محمد علي .. والنظام والشعب المصري

 

برز محمد علي في المشهد المصري، وتَصدّره سريعاً بفيديوهاته حتى بات الاسم الأكثر تداولاً، وتقريباً ليس هناك مواطن لم يسمع عنه، أو يستمع لما يقوله، وأنا لا اعتمد أي معلومة بسهولة، إلا إذا كان موثوقاً فيها وعليها أدلة أو شواهد عينية، ومنذ ظهر في 2 سبتمبر الجاري ولم أذهب لأي مكان، أو استمع لنقاش في مكان عام أو خاص إلا ويأتي ذكره مثيراً للجدل الشديد.

 ودليل تأثيره – أياً كانت طبيعة هذا التاثير- أن مصر منذ ظهر على الساحة ليست كمصر منذ سنوات، والحكم الذي عاش سنوات في ظل غياب أي صوت معارض أو ناقد مؤثر أو جاذب للناس لم يعد كذلك منذ شهر.

خطة مُحْكّمة لمنع المظاهرات

والوخزة الموجهة للحكم لم تأت من المعارضات التقليدية – داخلية أو خارجية – فقد اُنهكت، إنما جاءت من داخله، ومن أحد العارفين ببواطن الأمور في النشاط الاقتصادي ومشروعات البنية التحتية والمنشآت المعمارية، وبدا أثر كلامه واضحاً في الحملة الإعلامية المتصاعدة ضده.

 وازدادت الحملة حدة بعد مفاجأة خروج محتجين يوم الجمعة 20 سبتمبر الجاري استجابة لدعوته، وهذا الخروج أغراه علي تكرار الدعوة لاحتجاجات أوسع الجمعة 27 سبتمبر (أمس)، لكن الخطة الأمنية كانت قوية ومحكمة لمنع أي مظاهرات في قلب القاهرة وميدان التحرير، وتوقعت حدوث ذلك استلهاماً من التكثيف الإعلامي المناوئ له وللإخوان وللمعارضة، ومن سلسلة اعتقالات متواصلة طالت رموزاً سياسية، ومن وجود أمني بارز في مداخل التحرير من الشوارع  المؤدية إليه.

هل المقاول شيطان؟!

الإعلام يصور محمد علي شيطاناً، ولندعه وشيطانيته، فما يهمنا منه ما ورد في فيديوهاته الأولى من معلومات عن إنفاق المال العام في مبانٍ ومنشآت فندقية ورئاسية تُوصف بأنها ترفيهية لا دور لها في تشييد نهضة، أو بناء تنمية، أو تحسين حياة شعب، هنا بيت القصيد فيما ذكره، ودعكم من تنظيراته السياسية وتوقعاته للمستقبل، فهو ليس مؤهلاً لذلك.

ومنذ السطور الأولى التي كتبتها عن المقاول دعوت للرد الفوري عليه، وكان ذلك كفيلاً بتحجيم انتشاره، لكن تأخر الرد جعل ما قاله يكتسب مصداقية متزايدة.

وكانت هناك فرصة أخيرة لخلخلة ادعاءاته، وتبددت عندما خرج السيسي في مؤتمر الشباب ليس ليفند ويثبت تجاوزات المقاول، أو يحيلها للتقصي والتحقيق، إنما ليؤكد ما قاله بشأن القصور الرئاسية، فقد ظهر داعماً له، إما من حيث لم يُرد ذلك، أو متحدياً، وعلى عكس رغبة الأجهزة التي ألحت عليه ألا يتكلم وإلى حد أنها كادت تقبل يديه كما ذكر بنفسه.

صلب الفيديوهات .. والإسلام السياسي

من 2 سبتمبر حتى 14 سبتمبر مع أول رد من رأس النظام لم يحدث نقاشاً حقيقياً لصلب الفيديوهات والمعلومات الأهم التي وردت فيها، وهي المال العام، ثم جاء التصريح الرئاسي التالي خلال لقاء السيسي مع ترامب في نيويورك 23 سبتمبر الجاري حيث لم يذكر ما يجري من احتجاج ظاهر وصامت والشكوى من الأوضاع، إنما يتهم الإسلام السياسي بالتسبب في عدم الاستقرار في المنطقة بمحاولاته الوصول للحكم، وإن المصريين لم ولن يقبلوا هذا التيار في السلطة، ومثل هذا التصريح كما قد يحمل في وجه له مغازلة لتيارات أمريكية يمينية رافضة للإسلام السياسي، فهو يوجه رسالة للتيارات السياسية والفئات الشعبية القلقة من الإسلاميين في مصر والبلدان العربية بعد تجارب حكم وأزمات سياسة وصراعات وحروب يُعتبر الإسلاميون طرفاً فيها.

لكن المشكلة الآن ليست في الإسلام السياسي وسعيه للحكم، فلن يكون طريقه مُعبّداً كما كان بعد الربيع العربي، والدليل سقوطه في انتخابات الرئاسة بتونس، إنما الموضوع هو المال العام، ومدى جدوى بعض المشروعات، وأولويات أجندة التنمية الحقيقية وانعكاساتها على نقل الشعب إلى وضع أفضل في التعليم والصحة والسكن والعمل والمرتبات وحسن توزيع الدخل القومي والحريات ودولة القانون والحكم الدستوري المؤسسي.

 احتواء الغضب المكتوم

في ظل هذا المناخ المختلف عما كان عليه بعد ظهوره في المجال العام من حيث الشعبية والآمال المعلقة عليه، لماذا لا يبادر السيسي لاحتواء الغضب المكتوم الذي بدأ يخرج للعلن رغم أجواء الخوف، هو غضب فئات شعبية لا يُستهان بها وكانت الأكثر تفاؤلاً بالوافد الجديد على الحكم، وليس بالضرورة غضب كل الشعب، لأن هناك فئات لم تتضرر من السياسات الحالية حيث يتم تعويضها مادياً بزيادة المرتبات والامتيازات، وهناك فئات داعمة بالفعل، لكن الحاكم عليه أن ينصت للشكوى، ولو من فرد واحد من شعبه.

وتجاهل معاناة الناس، والتقليل من شأنها، أو الالتفاف عليها بالحديث في موضوعات أخرى مقلقة مثل التطرف والإرهاب ورؤية الإسلام السياسي للحكم – والقلق من هذه الظواهر مشروع – لا يحل المشكلة، ويفاقهما نبرة التحدي مثل، نعم بنيت قصوراً رئاسية، وسأظل أبني، ولن أتوقف!

الرئيس الفرنسي ماكرون لم يتجاهل مظاهرات “السترات الصفراء” طويلاً، خرج وتحدث للشعب واعتذر عن بعض سياساته، وألغى عدداً من قراراته التي تسببت في المصاعب الاقتصادية، وشكل مجموعة عمل تقدم تقريراً له عن مجمل السياسات الإشكالية مع الحلول لها.

والرئيس الأمريكي ترامب وجه بنشر نص المكالمة الهاتفية مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي لتأكيد أنه لم ينتهك القانون عندما اتهمه الديمقراطيون باستغلال نفوذه للضغط على زيلينسكي لإعادة فتح التحقيق في ملف فساد في أوكرانيا يطال نجل جون بايدن منافسه المفترض في انتخابات الرئاسة القادمة.  

الحقيقة أنه يجب إجراء رصد حقيقي لتوجهات الرأي العام، دعنا من معارضة وقنوات الخارج إذا كان هذا مريح للداخل، يجب معرفة توجهات الناس؟، ماذا يقولون؟، ما هو مزاجهم؟، ومن يدعم السلطة عن اقتناع فعلي، وليس قلقاً على أمنه ووظيفته ومصالحه؟، ومن لا يدعم سياساتها على الحقيقة؟، حتى تتبين هل تسير على الطريق الصحيح، أم هي تعمل بمعزل عن تطلعات واحتياجات الشعب؟

حقيقة المقاول .. والغموض غير البناء

هل المقاول حالة ثأرية فردية لأنه لم يحصل على أمواله في مشروعات نفذها، أم حالة مواجهة انتحارية أمام نظام مسيطر، أم واجهة لآخرين في النظام أو الأجهزة ؟!

الاحتمال الأول كان له جمهور، والثاني لم يقترن بقبول واسع، أما الثالث فقد أخذ يتسع وتتولد عنه قصص وروايات عن الأجهزة والأجنحة والشخصيات الكبيرة في السلطة التي تختلف مع رأس النظام، وتتخذه ستاراً لخطة ما للتغيير، بسبب جرأته وهجوميته العنيفة رغم أنه تجاوز باستخدام ألفاظ وأوصاف مهينة.

محمد علي ورسائله، وسواء كان حالة فردية أم واجهة لآخرين، يمثل نوعاً من الغموض غير البناء، لا شيء واضح ولا مفهوم فيه، ولا منطق في أن يتم تصدير شخص لكشف بعض الأوراق، وتمر الأيام وتتواصل التوترات والارتباكات، ويظل مصير الناس مجهولاً يواجهون الاتهامات والاعتقالات، ثم قد يظهر أخيراً أن مسألة الجناح المناوئ في النظام كان زيفاً، فالسلطة بدت مستعدة لحماية نفسها، ففي يوم أمس (الجمعة) جرى عزل وإغلاق مناطق واسعة في وسط القاهرة لمنع الراغبين في التظاهر من الوصول إليها، وهي درست ثغرات 25 يناير جيداً، ووضعت الخطط طويلة الأمد لسدها وعدم تكرارها بنفس السيناريو.

علاج حقيقي وتغيير شامل

استناد النظام على مقولة أن الأوضاع جيدة، والشعب راض، والناس تتحمل وتصبر وستجني الثمرة سيكون استهلاكاً للوقت ما لم يكن هناك عمل حقيقي لترجمة الوعود إلى واقع.

 لابد من علاج حقيقي وجذري وشامل، علاج سياسي واقتصادي واجتماعي يقلب مسار التوجه الحالي إلى توجه آخر يلبي مطالب الناس، ويريحهم ويحل أزماتهم ويخفف عنهم ولا يواصل إحباطهم، والمشكلة ليست مع الجيش، أو الدولة والمؤسسات، أو حتى شخصيات الحكم، إنما مع أفكارهم وقناعاتهم ومواقفهم وتوجهاتهم وسياساتهم التي يجب أن تتماهى مع التطلعات الشعبية.

نعم، هناك شرائح من الناس تخشى المظاهرات، وما قد يستتبعها من تعطيل وفوضى وتأثير على مصالحهم وترفضها وتعادي الخروج فيها، لكن هذا لا يعني أنهم راضون عن أوضاعهم، وخطر الصمت أعظم من خطر الكلام والحق في التعبير، لهذا يحظى وجود معارضة قوية بأهمية كبيرة في أي نظام سياسي ديمقراطي أو طبيعي، فهي مرآته العاكسة لما لا يراه في البلاد التي يحكمها.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان