مصر: حراك الفيديوهات والأصوات الجديدة

 

أصعب رهان هو الذي يتعلق بالسياسة الفوارة وأحداث الشأن الجاري، إنه الرهان المستحيل، فالفعل السياسي مفتوح دون نهاية للمسار.

والسياسة فن المفاجآت، وهي لعبة كل التوقعات، والاحتمالات، حتى الأكثر استبعاداً، ورغم أن السياسة هي خطط الغرف المغلقة، والاجتماعات السرية، إلا أن سيولة الأحداث، وتطوراتها الدراماتيكية، قد تُسقط كل الخطط والحسابات السرية.

هل كان أشد المتفاءلين بالتغيير يتوقع ربيعاً عربياً يطيح بحكام اعتقدوا أنهم باقون حتى آخر نبضة في قلوبهم؟!.

من سيقول إنه توقع ذلك فهو مدعٍ ومخادع وطفولي.

 بوعزيزي عندما أشعل النار في نفسه، لم يكن في ذهنه إشعال ثورة بعود ثقاب، كان يقوم بأشد فعل احتجاجي، وهو التضحية بالنفس، والتونسيون الذين بدأوا يخرجون، ويتزايد عددهم يوماً بعد يوم، للتعبير عن الغضب لأجل بوعزيزي وأوضاعهم لم يكن في مخيلتهم إسقاط الديكتاتور بن علي، هذا الهدف تبلور فيما بعد، عندما التئم الغاضبون في حركة جماهيرية منظمة.

تماماً، كما حدث في مصر، البلد الثاني في الربيع العربي، فالتجمع الشبابي في ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011 كان عملاً احتجاجياً رمزياً ضد سلوك أجهزة الأمن، ولم تكن فكرة إسقاط مبارك واردة، لكن كرة الاحتجاج بدأت تكبر وتتدحرج، مثل كرة الثلج، حتى صنعت الهدف، وهو الشعب يريد إسقاط النظام.

الاستخفاف بالمظاهرات

 والسياسة عندما تتسم بالغباء فإنها تصبح السيف الذي يقطع رقبة صانعها، حدث ذلك مع بن علي الذي استخف بالمظاهرات وحاول قمعها، وتكرر الأمر نفسه مع مبارك، وواجه علي صالح في اليمن، والقذافي في ليبيا، المصير نفسه، حتى وإن اختلفت طبيعة النهايات، وإذا كان الأسد الابن فعل في سوريا ما لم يفعله نظرائه من مجازر فإن وجوده في السلطة مثل خيال الظل، فالقرار للدول المحتلة لأراضي بلاده.

كل هذه الأحداث الرهيبة لم تكن متوقعة، ولم ترد في قائمة احتمالات أوراق الدراسات السياسية المغرقة في التفاؤل بالتغيير بغض النظر عن انكسار هذا التغيير فيما بعد، باستثناء النموذج التونسي..

 وهذه هي السياسة التي استحال على أجهزة الاستخبارات للدول الكبرى التنبؤ بمساراتها حتى في لحظات اشتعال الثورات، فقد كانت الرهانات الرسمية، وفق تصريحات فرنسية وأمريكية، أن وضع بن علي، ثم مبارك بعده مستقر، لكن الشعوب فرضت على عواصم الدعم للديكتاتور أن تغير مواقفها، وتتخلى عنه.

الحسابات الظاهرة للسياسة كانت تقطع بنهاية الربيع للأبد، بعد استعادة الاستبداد والسياسة القديمة لوجودهما بالقوة المفرطة، وسرت فكرة يائسة بأن ما جرى في 2011، وما أعقبه من انتكاسة شبه شاملة، جعلت الشعوب تتخلى عن إرادة التحرر، مستسلمة لرغبة الاستقرار، ولو تحت حكم مستبد غاشم.

إلا أن المفاجآت المذهلة للسياسة جعلت الأنظار تتجه إلى بلدين كان مستبعد التغيير فيهما، هما السودان والجزائر، ففي الأولى رسخت الديكتاتورية الدينية العسكرية دولتها، وفي الثانية رسخت الديكتاتورية المدنية المدعومة عسكرياً دولتها أيضاً، لكن لا مستحيل مع شعوب حرة أسقطت بوتفليقة والبشير في 2 و11 أبريل الماضي على التوالي.

وهذا الحدث كان انقلاباً في حركة السياسة وحساباتها التي لا يمكن الإمساك بها، أو اليقين بقراءتها بدقة، وفي وقت حراك الشعبين كانت مصر التي مرت بدراما سياسية غاية في الإثارة والغرابة تُجري استفتاء على تعديل دستور عمره أربع سنوات فقط لتكريس الحكم المطلق مرة أخرى، وإنهاء بصيص الأمل في الديمقراطية وتداول السلطة سلمياً.

خارج التصور

مصر تقدم كل ما هو خارج التصور في لعبة السياسة، كل الاحتمالات تنهار أمام حركة دائبة تهدأ ثم تشتعل، إذ بعد ثورة عظيمة أذهلت العالم، جاءت التطورات في اتجاه بناء ديمقراطية ناشئة فقذفت بالتيار الذي لم يكن يجب أن يتصدر المشهد بهذه السرعة والحماقة حتى لو كانت صناديق الانتخابات قررت ذلك، وهو تيار الإخوان المسلمين، لأن مبررات العصف بهم وبالتجربة الديمقراطية في ظل حكمهم أيسر كثيراً من العصف المماثل بنظام آخر ليس منهم، ولا خلفية إسلامية له.

وهذا ما تحقق بالفعل في برلمان إخواني إسلامي استمر 6 أشهر فقط، وتم حله بقرار للمحكمة الدستورية، ورئاسة لم يمكث فيها مرسي والإخوان إلا عاماً واحداً فقط، وتم عزلهم، ومعهم تمت الإطاحة بالديمقراطية ذاتها.

وحتى المطلب الوحيد لـ 30 يونيو 2013، وهو انتخابات رئاسية مبكرة، لم يتحقق، فقد تغير المسار في اتجاه عكسي لما كان مأمولاً من الخروج للشوارع لحماية الديمقراطية الناشئة من هواجس مصادرة الإخوان لها..

وتم مصادرتها بالفعل، وعلى عين القوى المدنية، عدو الإخوان، التي تصدرت مشهد الخلاص منهم، ومنحت المشهد الجدلي شرعية سياسية، وسحبت معها فئات شعبية تثق في خطابها، وسوغت التغيير دولياً، ثم خرجت من اللعبة كلها، ثم هي تُعاقب الآن مثل الإخوان.

اهتزاز كرسي الحاكم

بعد ست سنوات من حكم السلطة الجديدة والسيطرة على مفاصل الدولة بقبضة من حديد، والسعي لتكريس شرعية انتخابية لمرتين (2014)، و(2018)، واستفتاء دستوري في (2019)، وبعد رحيل مرسي عقدة الشرعية وورقة الإخوان التي كانوا يرفعونها دوماً، وبعد أن اعتقد الحاكم أن مصر دخلت في عهد جديد، هو عهده، الذي سيستمر حتى 2030، وإذا طالت الأعمار بعد هذا التاريخ فلكل حادث حديث، يقع ما لم يكن يتصوره كثيرون في رهانات السياسة التي يصعب ضبطها أو تحديدها نهائياً، وهو اهتزاز كرسي الحاكم، وارتباك في النظام، كما لم يحدث من قبل، ليس بسبب المعارضة التقليدية في الخارج أو الداخل، إنما لنوع جديد من المعارضة ينمو تدريجياً، ويبرز منها بشكل مفاجئ مقاول وممثل اسمه محمد علي تحدث في فيديوهات عن إنفاق المال العام في مشروعات لا ضرورة لها، ولا تستقيم مع شعار السيسي بأن مصر دولة فقيرة جداً، وتناقض الشكوى الدائمة من ضيق ذات اليد، وتنافي دعوات تحمل الشعب لمصاعب الحياة ونتائج القرارات الاقتصادية.

فيديوهات محمد علي

 فيديوهات محمد علي الذي يعمل مع المؤسسة العسكرية والنظام في الانشاءات، والجدل الهائل الذي أحدثته، وما استتبعه من ظهور أصوات متزايدة – كانت مختفية، أو لم تكن معروفة – تنتقد وتهاجم النظام، وتتحدث عن أمور في ملفات مهمة لإقناع الشعب بأن النظام ليس مثالياً كما يدعي، وأن سوء الأوضاع ليس ناتجاً عن ضعف الموارد، إنما عن ضعف القدرات، وإساءة توظيف الموارد، هذه الحالة مختلفة وجديدة على ساحة السياسة وأحداث الشأن الجاري التي تتسم بالكلاسيكية والجمود منذ سنوات.

ما يجري اليوم يمكن تسميته بحراك الفيديوهات والأصوات الجديدة لنوع آخر من المعارضة جزء منها قد لا يكون عفوياً، مثل محمد علي، بل غالباً هناك خطة ورائه، وربما من داخل النظام نفسه، أو من أجنحة مستبعدة منه، والجزء الآخر مبادرات فردية من شخصيات تجرأت لمّا وجدت رسائل المقاول تحقق انتشار وجدلاً غير مسبوقين.

القبضة لا تخيف دائماً

 ومن حيث كان التصور أن الأوضاع استقرت تماماً فإن المعارضة التي لم تكن في الحسبان تسببت في التوتر، وأكدت أن القبضة لا تخيف دائماً، وكشفت تراجع الشعبية، فقد بدأ السيسي مسيرته بشعبية واسعة، بغض النظر عن طبيعة التغيير في 3 يوليو، ونهج التعامل مع الإخوان، ومع نمط الحكم المغلق وأجواء الخوف العام، والمعالجات القاسية للملف الاقتصادي والاجتماعي، وما يُقال عن إنفاق مليارات على بناء فنادق وقصور وفيلل واستراحات رئاسية دون الحاجة لها، فإن الصورة المرسومة بعناية وبجهد وتركيز تشوشت وتعرضت للخدوش والخروج من هذه الحالة بحاجة لعمل وجهد كبير، وسياسة عكسية تختلف جذرياً عن السياسة الحالية وعنوانها الإصلاح الشامل، واستعادة المسار الديمقراطي.

ما يحدث في مصر منذ أيام، بغض النظر عن توظيفاته وإفرازاته ونتائجه، لم يكن متوقعاً، وهو يؤكد فكرتنا بأنه لا ثوابت حاسمة في السياسة المتحركة بهدوء ومكر مثل الرمال المتحركة التي يستحيل السيطرة عليها.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان