون شاهدا على أحداث ومواقف مهمة، سواء على مستوى حياة الشيخ، أو أحداث مهمة في تاريخ الأمة الإسلامية، منها ما هو علمي، وسياسي، وفكري، وإنساني، أعتقد أن من حقه وحق العلم تدوين هذه المواقف، وقد كتب القرضاوي مذكراته في أربعة أجزاء، كانت بطلب من علماء كبار رحمهم الله، وبتشجيع من العبد الفقير، وقد قمت معه بتسجيل هذه المذكرات على أشرطة كاسيت.

ومنذ عملت معه وقد نصحني المرحوم الدكتور حسن عيسى عبد الظاهر بتدوين ما أراه مع الشيخ، وقال لي عبارة لا أنساها: يا عصام كن مع القرضاوي كرشيد رضا مع محمد عبده، يشير إلى جهد العلامة رشيد رضا في كتابة (تاريخ الأستاذ الإمام)، وقد دون تاريخ الإمام محمد عبده. ظللت فترة أدون، وكتبت بعض المواقف في بعض المقالات، لكن بقيت مواقف أخرى مهمة في حياة الشيخ، للأسف يشيع بين الناس عكسها الآن، بحكم الافتراء والأكاذيب عليه من إعلام الثورات المضادة للربيع العربي، وكثير من المواقف كنت أشهدها وحدي أو مع شهود قلة، بحكم عملي كسكرتير خاص ومدير مكتبه، ولن أعتمد التسلسل التاريخي للأحداث، مبتدئا بكيف تلاقينا، وبدأ العمل مع فضيلته.

بداية اللقاء مع القرضاوي:

اعتاد القرضاوي على نزول مصر صيف كل عام، يقضي شهرا أو أكثر قليلا، حسب وقته، يجعل آخر الإجازة للقاءات العامة، حتى لا يعرف بوجوده الصحفيون فيتوافدون عليه طلبا للحوار، أو كثرة اللقاءات، فيتخير آخر أيام إجازته لقبول الدعوات العامة، وقد كان هذا اللقاء سنة 1996م، في نقابة التجاريين، في لقاء قليل العدد، حفل تكريم، وبعد انتهاء محاضرة الشيخ والحفل، وجدنا أنفسنا مجموعة من الشباب المحب له، نجلس معه، فطلبنا هاتف منزله في مصر، فأعطانا الرقم.

في اليوم التالي، اتصل به صديقنا الأستاذ ياسر الغرباوي، وطلب منه بعض كتبه، وأنه يحب القراءة له، ولكن كتبه ليست متوفرة عنده، فكان جواب الشيخ، تعال بيتي وأعطيك ما لدي من كتبي هدية، فسأل الشيخ صديقنا ياسر: هل تعرف بيتي؟ أجاب ياسر: نعم، فأعطاه موعدا في اليوم التالي. كلمني ياسر، يسألني عن بيت الشيخ لنذهب سويا، فاتصلت بالأستاذ إبراهيم ربيع – الذي لا هم له الآن على قنوات الانقلاب سوى الكذب والافتراء على الإخوان والقرضاوي – الذي كان يفخر بين الإخوان أنه من استطاع أن يقنع القرضاوي بزيارة قريته (الكوم الأحمر). فوصف لنا بيت القرضاوي في مدينة نصر.

ذهبنا في الموعد على وصف البيت، في مدينة نصر خلف مسجد الرحمة، خلف مساكن عثمان، وجدنا حارسة البيت امرأة مسنة، طيبة القلب رحمها الله، رحبت بنا، وكنت مرتديا الزي الأزهري، ومعي ياسر الغرباوي، فوجدتها تقول لي: ألم تأت أمس يا عم الشيخ وربنا كرمك وأخذت ما فيه النصيب؟ فقلت لها: لست أنا، ربما أحد غيري، هذه أول مرة نأتي، ونظر لي ياسر وابتسم، فقد ظنت الحارسة أني أحد من مروا من قبل على الشيخ طلبا للمساعدة، أو الزيارة.

دخلنا بيت الشيخ، وجلسنا دقيقة ننتظره، فجاء بجلباب أبيض، بدون عمامة، بسيطا في بيته، ثم سلم علينا، وسألنا عن أسمائنا، وقال له ياسر: أنا من اتصلت بك لطلب كتبك، ثم سألني عن اسمي ومؤهلي، وكنت قد تخرجت في كلية الدعوة منذ شهر، ثم توجه لي بالسؤال: وأنت ألا تقرأ كتبي، وتريد بعضا منها؟ فقلت له: لا، لا أريد، جزاكم الله خيرا. فقال: لماذا؟ ألا تقرأ كتبي؟ فقلت: كلها عندي، وكلها قرأتها. فسألني: قرأتها كلها؟ قلت: نعم. فقال له ياسر: نحن نسميه القرضاوي الصغير، لقراءته كتبك، ومقالاتك، وكذلك كتب العلامة الغزالي.

