وصول السفير الأمريكي لأنقرة مع وصول منظومة الصواريخ لإسطنبول: ماذا هناك؟!

ورغم رفضها لكافة تلك التهديدات، وفي محاولة من جانبها تطويق الأزمة، وتهدئة المخاوف الامريكية، اقترحت تركيا تشكيل مجموعة عمل مشتركة تضم عسكريين من أنقرة وواشنطن والناتو
ساعات قليلة تلك التي فصلت بين الاعلان عن خبر وصول السفير الامريكي الجديد إلى أنقرة لاستلام مهام منصبه، وبين اعلان الاخيرة عن وصول أول دفعة من منظومة الصواريخ اس 400 القادمة من روسيا إلى قاعدة مرتد العسكرية، الأمر الذى بدا معه الوضع وكأنه تم وفق ترتيب زمني يتميز بالدقة والحرفية، ودفع البعض إلى الاعتقاد بأن الأمور بين الحليفين السابقين عادت إلى سيرتها الأولى، وباتت العلاقات بينهما تسير بصورة طبيعية ، وان مرحلة التوتر التي شهدتها الفترة السابقة اصبحت من الماضي، يدفعهما إلى ذلك دفعا مصالحهما المشتركة، وتحالفهما الاستراتيجي الذى يصب في صالح عضويتهما داخل حلف الناتو.
إلا أن حقيقة الامر ليست كذلك، مع استمرار التوتر بين البلدين وإن كان تحت السطح، واحتمال تصاعد مرحلة الشد والجذب، التي بدأت أولى نذرها في الظهور عقب تصريح المتحدثة باسم الخارجية الامريكية مورغان اورتاغوس قبل أيام قليلة من بدء استلام أنقرة لأولى أجزاء منظومة الصواريخ اس 400، من أن موقف بلادها الرافض لامتلاك تركيا لهذه الصواريخ لم يتغير، وأن خيار العقوبات في حال إتمام الصفقة لايزال مطروحا.
وعلى الرغم من أن الرئيس الامريكي الذى ألتقى مؤخرا الرئيس أردوغان على هامش اجتماعات قمة العشرين أعلن بنفسه ان بلاده أساءت التصرف عندما رفضت بيع تركيا منظومة باتريوت، وأن لا أحد يمكنه أن يلومها الآن لشرائها منظومة اس 400 عوضا عن ذلك تعزيزا لأنظمتها الدفاعية، فإن تصريحات ترمب لا يمكن التعويل عليها كثيرا ، فالرجل لطالما أطلق الكثير من التصريحات وعكسها خلال فترة وجيزة قد لا تتعدى الساعات، إلى جانب ان باقي أعضاء الفريق الرئاسي، المشارك له في السلطة، والذين يخالفونه في وجهة نظره تلك – هذا في حال ثبت هو نفسه عليها ولم يقم بتغييرها – بدأوا بالفعل في إطلاق تصريحاتهم التي تحمل وجهة نظرهم المخالفة له علنا.
وهي التصريحات الذي أبرزت للعلن مجددا حجم الخلاف القائم داخل الادارة الامريكية، والتي تبدو تحت قيادة دونالد ترمب وكأنها جزرا معزولة عن بعضها البعض بما لا يمكن معه التعويل على المواقف المعلنة سلفا أو التنبؤ بأفعالهم بين لحظة وأخرى.
إذ قدمت مجموعة من أعضاء الكونجرس تضم جمهوريين وديمقراطيين مذكرة للمطالبة بفرض عقوبات على تركيا في إطار القانون الذى سبق وان أقره الكونجرس في العام الماضي، والذى اُطلق عليه اسم ” مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات”، وهو القانون الذى سبق تطبيقه بالفعل على عدد من المؤسسات ومنظمات تصنيع الأسلحة الروسية وعدد من الاستخبارات والدول التي تتعاون أو تعقد معها صفقات ، إلى جانب المطالبة باستبعاد أنقرة من برنامج تصنيع الجيل الخامس من الطائرات المقاتلة من طراز إف – 35 ، على الرغم من وفاء تركيا بكافة التزاماتها المالية البالغة 1.4 مليار دولار تجاه المشروع الذى تتشارك فيه مع الولايات المتحدة الامريكية إلى جانب 14 دولة اخرى ، ويعطيها ذلك الحق في الحصول على اكثر من مائة طائرة من هذا الطراز الذى يطلق عليه اسم الشبح، إلى جانب حصول طياريها وأطقمها الفنية على التدريبات اللازمة لقيادة وصيانة هذه الطائرات.
وزارة الدفاع الامريكية ” البنتاغون ” من جانبها قامت بتنفيذ خطتها الرامية إلى وقف عمليات تدريب الطيارين الأتراك في قاعدة لوك الجوية بولاية أريزونا الامريكية على كيفية استخدام طائرات إف – 35، وإمهال تركيا حتى نهاية الشهر الجاري للتراجع عن شراء صواريخ اس – 400 الروسية، ورغم عدم صدور قرارا رسميا بذلك، فإنه وفق ما بتته وكالة رويترز للأنباء فقد امتنع العسكريون الامريكيون بالفعل عن استقبال دفعات جديدة من الطيارين وطواقم الصيانة الأتراك للتدريب في القاعدة المذكورة ، فيما لايزال المتدربون الأتراك القدامى يمارسون تدريباتهم بصورة اعتيادية.
أما ماريلين هيوسون الرئيس التنفيذي لشركة لوكهيد مارتن الأمريكية، التي تتولى عمليا إنتاج المقاتلة الشبح، فقد وجهت تهديداً مباشراً لأنقرة بأن هناك دولا عرضت الحصول على حصة تركيا في خط إنتاج الطائرة إف – 35، والحصول على عدد المقاتلات التي من المقرر أن تحصل عليها تركيا، في حال تم إيقاف توريدها لأنقرة بسبب عقوبات محتملة متعلقة بإصرارها على شراء صواريخ إس 400 الروسية.
ورغم رفضها لكافة تلك التهديدات، وفي محاولة من جانبها تطويق الأزمة، وتهدئة المخاوف الامريكية، اقترحت تركيا تشكيل مجموعة عمل مشتركة تضم عسكريين من أنقرة وواشنطن والناتو، بهدف طمأنة المخاوف الأمريكية من احتمال إلحاق المنظومة الروسية الضرر بمقاتلات إف – 35 ، أو من ان يتمكن الروس الذين يتولون مهمة تدريب العسكريين الأتراك على منظومة أس – 400 من كشف الاسرار التكنولوجية الخاصة بالمقاتلة الشبح أف – 35 ، وهو المقترح الذى تجاهلته الادارة الامريكية ، ولم تكلف نفسها الرد عليه سواء إيجابا أو سلبا، وسط سيل من التهديدات المتلاحقة من جانب المسؤولين فيها .
الرئيس أردوغان الذي اعتبر أن اية محاولة تستهدف إقصاء بلاده من مشروع إنتاج المقاتلة الشبح إف – 35 بعد وفائها بالتزاماتها المالية يعد سرقة، حذر من أن ” قيام الولايات المتحدة برفع تركيا من برنامج إف-35 وفرض عقوبات عليها، سيكون سبباً في أكبر شرخ تتعرض له العلاقة بين الدولتين في التاريخ الحديث”.
الأمر الذى يؤكد أن هذه الخلافات لم يتم حلها وأن الأزمة مرشحة للانفجار، والتراشق بالتصريحات على خلفية إصرار تركيا على المضي قدما باتجاه استكمال استلام منظومة إس – 400 الصاروخية من روسيا، رغم كافة التحذيرات والتهديدات الامريكية المتلاحقة على مدى الأشهر الماضية، وأن ذلك قد يفضي إلى إمكانية تعرض أنقرة لعقوبات اقتصادية متدرجة ، بما يتيح لواشنطن إظهار مدى قوتها وهيمنتها الدولية، ولذا فانه من المنطقي وفق تلك المعطيات اعتبار مسألة إعادة السفير الامريكي لأنقرة بعد انقطاع دام لأكثر من عام ونصف العام إنما يأتي في إطار الاستعدادات والتجهيزات الدبلوماسية الامريكية لتلك المعركة السياسية والاقتصادية المرتقبة بينها وبين تركيا.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
