لكل انقلاب نهاية

غالبية قادة تلك الانقلابات الذين استمروا على قيد الحياة دفعوا ثمن جرائمهم بحق شعوبهم، وأصبحوا عبرة ومثلا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
رغم مرور ثلاث سنوات على دحر الانقلاب العسكري في تركيا، إلا أن تداعيات ودروس تلك الملحمة البطولية لا تزال تنضح بالمزيد، فمع مرور الوقت اكتشف الأتراك والعالم المزيد من خطة الانقلاب وحدودها وتشاباكاتها المحلية والإقليمية والدولية، ومع الوقت ترسخت الديمقراطية التركية التي أراد الانقلابيون القضاء عليها، ليستعيدوا سطوتهم على مقاليد الحياة السياسية في تركيا كما كانوا من قبل لعقود طويلة، ومع الوقت أصبح الجسد التركي قادرا على مواجهة مؤامرات أخرى ناعمة تتخذ من التلاعب بالاقتصاد والعملة التركية وسيلة جديدة لضرب استقرار البلاد، والتأثير في العملية السياسية الداخلية، ومع الوقت أيضا تتعاظم قيمة الملحمة التركية في دحر الانقلاب أمام شعوب أخرى تعاني من الانقلابات العسكرية، ومع الوقت تزداد قناعتهم أن لكل انقلاب نهاية طال الزمن أو قصر، وأن من قاموا بتلك الانقلابات سيلقون حسابهم في الدنيا قبل الآخرة.
يستحضر الناس ( أتراكا وعربا وعجما) صور المواطنين الأتراك الذين تصدوا بصورهم العارية للدبابات والمدرعات، وافترشوا الأرض في طريقها، يستحضر الناس انحياز بعض العسكريين وقوات الشرطة الخاصة للشعب في مواجهته للانقلابين المدججين بالسلاح والطائرات، يستحضر الناس صورة الزعيم الشجاع الذي لم يختبئ؛ بل قاد شعبه نحو المقاومة ووجهه إلى الأماكن الحيوية، كما يستحضرون أيضا بكل فخر صور الانقلابيين الأتراك المهزومين، وقد أُجبروا على خلع ملابسهم إلا ما يستر عوراتهم، وظهورهم بتلك الصور المهينة عقب دحر انقلابهم، ويستمدون من كل تلك المشاهد جرعات التفاؤل والأمل في خلاصهم من العصابات الانقلابية الحاكمة في بلدانهم.
قبل شهر واحد من الذكرى الثالثة للانقلاب كان الإثيوبيون على موعد مع انقلاب جديد (يونيو 2019) تم دحره في ساعات، وإن كانت المواجهة قاصرة هذه المرة على السلطة وليس الشعب، لكن المهم أن الانقلاب قد وئد مبكرا ليستمر تمتع الإثيوبيين بحكومة مدنية ديمقراطية، ويتجنبون ويلات حكم عسكري بغيض.
وبالتزامن مع الذكرى الثالثة لدحر الانقلاب في تركيا أعلن الجنرال برايوت تشان أوتشا زعيم الانقلاب في تايلاند بنفسه نهاية حكمه العسكري الذي استمر 5 سنوات، وأدت الحكومة التي يقودها اليمين الدستورية أمام ملك تايلاند ماها فاجيرالونكورن يوم الثلاثاء الماضي، لا نستطيع أن نثق كثيرا في تصريحاته “فمن لدغ من الشوربة ينفخ في الزبادي “كما يقولون، ولكن الشعب التايلاندي سيراقب مدى التزامه بوعود ومدى احترامه للقواعد الديمقراطية في تداول السلطة.
وإذا كانت المحاولتان الانقلابيتان في تركيا واثيوبيا قد وئدتا في ساعات، فإن انقلابات أخرى استغرقت سنوات أو حتى عقود، لكن غالبية قادة تلك الإنقلابات الذين استمروا على قيد الحياة دفعوا ثمن جرائمهم بحق شعوبهم، وأصبحوا عبرة ومثلا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
يمكننا هنا استحضار نماذج لأولئك الحكام الذين دفعوا ثمن انقلاباتهم، وكان أحدثهم الرئيس السوداني المخلوع المشير عمر البشير المحبوس حاليا في انتظار محاكمته بعد 30 عاما في الحكم (وقصته معروفة للجميع)، وقد سبقه الجنرال برويز مشرف رئيس باكستان السابق، والذي استولى على الحكم في أكتوبر 1999 واستمر لمدة 9 أعوام، ليجبر على الاستقالة في 2008، وليهرب إلى بريطانيا، ودبي ثم يعود إلى باكستان فيتعرض للسجن.
