جرائم الشرف في الواقع والأدب

ليست إسراء غريب الأولى ولا الأخيرة التي يقتلها أهلها غسلا للعار وحفاظاً على الشرف.
في سوريا تفاقمت هذه الظاهرة مع ارتفاع نسبة العنف والقتل بعد اندلاع الثورة السورية، ففي مدينة السويداء جنوب سوريا سجلت عدّة جرائم صنّفت تحت بند جرائم الشرف.. أب قتل ابنته لأن إدارة المدرسة أرسلت تستدعيه وتخبره أن ابنته تغيبت عن المدرسة وشوهدت في السوق مع “زميلة” لها. قتلها ببندقيته قبل أن يصل إلى البيت ورماها في الطريق.
زوج يقتل طليقته، أخوة يجتمعون على قتل أختهم، وشاب قتل أخته وصوّر الجريمة وهو يطلق عليها الرصاص من رشاشه! والسبب صورة أنزلتها على الانستغرام.
ومن الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب تنتشر هذه الجرائم متجاوزة حدود سوريا لتمتد من المغرب وموريتانيا إلى الهند وباكستان، مجرمون صنعتهم الثقافة الشعبية وعجزت الأديان السماوية عن محاربة هذه العادة التي تربط الشرف بجسد المرأة، ومعروفة الشروط التعجيزية التي وضعها الدين الإسلامي لإثبات حالة الزنى فقد اشترط أربعة من الشهود شاهدوا المرود في المكحلة. فمن أين جاء اليقين لهؤلاء بأنّهم ينفذون حدود الله؟
حفلت كلاسيكيات الأدب العربي بالحديث عن جرائم الشرف وأبرز ما كتب في اعتقادي هي رواية نجيب محفوظ “بداية ونهاية” فقد قدّم نجيب محفوظ شخصية إشكالية “نفيسة” البنت اليتيمة التي تضطر للعمل خيّاطة لتنقذ أسرتها من الفقر المدقع والتي بكت في البداية وهي ترى نفسها مهانة لأنها ستعمل في هذه المهنة التي تعتبرها أقلّ من مستواها الاجتماعي، نفيسة نفسها اتجهت لامتهان الدعارة، وانتهت على يد شقيقها الضابط الذي كانت تطلعاته كبيرة لمصاهرة الأكابر والخروج من طبقته الاجتماعية التي نشأ فيها.
يُفاجأ حسنين الأخ المدلل الذي أصبح ضابطا بأن أخته نفيسة تمتهن البغاء فيقودها إلى النيل ويجعلها تنتحر.
عملياً قتل حسنين أخته لكن من دون تلويث يديه بدمها.. دفعها للانتحار ثمّ شعر بالذنب وانتحر هو أيضاً!
وكذلك فعلت نساء القرية في رواية ممدوح عزام “معراج الموت”. تبدأ الرواية بوصف القبو المظلم الذي حبست فيه سلمى وهي تعاني سكرات الموت. لقد سجنها عمها “صياح” وهو زعيم عشيرة الذيب وذلك عقاباً لها على جريمتها. الجريمة التي اقترفتها سلمى تتكشف تفاصيلها مع التوغل في السّرد والرجوع إلى البدايات.
أحبّت سلمى شاباً وهربت معه لاجئة إلى شيخ عشيرة طالبة حمايته، لم يستطع الشيخ حماية الشابين وقام بتسليم الفتاة إلى أهلها الذين أوكلوا أمرها إلى عجائز العائلة، فحبسوها في قبو معتم وكانوا يقدّمون لها الخبز معجوناً بالزجاج المطحون لتأكله..
بقيت سلمى تعاني من تمزق أمعائها والآلام الرهيبة لتقطع أحشائها حتّى فارقت الحياة، وبذلك شفى أهلها غليلهم منها وأزالوا العار الذي ألحقته بهم.
كلتا الروايتين مأخوذتين _بحسب الروائيين_ عن قصة واقعية، قام نجيب محفوظ بتحويل القصة الواقعية إلى رواية عرّت المجتمع في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية حيث تدور الأحداث في منتصف الثلاثينيات.
وأيضاً _وبحسب ممدوح عزام_ فقد قامت أسرة في ريف السويداء بقتل ابنتها بهذه الطريقة الوحشية المبتكرة لأنّها أحبّت شاباً!
الحبّ هو السّبب إذن؟
الحبّ الذي دفع الشابة الجامعية “هدى أبو عسلي” إلى الهرب مع شاب أحبته من خارج طائفتها، والتي استدرجتها عائلتها بإيحائهم لها أنّهم سامحوها، فبلعت الطعم وجاءت لزيارة أمّها، عادت إلى حضن أمها حيث ذبحها أخوتها وأطلق الجيران الزغاريد فرحاً.. لقد أقاموا عرساً حول جثتها!
في روايته “سرمدة” يتابع فادي عزام قصة فتاة تشبه هدى يقوم أخوتها بملاحقتها حتّى يقبضون عليها ويشتركون في قتلها.
ربما تكون رواية طه حسين “دعاء كروان” من الروايات الكلاسيكية الرائدة التي تحدثت عن جرائم الشرف وقد تحولت إلى فيلم قامت ببطولته فاتن حمامة وبقي في أذهان الناس طويلا.. مقتل هنادي بطلة الرواية ، القصة المكررة في واقع الريف المصري والسوري ومعظم أرياف الوطن العربي.
لم يقتصر تناول قصص جرائم الشرف على الأدب العربي بل نجده في جميع آداب الأمم الأخرى.
في الأدب الأمريكي كتب عرّاب الرواية الأمريكية اللاتينية “ماركيز” رواية “قصة موت معلن” التي تناول فيها جريمة قتل سانتياغو نصار “الشاب من أصل عربي”. فقد ادّعت أنجلينا بعد زواجها واكتشاف زوجها أنّها ليست عذراء بأنّ سانتياغو هو من اعتدى عليها وذلك بهتانا وزوراً لتحمي حبيبها الذي بقي مجهولا حتى نهاية الرواية. وقام أخوة أنجلينا بالثأر لشرفهم بقتل سانتياغو.
الملفت للنظر هنا أنّ الانتقام حدث من الرجل وليس كما هو معروف في شرقنا ارتباط الشرف بالمرأة وقتلها غسلا للعار.
وفي رواية أليف شافاك “شرف” تتحدث عن عائلة كردية تخرج من تركيا إلى لندن وبتغير المجتمع تتغير العادات والتقاليد وتحاول العائلة الاندماج في الحياة الغربية بكلّ تفاصيلها لكن الصبي لم يستطع التخلص من إرثه الاجتماعي الذي حمله معه إلى الغرب فقتل أمّه غسلا للعار!
في نهاية المطاف كل ما يحدث على هذا الغرار فهو جريمة قتل عمد وعن سابق تصور وتصميم لكن الخدعة التي نضحك بها على أنفسنا هي إلصاق كلمة (شرف) لنبرّر للقاتل فعلته ويزداد الأمر خداعاً عندما نخاطب وبشكل خبيث عواطف الناس الدينية فنقول عن هذا المجرم: لقد أقام حدود الله وبذلك نضفي عليه براءة لم يكن يحلم بها، براءة كفيلة بأن تخفف عنه حتى الشعور بالذنب. أما آن الأوان لكشف هذا الخداع والزيف فالشرف هو الحق والعدل وليس جسد المرأة، والدين الإسلامي أسمى من أن يمنح مجرماً صك براءته.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
