مع القرضاوي (8) الشيخ وثورة يناير

وقد خطب القرضاوي الجمعة، وفي نهاية الخطبة فوجئت به يقول هذه العبارة: والله سيسقط مبارك، والله سيسقط مبارك، والله سيسقط مبارك. بعد الخطبة سألته: مولانا لماذا تقسم أن مبارك سيسقط؟
جاء الربيع العربي، وهب بنسمات الحرية على الشعوب العربية، وكانت البداية من تونس في ديسمبر 2010م، فسقط بن علي حاكم تونس السابق بهروبه خارج تونس، واستقراره في السعودية، كان ذلك مشجعا على قرار الشباب المصري النزول ضد نظام مبارك في مصر، وتواعدوا على يوم 25 يناير، وهو يوم عيد الشرطة الذي كان تكريما لها أيام الاحتلال الإنجليزي حينما قاومت قوات الاحتلال، وقت أن كان فؤاد باشا سرج الدين وزيرا للداخلية سنة 1951م، ولكن دارت الأيام وتحولت الشرطة من جهاز يحمي المواطن، لجهاز يتفنن في إذلاله وتعذيبه.
بعد إعلان القوى الثورية عن موعد النزول يوم 25 يناير، بدأت أجهزة نظام مبارك تحشد قواها الصلبة والناعمة ضد هذا النزول، وكان من قواها الناعمة: المشايخ وغيرهم، كان موقف معظم المشايخ الرسميين في مصر مؤيدا لبقاء مبارك، ومحرما للنزول ضده، وليس المشايخ فقط، بل المؤسسات الدينية في مصر، ومنها: الكنيسة، وعلى رأسها: البابا شنودة آنذاك، شنودة الذي بدأ حياته بالتمرد فقد كان عضوا في تنظيم الأمة القبطية الذي قام باختطاف البابا يوساب الأول، وإجباره على التنازل عن كرسي البابوية، في قصة شهيرة عندما كان شنودة اسمه: نظير جيد. ومع ذلك عندما تواعد الشباب للنزول وقفت هذه المؤسسات بمشايخها ومن حولهم ضد نزولهم، وساندوا مبارك.
رغم شكاية كل هذه المؤسسات من ظلم حكم العسكر، فشيخ الأزهر أحمد الطيب قبل ثورة يناير تكلم عن عبد الناصر ودوره التخريبي في الأزهر، وشنودة لم يكف عن الحديث عن اضطهاد الأقباط، بل افتعال المشاكل للكنيسة مع عموم الشعب المصري المسلم، من تسريب اسطوانة مسرحية داخل الكنيسة مسيئة للإسلام، لتحدث فتنة طائفية، وقد كانت بمثابة قرصة أذن لشنودة.
كان الرمز الكبير الوحيد الذي وقف مع حق الشعوب في الربيع العربي، هو الدكتور يوسف القرضاوي، وذلك قبل أن يشتد الحراك ويقوى، فقد أجرت معه جريدة المصري اليوم والشروق، قبل يوم 25 يناير حوارا، طالب فيه بفتح أبواب الحرية والديمقراطية لتعطى الشعوب حق التعبير، وطالب الشرطة المصرية ألا تستخدم العنف، أو البطش مع المتظاهرين، وقد نشرت هذه الحوارات قبل جمعة الغضب، وتحديدا في يوم الخميس 27 يناير.
جاءت جمعة الغضب، ونزلت الجماهير المصرية في الشوارع، ولم يكن القرضاوي مع الثورة قولا فقط، بل ساندها من أول يوم، وشارك فيها من أبنائه من كان موجودا في مصر، فكان منهم: عبد الرحمن يوسف القرضاوي، وكذلك زوج ابنته احسام خلف فك الله أسره، وهو من قيادات حزب الوسط.
كنت في هذه الأيام في مصر، ورجعت إلى قطر قبل أول مليونية والتي كانت يوم الثلاثاء الذي يلي جمعة الغضب، وذلك لانتهاء إجازتي ولزوم أن أعود لعملي، فعندما رآني الشيخ عاتبني: كيف تأتي الآن وقد بدأت الثورة تشتد ويعلن الناس عن أول مليونية؟ ثم قال لي: إن هشام زوج ابنتي نزل للمشاركة، وبالفعل نزل دكتور هشام المرسي، ولكن قوات الجيش اعتقلته فترة الثورة، وقد أعلنت الخبر قناة الجزيرة آنذاك.
ظلت الجماهير مستمرة في حراكها السلمي في ميدان التحرير، وبقية ميادين مصر، وظل القرضاوي على موقفه من تأييد الثورة والدعاء لجماهيرها ولها بالنصر، وكنت كلما قابلت أحدا عربيا من أي بلد عربي، ويعرف من اللهجة أني مصري، يسأل عن حال الثورة، وأن الناس تنام وتستيقظ على الجزيرة مباشر، لتشاهد حراك المصريين.
