تطورات إدلب وأزمة اللاجئين السوريين!

 

عادت إلى واجهة الاحداث مجددا مشكلة تدفق اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب إلى المناطق الحدودية مع تركيا ومنها إلى دول الاتحاد الأوربي، وذلك على وقع التطورات الدموية التي تشهدها منطقة إدلب نتيجة تزايد العمليات العسكرية التي يقوم بها النظام السوري وقوات كل من روسيا والولايات المتحدة الامريكية لأسباب متباينة، حيث تتعرض للخطر الداهم حياة ملايين المدنيين المقيمين في المدينة، التي تحتضن ثلاثة ملايين سوري، لجأوا إليها من مختلف أنحاء المدن السورية هربا من التفجيرات المتلاحقة في مناطقهم، وأزيز الطائرات الذي لا يصمت، وأصوات القنابل التي تخترق صمت المكان والزمان.

الخوف من تدفق اللاجئين للاتحاد الأوربي

ورغم مأساوية المشهد الذي يعرض يوميا على شاشات الفضائيات أمام أعين العالم، فإن الجميع لاذوا بالصمت المريب تجاه هذه الكارثة الإنسانية الجديدة، التي تعرض ألاف الأبرياء لخطر الموت، لكنهم انبروا للحديث عن ضرورة وأهمية التعاون المشترك بينهم من أجل العمل سويا على منع تدفق هؤلاء اللاجئين الجدد إلى القارة الأوربية! إذ أعلنت اليونان من دون خجل في بيان صدر عن حكومتها مؤخرا، عزمها تسريع إعادة المهاجرين الذين تم رفض طلبات اللجوء الخاصة بهم إلى تركيا! وتغيير اللوائح القانونية التي تسمح لطالبي اللجوء الذين تُرفض طلباتهم بالاستئناف، مع زيادة عدد الدوريات الشرطية المسؤولة عن التفتيش لضبط المعابر في بحر ايجه، وتوسيع نطاق التعاون مع وكالة حماية الحدود الأوربية للغرض نفسه.

تركيا ومسؤولية الهجرة غير الشرعية

ورغم ان رئيس الوزراء الهولندي نفى أن يكون هناك تقاعس تركي لمنع تدفق اللاجئين غير الشرعيين إلى أوربا، وتأكيده على أن أكثر من أربعة ملايين سوري يعيشون لاجئين خارج بلادهم، معظمهم داخل المجتمع التركي وليس في المخيمات، فإن اليونان حملت تركيا المسؤولية عن زيادة أعداد اللاجئين غير الشرعيين الذين يتدفقون على الجزر اليونانية عبر بحر ايجه، حيث تم استدعاء السفير التركي لدى أثينا وإبلاغه بانزعاج السلطات اليونانية جراء زيادة عدد المهاجرين غير الشرعيين إليها في الآونة الأخيرة.

العالم الحر ونظرته لأزمة اللاجئين

هكذا أصبحت القضية، وهكذا يتعامل معها العالم الحر، فالأرواح التي تسعى للفرار من الجحيم ليست بالدرجة نفسها لأهمية الحفاظ على راحة الأوربيين الذين يزعجهم ذلك الانتشار الواسع للاجئين في بلادهم. وهو الموقف الذي أثار استياء المسؤولين الأتراك، ولهم الحق في ذلك خصوصا وانهم يبذلون جهودا جبارة للوفاء بالتزاماتهم التي تعهدوا بها في الاتفاقيات الثلاثة التي تم إبرامها بين انقرة ومفوضية الاتحاد الأوربي في مارس / آذار عام 2016 بشأن الهجرة، وإعادة قبول اللاجئين، وإلغاء تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك، وهو ما أسفر عن ضبط نحو 237 ألف مهاجر قبيل توجههم إلى الأراضي الأوربية عبر تركيا.

تخاذل أوروبا وزيادة الأعباء التركية

ورغم التزام تركيا بما أوجبته عليها الاتفاقات المبرمة بين حكومتها والاتحاد الأوربي في هذا الخصوص، فإن تخاذل الأخير وتغاضيه عن الوفاء بالتزاماته المالية التي نصت عليها هذه الاتفاقيات نفسها، ألقى بأعباء مضاعفة على كاهل الدولة التركية التي تعاني من مشاكل اقتصادية ضخمة نتيجة الحرب التي تشنها عليها دول غربية واقليمية، ورغم ذلك لم تتوقف أنقرة عن تقديم دعمها ورعايتها لهؤلاء اللاجئين والعمل على توفير حياة كريمة لهم على اعتبار أنها مسألة ذات أبعاد إنسانية في المقام الأول، تحتمها وتفرضها عليها علاقات الجيرة والتاريخ المشترك بين البلدين.

المنطقة الآمنة والحل السياسي للأزمة السورية

فرار أكثر من مليون و400 الف سوري مؤخرا نتيجة شدة الضربات العسكرية الأخيرة على إدلب وانتظارهم قرب الحدود التركية، مع توقع زيادة عددهم خلال الأيام المقبلة لأكثر من مليونين، يعيد إلى المشهد مرة أخرى الحديث عن أهمية المنطقة الآمنة التي تسعى تركيا لإقامتها في المناطق الواقعة بامتداد حدودها مع الجانب السوري وبعمق 30 كيلو مترا، والتي من المقرر ان تتضمن وفق المقترح التركي بناء منازل بمساحة 250 – 300 متر مربع، تحوي مزارع لتمكين اللاجئين من زرع احتياجاتهم الغذائية، مع إنشاء عدد من المدارس والمشافي لخدمة حوالي مليون لاجئ يمكن استيعابهم فيها، تحت حماية ورعاية تركيا، مع سرعة العمل على تطبيق الحل السياسي، والبدء في تنفيذ اتخاذ خطوات فعلية لتشكيل لجنة صياغة الدستور، يليها الإعلان عن حكومة انتقالية ثم التوجه إلى صناديق الاقتراع بما يمنح الشعب السوري حرية اختيار ممثليه وحكامه، وذلك في اطار استكمال اتفاقي أستانة وجنيف.

بحثا عن الأمن والأمان

 سرعة العمل على تنفيذ تلك الخطوات يبدو أنه السبيل الوحيد لمنع تدفق هؤلاء اللاجئين ” غير المرغوب فيهم ” إلى الأراضي الأوربية، إلا ان تجاهل مأساتهم، والتباطؤ في إيجاد حلول عملية ومنطقية لهم، والتضحية بأمنهم حرصا على مشاعر الأوربيين، سيدفعهم رغما عنهم إلى طرق أبواب المدن والقرى الحدودية التركية، واستخدامها ملاذا آمنا ولو بشكل مؤقت، حتى يتسنى لهم العبور نحو أوربا ولو عبر الطرق غير الشرعية بحثا عن الأمان لهم ولذويهم، بعد أن فقدوا كل ما يملكونه ولم يعد لديهم ما يخافون فقدانه سوى حياتهم. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان