“العلويون” . أزمة التماهي مع السلطة

بدأ التماهي بين العلوي وبين السلطة ..وخلال سنوات قليلة جداً تحول الجيش الوطني إلى جيش فئوي وتحول العلوي المظلوم إلى رجل أمن يخشاه الشارع السوري من أوله إلى آخره.
بنظرة عاجلة ومتسرعة ربما إلى التاريخ نستطيع القول ولو على سبيل المجاز أنه خلاصة العلاقة بين الظالم والمظلوم، وإذا كان الظالم يدوّن ما يخصه من صفحات التاريخ بلغة العدل والانتصار وتحقيق الإنجازات فإن المظلوم يكتب بحبره السري مظلوميته لينقلها إلى الأجيال التالية التي تعمل على تنقيحها وتعديلها من أجل الحصول على سردية يمكن استثمارها فيما بعد لتحقيق ثأر يخلصها من الشعور بالظلم، وهنا تتداخل الغايات وتتشعب المآلات لينتقل المظلوم إلى كرسي الظالم وتبدأ مظلومية أخرى بالظهور فيما يشبه حالة انعدام للعدل أو على أقل تقدير يحافظ العدل على كونه مجرد شعار.
في زمن ما قبل التاريخ كانت الإمبراطوريات ( الآشورية ـ البابلية ـ الفارسية ) تعمد إلى نوع من التغيير الديمغرافي بين سكان المدن كأن تنقل أبناء حلب إلى الموصل وأبناء الموصل إلى دمشق وأبناء دمشق إلى حماه وهكذا، وذلك بعد أن تنقل الحرفيين المهرة إلى العاصمة، كانت بذلك تضمن عدم قيام تمردات ضدها، وعبر هذا التاريخ وحدهم اليهود من استغل هذه الوقائع خير استغلال لبناء مظلومية تاريخية فيما سمي لاحقاً بالسبي البابلي، ثم أضافوا لها ما تعرضوا له في ألمانيا لصناعة مظلومية مركبة، استطاعوا بفضلها وقوة المال استدرار التعاطف العالمي الذي منحهم فيما بعد دولة قامت منذ يومها الأول على الظلم.
في زمن ما بعد التاريخ قامت الإمبراطورية العثمانية وعلى أسس دينية وأيضا عمدت إلى بعض التغييرات الديمغرافية، وكذلك وضمن سياقها التاريخي قمعت الكثير من حركات التمرد وتخلصت من كل الجماعات المناوئة ونشأت في ظل هذه الظروف مظلوميات كثيرة يهمنا منها مظلومية الطائفة النصيرية التي باتت تعرف فيما بعد بالطائفة العلوية، والتي استثمرها حافظ الأسد بصورة خبيثة جداً فقد استطاع ربط هذه المظلومية بالسلطة التي استولى عليها بانقلابه العسكري وأدخل في ذهن أبناء الطائفة أبدية السلطة وأن خسارتهم لهذه السلطة تعني انتهاء وجودهم على سطح الأرض، صدقه في ذلك الكثير منهم وبدأ التماهي بين العلوي وبين السلطة وبدأت سيرورة الانتقال من موقع المظلوم إلى موقع الظالم وخلال سنوات قليلة جداً تحول الجيش الوطني إلى جيش فئوي وتحول العلوي المظلوم إلى رجل أمن يخشاه الشارع السوري من أوله إلى آخره.
قبل ذلك هل كان الشعب السوري ظالماً منذ استقلاله سنة 1946 حتى صيحته الأخيرة سنة 2011؟
عندما صرخ الشعب مطالباً بالحرية والكرامة وبدولة مدنية عصرية، صرخ في وجهه كل طغاة الأرض، ولطغاة الأرض وسائلهم الخاصة في محاربة هذا الشعب فهم يمتلكون القوة العسكرية، وقوة الإعلام، وقبل ذلك قوة أجهزة المخابرات التي خبرت كل علوم الاجتماع وعلوم تحريك وقيادة الجماعات، فكان التصريح الأول للنظام -الذي بات واضحاً أنه الخيار الوحيد لأمريكا وإسرائيل – هو أن المتظاهرين قوى إرهابية تريد إقامة خلافة إسلامية، وبدأت الأحقاد الباطنية والتاريخية في الظهور فكان أن قرأنا على صفحات الموالين أن هؤلاء المتظاهرين هم أحفاد العثمانيين الذين ذبحونا في حلب، في استثمار رخيص للمظلومية وفي تأكيد على حقهم في (أبدية السلطة) ..
ولم تكن تصريحات لافروف التي تؤكد استحالة تسليم السلطة للسنّة في سوريا بعيدة عن ألحان هذه المظلومية. ومع تدخلات العالم العسكرية على الأرض (أمريكا ـ روسيا ـ إيران ـ تركيا) بات من الواضح تماماً إلى من تتوجه السهام فأكراد أمريكا عدوهم العرب والدواعش وعرب روسيا وإيران عدوهم السنّة فكلهم دواعش حتى الأطفال منهم، أما عرب تركيا فيميلون حسب الميول التركية تارة عدوهم النظام وتارة عدوهم الأكراد. وهكذا يكون السوري قد دخل مظلوميته الجديدة رغم أنه لم يكن ظالماً في يوم من الأيام لكن مشيئة إسرائيل وأمريكا قدرت أن هذا الشعب يجب تفتيته مستخدمة بذلك كل أدواتها من الدول الإقليمية في تحقيق هذا الهدف.
الآن وبعد أن تحقق الهدف الأول (القتل والتهجير) يصر العالم على المضي بمظلومية السوري إلى النهاية فقد بدأت مرحلة (الترحيل) فأبناء دولة لبنان الكبير قد ضاقوا ذرعاً بوجود السوري على أرضهم ولذلك لا يوفر جيش لبنان -الذي يعد ثاني أكبر قوة في لبنان- فرصة إلا وينقض على خيام عرسال حرقاً وقتلاً وتهجيراً فيما أقوى جيش لبناني (حزب الله) يقوم بقتل السوريين في سوريا ويرتكب أبشع المجازر انتقاماً لمظلوميته التاريخية الحسينية فأبناء الشام قتلة الحسين.
أما في الأردن الشقيق فالأمر مختلف جداً، صحيح أننا لا نسمع دعوات إلى ترحيل اللاجئين لكن يكفي أن تلقي نظرة على حياتهم هناك لترى حجم البؤس والشقاء الذي يعيشه النازح. ثم إن رحيل اللاجئين عن الأردن سيتسبب بخسارات مادية هائلة للأردن من خلال ما يتلقاه من دعم عالمي لاستيعابهم فيما هو يعيش منذ تأسيسه على مآسي الشعوب المجاورة (الفلسطيني ثم العراقي ثم السوري)
في بلاد الحرمين والإمارات لا يوجد لاجئين مطلقاً فكل سوري فيهما دخل بشكل نظامي وبعقد عمل ومن تم ترحيلهم من الإمارات كانوا في مجملهم من المعارضة والتهمة غالباً دعم الجماعات الإرهابية حتى لو كانت التحويلة المالية لأبناء أسرهم المنكوبة، أما في السعودية فيكفي الحرمان من التعليم ورفع أسعار الإقامة وزيادة الضرائب ليجد السوري نفسه يرزح تحت دين لا قبل له بسداده أو فليهاجر إذاً.
خاتمة المطاف كانت في تركيا بلد المهاجرين والأنصار حيث ما إن بدأت مغازلة الناخب التركي من قبل حزبي المعارضة والحزب الحاكم حتى بدأت الآفاق تنغلق في وجه السوري وتطالبه بالترحيل ولولا بعض المظاهرات التي قام بها بعض أبناء الشعب التركي ذاته لرأينا أرقام المرحلين أضعاف ما تم ترحيله حتى الآن.
وبعد اكتمال فقه المظلومية على السوري أن ينتظر طويلاً حتى يتسنى لهم حشد ما يكفيه من التعاطف العالمي كي يرفع عنه الظلم، في ظل غياب أي بادرة تسمح لأحراره بتشكيل جسم سوري وطني حقيقي يدافع عن أهله بإخلاص بعيداً عن أجندات غريبة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