إلى أن جاء يوم موقعة الجمل، ونزلت الجمال والأحصنة، يركبها أتباع الثورة المضادة لإخراج الجماهير من الميدان، وفوجئ الناس بدبابات الجيش التي كانت تغلق الطريق تفتح ليمر فيها أتباع الثورة المضادة، لترويع المتظاهرين، وعندما جاء الليل كانت هناك مذبحة تدبر لهم، فوجئت بأحد الأطباء المصريين العاملين في قطر يتصل بي، ويخبرني بأن الناس في الميدان تطلب النجدة والإغاثة من القرضاوي، ليحث الناس على القدوم لميدان التحرير، وإلا سيفتك بهم البلطجية ومن معهم.
كان الشيخ في هذه الليلة مريضا، كلمته بالهاتف، وأخبرته بما يجري على الأرض، ويبدو أن عبد الرحمن ابنه قد أخبره، وآخرون أيضا، وفكرنا هل الأفضل: أن يتحدث القرضاوي في كلمة بالهاتف، أم يكتب بيانا، أم الظهور على شاشة الجزيرة؟ وترجح الخيار الأخير، لأن الأمر لا يتسع للتمهل والانتظار، وبالفعل تحامل القرضاوي على آلامه ومرضه وتكلم للجزيرة، وحث الناس على النزول لمساندة إخوانهم المتظاهرين ضد البلطجية ومن وراءهم، وكان نداء القرضاوي سببا في نزول عدد من الناس توافدوا على الميدان، ولم ينس معظم الثوار آنذاك هذا الموقف للقرضاوي.
ثم بعد معركة الجمل كان هناك لقاء قد رتب منذ فترة، وهو: (ملتقى تلاميذ القرضاوي)، واضطر لاختصار أيامه، حتى ينزل المشاركون من المصريين من تلامذته في الثورة، وقد جاءوا من ميادينها إلى اللقاء، ونقلوا ما يدور فيها، وكانت هناك فقرة ثابتة بعد كل كلمة في الملتقى لأخبار الثورة المصرية، وقد تم ختام الملتقى يوم الخميس 10 فبراير تمهيدا لنزول الشيخ وتلامذته من المصريين للمشاركة يوم الجمعة أو السبت، ولكن كان فرج الله قد جاء، وتنحى مبارك يوم الجمعة.
في يوم الجمعة 11 فبراير الذي سقط فيه مبارك وتنحى، فقد أعلن اللواء عمر سليمان عن تنحيه مساء الجمعة، وقد خطب القرضاوي الجمعة، وفي نهاية الخطبة فوجئت به يقول هذه العبارة: والله سيسقط مبارك، والله سيسقط مبارك، والله سيسقط مبارك. بعد الخطبة سألته: مولانا لماذا تقسم أن مبارك سيسقط، هل لديك دلائل؟ فقال لي: يا عصام وما يدريك رُب أشعث أغبر مثلي، لو أقسم على الله لأبره. إنني أثق في ربي أن يبر بقسمي.
وبالفعل تنحى مبارك، وبدأ الثوار يرتبون لجمعة النصر، وفكروا فيمن يخطب هذه الجمعة المهمة؟ فتوافقت كلمة معظمهم على تكريم الرمز الكبير الذي ساندهم وقت خذلان البقية لهم، وهو القرضاوي، وإن كان للأمانة التاريخية وقف رموز آخرون من العلماء في الثورة، لكنهم لم يكونوا بحجم القرضاوي مكانة، وقد كان من هؤلاء شيخنا الدكتور حسن الشافعي، وآخرون يصعب حصرهم.
وبالفعل طلبوا من القرضاوي النزول لخطبة جمعة النصر، وللتاريخ أذكر أن من اعترض على نزول الشيخ للخطبة: اثنان من الإخوان المسلمين: د. عصام العريان، ود. محمد البلتاجي، وقد كانت وجهة نظرهما: نخشى أن يظن الناس أن الإخوان قدموا القرضاوي ليركبوا الثورة، وكانت وجهة نظر العريان تحديدا: أخشى أن يشبه هذا المشهد بمشهد عودة الخميني، وهو بالفعل ما قاله محمد حسنين هيكل، بعد نزول الشيخ للخطبة. وطلب مني العريان أن أوصل هذا الرأي له، وبالفعل وصلتها، لكن كانت عاطفة الجماهير والثوار أقوى وأرجح في ذلك الوقت، ولبى القرضاوي طلبهم ونزل وخطب جمعة النصر، تلك الخطبة المشهودة.
وبينما القرضاوي يخطب في ميدان التحرير لأول مرة في حياته، وينقل الإعلام خطبته، كانت هناك ثورة أخرى تنطلق في ليبيا، وبدأت قوات القذافي تتعامل بعنف وقسوة مع المتظاهرين، اتصل بي الدكتور علي الصلابي، أن ندرك الشيخ قبل خطبته لينوه فيها بما يحدث في ليبيا ليلفت أنظار العالم والإعلام لما يجري، لكن لم نفلح في التواصل، وكان للقرضاوي دور في ثورة ليبيا قام به لعلنا نذكره في حديث مستقل عن علاقته بالقذافي قبل وأثناء سقوطه.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