وأخذنا الكتب

ثم سألني شيخنا: وما رأيك في كتبي؟ قلت: تحب أن نتحدث عن المزايا أم الملاحظات التي عليها؟ فقال: ما الملاحظات التي لديك؟ قلت: يا مولانا كل كتبك تمتاز بدقة النقل، وأنك تذكر المصدر، اسم الكتاب، والصفحة، وأين طبع؟ إلا في كتابك (الحلال والحرام في الإسلام) لاحظت أنك نقلت في قضية إجازة التصوير الفوتوغرافي، عن الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر السابق، عن رسالته: (الجواب الكافي) ما يفيد جواز التصوير، لكني أجزم أنك لم تنقل من الكتاب مباشرة، فاللغة التي كتبت بها العبارات لغة زمانك لا زمانه، فإما أنك نقلت عن مرجع، ولم تنقل مباشرة، وإما أنك قرأت الكتاب قديما، وكتبت على ضوء ذاكرتك، فقال: نعم، لقد قرأته قديما، ولم أجده، فكتبت على ضوء ذكرتي.

فقلت له: ألم تعثر على الكتاب فيما بعد، لتنقل منه مباشرة؟ فقال: لا، قلت: لعلنا لو وجدنا أحد ورثة الشيخ المطيعي، لنعثر على نسخة، فهي رسالة مهمة، فقال: ومن ورثته؟ قلت له: الشيخ محمد نجيب المطيعي، فقال: لا أعلم أن الشيخ المطيعي المعاصر، حفيد المطيعي الراحل، قلت له: نعم هو حفيده، قال: كيف عرفت؟ قلت له: كنت أقرأ في كتاب (المجموع) للإمام النووي، بتحقيق نجيب المطيعي الحفيد، فوجدت في أحد الهوامش تعليقا له، يقول ارجع لرسالة جدنا في العلم والنسب محمد بخيت المطيعي، وذكر اسم الرسالة.

ثم قلت للشيخ ملحوظة أخرى على كتاب: (السنة مصدرا للمعرفة والحضارة)، فقال: ما ملحوظتك؟ قلت له: إن الفصل الأول من كتابك بعنوان: السنة التشريعية وغير التشريعية، فما علاقة كتاب يتحدث عن المعرفة والحضارة بالتشريع، أنا أعتقد أن هذا البحث كان لديك، ولم تجد له كتابا مناسبا يوضع فيه، فوضعته، فقال: نعم، قلت له: يا مولانا، الأفضل أن تحذف الفصل من الكتاب، وتخرجه مستقلا، والموضوع يحتاج لتفصيل منك، أكثر مما كتبت في هذا المبحث، فلم أشعر فيه بنفس القرضاوي العلمي المعروف، فلم تضع الضوابط والعلامات التي نميز بها بين ما هو من التشريع وما ليس منه. وهو موجود في بحثك، لكنك لم تبرزه كعادتك، وتسهب فيه. فقال الشيخ: هذه ملحوظة مهمة، ولعلي فعلا أفعلها فيما بعد.

أحس الشيخ أني متقن لكتبه جيدا، وأني مهتم في الكتب بتفاصيل مهمة، فسألني: هل عندك كتابي: (المنتقى من الترغيب والترهيب) بحكم أنك خطيب لا بد أنك تحتاجه، فقلت له: يا مولانا، عندي الترغيب والترهيب، ولا أعتقد أن فيه جديدا، فقال: بل فيه جديد، لأني هذبت الترغيب والترهيب للمنذري، وكتبت مقدمة مهمة عن الكتاب، وفكرة الترغيب والترهيب فلسفيا ودينيا، وشروط العمل بالحديث الضعيف. وعموما: سأعطيك الكتاب هدية لأكتب لك إهداء عليه.

ذهب الشيخ للداخل وجاء بمجموعة كتب للأخ ياسر، وجاء بنسخة لي من كتاب: (المنتقى من الترغيب والترهيب)، وكتب لي إهداء عليه، أذكر منه هذه العبارات: هدية محبة وتقدير.. إلى الابن النجيب، والفتى النابغ، فضيلة الشيخ عصام تليمة، نفع الله به الإسلام والمسلمين، مع خالص حبي وتقديري.. (يوسف القرضاوي). أخذنا الكتب، وسلمنا على الشيخ، ومضيت والأخ ياسر، بأعظم هدية في حياتنا، وزاد علينا من إكرامه الإهداء الذي كتبه.

ثم مضى على هذا اللقاء عام كامل، بعده أرسلني أمين عام جبهة علماء الأزهر، لتوصيل أوراق للشيخ، ودار حوار بيننا أرويه بتفاصيله في مقالنا القادم إن شاء الله، ففيه تم الاتفاق على العمل، والذهاب إليه للعمل معه في قطر.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان