حياء المرأة وعواقب تشويه المفهوم

“تفقد المرأة حياءها ثلاث مرات، مرة إذا حاضت، ومرة إذا تزوجت، ومرة إذا ولدت”
هو واحد من الأقوال الشائعة التي تتناول مسألة الحياء لدى النساء، والحياء لدى المرأة وفق هذه الأقوال مرتبط بشكل رئيسي بعلاقتها مع الرجال، فهي حيية كلما كانت أكثر انعزالا عن الرجال، وقليلة الحياء لو خالطتهم، بل إنها تبدأ بفقدان حياءها عند البعض بمجرد البلوغ، وهكذا يصبح الحياء هنا مفهوما جنسيا بحتا.
ويتحدث البعض عن حياء المرأة كما لو كان يتحدث عن رصيد في مصرف، تستطيع المرأة أن تصرف منه دون أن تودع فيه للأسف، فكثيرا ما نسمع عن فقدان المرأة التدريجي لحيائها، فهو يتناقص إذا خرجت من البيت، وإذا دخلت الجامعة، وإذا خالطت الرجال في العمل، حتى تصل المرأة وفق هذا الفهم إلى خسارة ثروة الحياء التي لا تعوض، خاصة عندما يكون الحياء في نظر البعض كالزجاج الرقيق، يخدشه أبسط موقف.
والحياء وفق ابن حجر “هو خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ”، وهذا المعنى بعيد كل البعد عن المعنى المبدَّل للحياء الآن.
أما الحياء في السُّنة فقد عرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقى معانيه وهو الاستحياء من الله سبحانه: “أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء”
ولكن الحياء تحول الآن إلى خُلُق خاص بالنساء فقط، فإنك لا تكاد تسمع كلمة “حياء” إلا وتدهمك آلاف المواعظ التي تطيل الحديث عن حياء المرأة، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك حين اختصروا الأنوثة كلها بالحياء، ولكنه لديهم الحياء ذو المعنى الجنسي، الذي يطرب لسماع أحاديثه الرجال. وهكذا استبدلت بهذه القيمة الخلقية الرفيعة، تصوراتٌ جنسية عن المرأة في أذهان الرجال، مرتبطة بالبكارة والجهل الجنسي والضعف الجسدي والنفسي أمام الرجل، ثم أُلبست هذه التصورات لباسا دينيا، لتخرج على هيئة مواعظ دينية تتلى على أسماع النساء والرجال ليل نهار، وتشوه مفاهيم الأنوثة والحياء في نفوسهم.
أما الحياء الجنسي المُشتهى، فهو شعبة صغيرة من الحياء، لا يجب أن تبديه المرأة إلا أمام الزوج، لأن فيه معاني الإثارة، واستحضار تناقضات الأنوثة والرجولة، وهذا مما لا يصح تجليه في الأماكن العامة، فما كل رجل هو الزوج حتى يخاطب باستكانة أنثوية فيها من الضعف والانكسار والخضوع ما لا يصح أن تبديه المرأة إلا بين يدي زوجها.
وفي القرآن ورد الحياء في موضعين فقط، أولهما يتحدث عن حياء النبي من صحبه، وثانيهما “وجاءته تمشي على استحياء”.
وقد نالت هذه الآية من الشرح والتعقيب أكثر مما نالته كل الآيات الأخرى التي تتناول الشخصيات النسائية في القرآن، فقد سُلط الضوء دوما على لفظة “استحياء” المقتطعة من سياقها، فهي جاءته على استحياء بالفعل، ولكنه جاءته تمشي، وكانت تسقي الغنم، وكلمته، وسُئلت من قبل وأجابت، وقالت “يا أبت استأجره”، فهو حياء لم يمنع المرأة القرآنية من أن تخرج للعمل وتخالط الرجال وتكلمهم، دون أن ينتقص ذلك من حيائها.
كما أن نساء القرآن كلهن امتدحن بغير ما يُعلى من شأنه الآن على أنه خير صفات المرأة بل جُل أنوثتها، فقد امتدحن لإيمانهن وحكمتهن وصبرهن وعبادتهن وثباتهن على الحق، فمن أين أخذ الحياء بمعناه المشوه هذا كل هذه المساحة من وعظنا الديني للمرأة على حساب كل تلك الفضائل الأخرى؟
لقد مُسخت هذه القيمة الأخلاقية العظمى بمفهوم جنسي مقتصر على المرأة، ثم أهملت المعاني الحقيقية للحياء التي وردت في سنة نبينا الكريم، والتي يصح أن تطبق لدى الجنسين على كل مناحي الحياة، وأن يكون منطلقها هو العقل لا الجسد. ولذا فإن الحياء لا ينفد كرصيد البنوك، ولا يُتحسر عليه كالكنوز الضائعة، بل يُكتسب ويزيد مع ترقي الفهم ونضج العقل وزيادة الإيمان، مثلما ينقص بنقصانهم، ولا يُنقصه عند المرأة ما يشاع من اختلاط أو عمل أو زواج سابق، أو حتى خطيئة تُجب عند الله سبحانه بالتوبة.
أما الحياء الذي يراد للنساء التحلي به الآن، فهو حياء كثيرا ما يصطنع لإرضاء الناس، وقد يجتمع مع كل ما لا يمت للحياء الحقيقي بصلة، من سوء الخلق واجتراح ما يستجلب الذم والإثم، ما دام لم يكن ذا طابع جنسي.
والحياء الذي يراد للنساء أن يربين عليه، هو مفهوم يجعل المرأة تركز على جنسانيتها وجنسانية الرجل طوال الوقت، دون أن تكون قادرة على التعامل معه برقي إنساني في الشارع والجامعة والعمل، الأمر الذي يؤدي إلى عكس ما يُرتجي منه من إضرام المشاعر بين الجنسين.
وإن ضعف المرأة وسلبيتها واستكانتها وصوتها الخفيض وطرفها القاصر وتلعثمها أمام الرجال إذا تجلى في غير موضعه، فإنه يصنع امرأة خجولة مستضعفة، يسهل التحرش بها وأكل حقها وإيذاؤها، وذلك في المواقف التي يجب فيها أن تقف المرأة شامخة واضحة الصوت ثابتة الجنان حادة الطرف جريئة شجاعة مبادرة، تعترضُ وتطالبُ بالحق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، سواء في جامعة أو في مكان عمل أو في موقع صنع قرار، فإن هذه الصفات التي يُراد للمرأة أن تصبغ شخصيتها بها لا تتناسب مع تحديات الحياة الواقعية، ولا مع شغل مواقع مؤثرة وريادية، بل إنها تناسب المواقف الرومانسية مع الزوج، ولا يجب أن تخرج عن ذلك.
أما استعمال الدين للترويج لهذه التصورات الجنسية عن المرأة وإلباسها لفظة الحياء، فهو أمر يحتاج إلى الكثير من إعادة النظر، خاصة وأن ذلك بات يُوقع النساء في تناقضات نفسية وعاطفية وفكرية، ويورثهن شعورا غير مبرر بالعار والذنب، خاصة في ظل نمط حياة تخرج المرأة فيه للدراسة والعمل، ويجعلها إذا ما قاست نفسها إلى هذه المفاهيم المشوهة تفقد تقديرها لذاتها.
لذا فإننا نحتاج لإعادة تعريف الحياء، لنعود به إلى معانيه الأصلية، التي نحن في أمس الحاجة لتفعليها عند الجنسين في جميع مناحي المجتمع، ونحتاج أكثر ما نحتاج إلى التوقف عن العبث بمفهوم الأنوثة، ورسم ملامح “فطرتها” المفترضة وفق ما نشتهي، مستخدمين اللهجة الدينية لدعم تصوراتنا المنقوصة، بل إننا نحتاج إلى إحياء النماذج النسائية القرآنية واستقاء القيم الحقيقية منها.
وليس ببعيد عن ذاكراتنا قصة المدرِّسةُ العراقية خالدة تركي عمران، التي فضلت عام 2016 الموت احتراقا في سيارتها في البصرة، على أن يتم إنقاذها بعد أن تكشف جسدها، وقد جعلها الناس رمزا للعفة والشرف، وأطلقوا اسمها على شارع في البصرة، ثم على مدرسة للبنات، ثم صنعوا لها تمثالا يخلد لحظة احتراقها في السيارة، فهل من الأَولى أن نصنع تمثالا لامرأة اختارت الموت حرقا على انكشاف جسدها، أم الأولى أن يعيد المجتمع النظر مليا فيما يعلمه لنسائه من قيم مشوهة؟
نعم، فنحن نعلم فتياتنا أن مُتن أو اقتلن أنفسكن لتحفظن حياءكن، ولكُنَّ المجد والعزة والتماثيل، ولكن حفظ النفس أولى مقاصد الشريعة، وإن المرء يرجو الخلف من كل أمر، ولا يرجو عن النفس خلفا، وإن انكشاف الستر بلاء، أما رأس البلايا فهو الموت، ولكن تصديق النساء لخرافة الحياء الذي يذهب ولا يعود، هو ما يجعلهن يفضلن الموت في مثل هذه الحالات، قربانا لهذه المفاهيم المشوهة.
فهلا انتبهنا ماذا نعلم بناتنا؟ وأي تماثيل ننصب لهن؟ وأي أصنام من مفاهيم مغلوطة نقيم في وجدانهن؟ وهلا علمناهن أن الحياء يزداد بالوعي والتعلم والتفقه في الدين، ولا تخدشه أخطاء بشرية قد يرتكبها أي إنسان، فضلا عن أن يخدشه حيض أو جماع أو ولادة!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