تتشابه قصة مشرف في بعض جوانبها مع السيسي ذلك أن رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف هو الذي اختاره قائدا للجيش، وأصر على ذلك حين استشعر بعض التمنع منه، لكن مشرف هو الذي أطاح بحكم نواز شريف، وحبسه، ثم أجبره على اعتزال السياسة لمدة عشر سنوات، وخلال سنوات حكمه عمد مشرف إلى تدعيم سلطاته، ومحاولة إضفاء شرعية على حكمه من خلال استفتاءات صورية عامي 2001 و2002، وأجرى تعديلات دستورية تعطيه صلاحيات واسعة منها إقالة الحكومة المنتخبة، وكان في كل ذلك يستند إلى دعم أمريكي كبير بعد انبطاحه الكامل وقبوله العمل وفق الخطط الأمريكية لمحاربة الإرهاب، وفتح أجواء باكستان بشكل كامل أمام الطيران الأمريكي، كما كان أول رئيس باكستاني يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في سبتمبر /أيلول 2005على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومع ذلك لم ينفعه الانبطاح حين تصاعد الغضب الشعبي، وأطاح حزبه في انتخابات 2008، والتي فر بعدها إلى الخارج ملاحقا باتهامات تعطيل الدستور والخيانة العظمى واغتيال رئيسة الوزراء السابقة بي نظير بوتو.
أما في الأرجنتين فإن قائد انقلاب مارس 1976 الجنرال “خورخي رافائيل فيديلا” والذي أطيح به في العام 1983 عقب فشله في حماية جزر الفوكلاند من الاحتلال البريطاني، وعقب تصاعد الغضب الشعبي، فإنه لفظ أنفاسه الأخيرة داخل محبسه في مايو 2013، بينما كان يقضي عقوبة الحبس
تمت محاكمة خورخي فيديلا و8عسكريين آخرين من أركان حكمه وحكم على فيديلا بالسجن مدى الحياة عام 1985 لاتهامه بارتكاب أعمال تعذيب وقتل وجرائم أخرى، وحكم على خمسة من قيادات الجيش بالسجن 25 عامًا.
لم يكن “فيديلا” أقل وحشية من السيسي، حيث قام جنوده بخطف حوالي 500 طفل من أبناء معارضيه السياسيين، وكان خطف وقتل المعارضين منهجًا حيث تعرض لذلك ما يقرب من 30 ألف شخص وامرأة وطفل، وكانت قواته تلقي بهم بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب من الطائرات والمروحيات في نهر “لابلاتا” حتى لا يعثر على جثثهم على الإطلاق، لذا كانت فرحة الأرجنتينيين غامرة حين هلك قائد الانقلاب في محبسه.
وأما قائد انقلاب تشيلي الجنرال أوغستو بينوشيه الذي حكم لمدة 17 عاما قبل الإطاحة به (1973-1990)، فقد قبض عليه في لندن يوم 16 أكتوبر 2002 لتبدأ محاكمته عن جرائمه لكنه مات في 2006 أثناء احتجازه في إقامة جبرية قبل أن يصدر القضاء حكمه عليه، وقد جاءت الوفاة عقب فشل في عمل القلب وتراكم مياه في الرئتين.
لم ييأس التشيليون طوال 17 عاما من حكم بينوشيه، وإذا كان الجنرال القاتل قد تمكن من إخماد المقاومة لحكمه خلال السنوات العشر الأولى عبر سلسلة من عمليات القمع الفظيعة والتي كان ذروتها إعدام عدد من زعماء المعارضة عام 1985، إلا أن المعارضة وحدت جهودها خلال السنوات السبع التالية عبر سلسلة من الإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني لتتمكن من الإطاحة به عقب فوزها بنتيجة استفتاء عام 1988، والذي أعقبه انتخابات رئاسية فازت بها المعارضة عام 1990
اختلفت نهايات قادة الانقلابات العسكرية، لكن النتيجة واحدة وهي انعتاق الشعوب التي عانت من تلك الانقلابات، وتمتعها بحكم مدني ديمقراطي رشيد، يمارس فيه الشعب سيادته بكل حرية، فيختار من يشاء ويقصي من يشاء، ويحاسب من يشاء ويكافئ من يشاء، ويحمي ثروته ومقدراته، وهذه هي سنة الانقلابات فلكل انقلاب نهاية، ولكل ظالم نهاية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
