انشقاقات الجاميّة؛ بذورٌ في التّكوين وإسفافٌ في الخطاب

 

بذور الانشقاق الذّاتيّة

قد يكون من الطبيعيّ أن تحدث انشقاقاتٌ في التيارات والجماعات الكبيرة، وهذا يكون عادة نتيجة للتدافع الفكري داخل صفوف الجماعات أو للتنافس الشخصي والتشّاكس الذّاتي والانتصار للنفس في أحيان كثيرة.

والانشقاقات بهذا المعنى ليست حالةً صحيّة أبدًا لكنّها انعكاس للطبيعة البشريّة فلا تكون بالضّرورة تعبيرًا عن فساد منهج الجماعة أو التيّار أو الحزب.

غير أنَّ هناك نوعًا من الانشقاقات يعطي مؤشّرات مهمّة عن طبيعة المنهج الفكري الذي تتبعه الجماعة مما يجعلها تحمل في تكوينها بذور الانشقاق.

وعند التفرّس قليلًا في أحوال الجاميّة المدخليّة نجد أنَّ الانشقاقات التي حدثت في الجماعة من حيث الكمّ والكيف ومنهجيّة التعامل اللاحق لها تؤكّد بأنّها انشقاقات متعلّقة بالبنية المنهجيّة لهذا التيّار، كما تؤكّد على أنّ الجاميّة تحمل في ذاتها بذور الانشقاق عنها وبذور الشّقاق بين أفرادها.

انشقاق فالح الحربي

الشيخ فالح الحربي هو أقرب تلاميذ ربيع المدخلي إليه، وبقي ملازمًا له كظلّه أكثر من 35 عامًا.

وقد كانَ يذبّ عنه ويستميت في الدّفاع عنه، وقد ألفّ في ذلك كتابه الشّهير “صدّ العدوان الشّنيع عن فضيلة العلّامة الشيخ ربيع”.

وكان يجلّه إجلالًا منقطع النّظير، ويكرّر لتلاميذه قوله عن الشّيخ ربيع المدخلي: “لا خير فيكم إن لم تسمعوا له”، كما كان يقول عنه دومًا:” إنّه أعلم النّاس بالمنهج”.

ولكن سرعان ما تحوّل الصّديقان إلى عدوّين لدودين، يشتمان بعضهما على المنابر المختلفة، ويكيلان لبعضهما أقذع التّهم، فألّف نافع الحربي عددًا من الكتب في مهاجمة شيخه ربيع المدخلي منها “القولُ الجليّ في كشف إرجاء المدخليّ” يقول في مقدمته:

“والذي أدين الله تعالى به أنّ ربيعًا المدخليّ على عقيدة المرجئة، فهو من أهل البدع وليس سلفيًّا ولو زعم التمسك بمنهج السلف”

كما ألفّ كتابًا أسماه “النّقض المثالي في فضح مذهب ربيع المدخلي الاعتزالي” يقول في مقدّمته:

” ومن هذا النّوع الذي يتكلّم بلا علم ولم يلتزم نصوص الشّرع أو يرجع إلى أصول الدّين وقواعده العظيمة المتينة ربيع المدخلي الذي ضل وأضل وفُتِن وفَتَن ولا يزال يفتح أبواب الشّر والفتنة ويوقع النّاس في الشكّ والالتباس في أصول دينِهم فضلًا عن الفروع، وهو إمّا أنّه يفعل ذلك عن سوء اعتقاد وجهل وإمّا لاختلال عقلٍ وخرف”

ولكَ أن تعبّر عن بالغ اندهاشك وأنت تقرأ ما يقولُه فالح الحربي عن شيخه الذي لازمه عقودًا من الزّمن، ومن ذلك قوله:

 “المدخليّ يقول كلامًا ويؤلّف كتابًا، بل كتبًا ونشراتٍ، لحمتها وسداها البغي والهوى والحقد والحسد والضغينة والجهل وقلب الحقائق وتكذيب الحقّ وقول الباطل وتأييده والتكفير بما لا يقبله خلد عاقل”

وكذلك قوله: “إنّه من المفترين، إنه صانع المؤمرات الخبيثة، إنّه من أهل الباطل والتّشويش، إنّه حقود متهوس، إنه يستبيح ما حرّم الله من أعراض النّاس، إنّه شديد البغى عظيم التّلبيس، إنه متّسع الذّمة، إنّه من أرباب الهوى، إنّه مستخفّ بعقول النّاس، الرّجل المفتون، إنّه كذّاب، إنه ممن يتبّع سبيل المجرمين”

ومن الطبيعيّ أن يردّ ربيع المدخليّ على هذا التلميذ الذي يراه ضالًّا منشقًّا عن جادّة الحقّ والصّواب، فألّف العديد من المقالات في الرّد على فالح الحربي منها “النّهج الثّابت الرّشيد في إبطال دَعَاوَى فالح فيما سماه بـ “إشراع الأسنة” و”التحقيق السديد”، وكذلك كتبَ “أصول فالح الحربي ومآلاتها”، وكذلك “ردّ الصّارم المصقول إلى نحرِ شاهرِه المخذول الجاهل العابث بالأصول؛ نقد لفالح الحربي”.

وانشقت الجاميّة بين مؤيّد لربيع المدخلي وآخر مؤيّد لفالح الحربي وكان من أكثر المؤيّدين لفالح الحربي الشيخ فوزي الحميدي البحريني الأثري الذي كان مقرّبًا أيضًا من الشّيخ ربيع المدخلي؛ فألّف العديد من الكتب من أشهرها “كشف أكاذيب وتحريفات وخيانات ربيع المدخلي الموصوف زورا بالعلامة، بل نعامة” وكتاب “انقضاض أسد الغابة لنهش المدخلي لطعنه في الصحابة”

وهنا استلّ ربيع المدخلي قلمه وردّ على فوزي الأثري بكتب عدّة منها ” كشف أكاذيب وتحريفات وخيانات فوزي البحريني الموصوف زورًا بالأثري” ومجموعة مقالات عنوانها “البيان لما اشتمل عليه البركان وما في معناه من زخارف وتزيين الشيطان؛ رد على فوزي البحريني المنعوت زورًا بالأثري”

“الحداديّة” والخروج على الجاميّة

ومن أبرز نماذج الانشقاقات بروز فرقة الحداديّة التي تنسب إلى الشّيخ محمود أحمد الحداد وهو مصري أتى إلى السعوديّة والتحق بالجاميّة المدخليّة ثمّ انقلب عليهم لأنّه يرى أنّهم يقعون في الازدواجيّة في التّعامل مع أهل البدع.

فبناء على وجهة نظره فإنَّ ربيع المدخلي يحارب الأشاعرة المعاصرين ويجلّ الأشاعرة الأقدمين ويأخذ بأقوالهم، والأصل أن يتمّ التعامل مع المعاصرين والأقدمين بالمنهج ذاته ولذلك أعلن محاربة الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي على سبيل المثال ودعا إلى حرق كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني وحرق كتاب شرح النووي على صحيح مسلم لأنّهما من تأليف رجلين أشعريَين ضالّين!!

واحتدمت المعركة بين المداخلة والحداديّة، وألّف ربيع المدخلي العديد من الكتب والمقالات في الردّ على الحداديّة منها “المقالات الأثريّة في الردّ على شبهات وتشغيبات الحداديّة” وكتاب “مجازفات الحدّاد”

“الحجوريّة” وانشقاقات تترى

أمّا الحجوريّة فتنسب إلى الشيخ يحيي الحجوري وهو تلميذ الشّيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي أسس دار الحديث في دماج في اليمن بعد عودته من السّعوديّة على إثر قضية جهيمان العتيبي.

وكانت دار الحديث مركزًا لنشر الفكر الجامي المدخلي وتربى الشّيخ يحيى الحجوري على يديه ونهل منه الفكر الجامي، غير أنَّ الحجوري سرعان ما انقلب على المدرسة الجاميّة ودخل في معارك شرسة معها يسانده في ذلك الشّيخ الأردني علي الحلبي والشيخ المصري أبو الحسن المأربي اللذان انقلبا على الجاميّة أيضًا.

وقد هاجم الشّيخ ربيع المدخلي الحجوريّة وشيخهم يحيى الحجوري فمما قاله: “أضرّ النّاس بالدّعوة السلفيّة، لا أحد أضرّ من يحيى”

وكانت المعركة بين المداخلة والحجوريّة في غالبها عبر الإصدارات المرئية والتسجيلات المسموعة.

ولربما يحسب الناظر في ظاهرها أنها خلافات علميّة، لكنها تخفي وراءها خلفيّات تظهر بين الفينة والأخرى وتشير إلى خلفيّات أخرى للصراع، ومن ذلك ما يذكر الشيخ يحيى الحجوري أنّه سبب تحذير ربيع المدخلي منه فيقول في محاضرة مرئية: “صهر الشيخ ربيع يعمل في المخابرات وقد طلب مني العمل معهم فقلت لهم: لن أبيع ديني”

ثمّ سرعان ما تفتت الحجوريّة إلى أكثر من أربع عشرة فرقة إثر انشقاقاتٍ كبيرة أبرزها فرقة عبد الرحمن العدني وفرقة خالد الغرياني اللذين وقعت بينهم وبين الحجوري ملاسنات واتهامات شنيعة وقد كانوا من أقرب المقرّبين إليه

منهجيّة بائسة وخطاب مسفّ

هذا النّماذج في الشّقاق والانشقاق تُقاس عليه عموم الانشقاقات ـ وما أكثرها ـ في منهجيّة التعامل وآليات المواجهة ومستوى الخطاب.

فالانشقاقات ليست حالة عرضيّة عند الجاميّة بل هي في صميم تكوينها الفكري تحمل بذور الشّقاق بين مكوناتها ودوافع الانشقاق عنها الذي يتسم دوما بالفجور في الخصومة والسباب والشتائم والولوغ في الأعراض؛ ثمّ يريدون إقناعك أنّهم على منهج سلف الأمّة!!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه