شارع “محمد علي”!

الاغتيال المعنوي عملية قديمة قدم البشرية ويمكن اختصارها في وصم من يراد اغتياله بأقبح الصفات ونعته بأسوأ النعوت وعادة ما تكون كافة هذه النعوت غير حقيقية، وقد رصد القرآن مثل هذه العمليات في العديد من المواقف التي دارت بين الرسل وأقوامهم إذ كان قادة الرأي العام عادة ما يبدؤون حملتهم ضد الرسل والأنبياء برميهم بأسوأ الخصال ووصفهم بما ليس فيهم، وعلى سبيل المثال فقد وصف كفار قريش النبي محمد بأنه كاهن أو ساحر أومجنون أو به مس من الشياطين “وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ” (الصافات-36)..
” كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (الذاريات-52).. “وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ” (الحجر-6).
الاغتيال المعنوي أحد أهم أسلحة الحرب النفسية والمعنوية في الوقت الراهن وخصوصا في مجال التنافس السياسي على غرار ما جرى وما يجري في مصر من اغتيال معنوي تبعه اغتيال جسدي للدكتور محمد مرسي، أول رئيس منتخب عبر تاريخ مصر، وما جرى مع جماعة الإخوان المسلمين، ومؤخرا ما يجري مع ثورة يناير 2011 والتي تتعرض لعملية اغتيال معنوي يقوم به الجنرال المنهوك عبد الفتاح السيسي منذ انقلابه في 3 يوليو 2013.
وعلى مستوى الأمم والدول تقوم حروب اغتيال معنوي لأمة أو أمم مثلما جرى ويجري ضد الأمتين العربية والإسلامية؛ فالأولى اتهمت بالبربرية والتخلف، والثانية تتهم بأنها أمة إرهابية.
غالبا ما تؤتي مثل هذه الحملات أكلها لبعض الوقت ويتأثر بها عدد لا بأس به ممن يعيشون زمن هذا النوع من العمليات أو الحروب، وعادة ما تتأثر مشاعرهم ونظرتهم وبالتالي قراراتهم تجاه من يتعرضون لهذه الحملات، لكن وكما تعلمنا من التاريخ والقرآن الكريم فإن الزبد يذهب جفاء.
بعد ست سنوات من الانقلاب وما سبقه وما تلاه من حرب اغتيال معنوي للثورة والإخوان والرئيس الشهيد محمد مرسي ها نحن اليوم نتابع عن كثب ما يجري على الساحة المصرية من عملية اغتيال معنوي مستحق وآخر مبتذل بين المقاول محمد علي والجنرال السيسي ، فقد نجح المقاول الفنان في أول عملية اغتيال معنوي مستحقة للجنرال السيسي الذي أفلت من العديد من محاولات اغتياله المعنوي بفضل آلته الإعلامية الضخمة وبفضل مجموعات المصالح في الداخل والخارج والتي نجحت في الدفاع عنه رغم أن كل ما قيل في حقه حقيقي وصادق باعترافه هو نفسه يوم السبت الدامي 14 سبتمبر 2019.
نجح محمد علي بهاتفه المحمول وبخزانة أسراره المملوءة بما لذ وطاب عن قائد وقادة الانقلاب في تعرية الجنرال ووضعه في “خانة اليك” لدرجة أن السيسي اضطر وبغباء شديد أن ينزل إلى شارع محمد علي ويعرض نفسه للإهانة وليؤكد وبكل بلاهة حقيقة ما ذكره محمد علي في حقه وفي حق الجنرالات الفسدة.
حاول إعلام السيسي اغتيال شخصية محمد علي لكن الأخير كان أكثر ذكاء حين تحدث مبكرا عن عيوبه ومثالب شخصيته وبأنه مواطن تعاون مع الفاسدين؛ ولكن ربما حانت لحظة التوبة والندم فقطع بفطرة المواطن المصري البسيط كل طريق على أزلام السيسي، وعلى السيسي نفسه الذي لم يجد ما يرد به على حقائق محمد علي إلا السهوكة واستعطاف الرأي العام والتبجح وإظهار القوة التي خذلته وخانته في ذاك اليوم المشهود.
لم يستطع السيسي أن يرمي محمد علي بشئ مما رماه به أزلامه قبل يوم السبت الدامي لأن كلامه مردود عليه قبل أن يتفوه به.
اغتال محمد علي السيسي بقلم وورقة وخبرة السنين وبدعم ودفع من مجهولين ربما يكشف التاريخ عنهم لاحقا، ولكن وبدون أدنى شك فإن محمد علي أخرج السيسي من قصوره وأظهر بالفعل قصوره وعيوب الشخصية defaults التي لا يعرفها إلا القليل من أجهزة الاستخبارات العالمية، فالجشع والرغبة في السيطرة وما نسميه دناءة النفس قد أخبرنا عنها جميعا محمد علي بتلقائية شديددة، وهو يذكر لنا طلبات الست انتصار ورفضها النوم على سرير الست سوزان وهو كلام لا أتصور أن أجهزة استخبارات عالمية كان من الممكن أن تقوله أو تصفه أو تصل اليه لكن محمد علي فعل.
بلغة أولاد البلد وباختصار فإن محمد علي الفنان استدرج (نصب له كمين) الجنرال الذي ادعى يوما ما إن كل أجهزة الاستخبارات العالمية تسمع منه وتستمع اليه، استدرجه إلى الحارة المصرية المشتاقة ومنذ زمن إلى هذا النوع من المصارعة بين الرجل البسيط والآخر الذي يظن نفسه قويا مثل “عنتر”.
خالف السيسي رأي مستشاريه وفضحهم بكل وقاحة على الملأ وقد نصحوه ألا يذهب إلى ملعبه فالشارع الغاضب لن يهتف لك بعد الآن ، والناس البسطاء قد أدركوا حقيقة موقفك وجشعك وأسرتك وعدم احترامك لجثمان أمك يوم أن ماتت فتركتها في ثلاجة الموتى، ثم إن محمد علي ليس لديه ما يخسره فهو لم يدعي أنه شريف مكة ، كما أنه نجح في إخراج أهله وأمواله معه( يعني ليس وراءه ما يخاف عليه ) ، لكن الجنرال المعتوه لم يقتنع بما قالته الأجهزة وظن وهما أن لديه رصيد فترك لنفسه العنان وراح يتحدث بكل أريحية حتى أسقطه لسانه فاعترف بما قاله محمد علي، ولم ينكره ولما أدرك أنه سقط في الفخ حاول وحاولت الأجهزة ولكن سبق السيف العذل .
الصراع بين السيسي الجنرال القاتل والفاسد وبين الفنان المقاول الذي لم ينف عن نفسه الفساد الشخصي حسم لصالح الفنان الذي واجه السيسي على ملعبه وبين جمهوره وقام بتعريته بعد أن اغتاله معنويا وبطريقة بسيطة، ووضع السيسي بين خيارين كلاهما مر، إما أن يرد عليه وفي هذا كانت هلكته كما رأينا أو يسكت عنه حتى حين وفي ذلك فضيحته!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
