مع القرضاوي (6) انتهاء أزمة الشيخ والإخوان بسبب حزب الوسط

 

 

عندما ذهبت للعمل مع شيخنا العلامة القرضاوي في قطر سنة 1998م، كان هناك ما يشبه بالقطيعة بينه وبين مكتب الإرشاد، وكان سبب ذلك موقفه من حزب الوسط، وتأييده لشباب الجماعة الذين أصروا على تأسيس الحزب. وكانت أحداث الخلاف قد دارت في سنة 1996م، عندما أقدم مجموعة من الإخوان على تأسيس حزب، سمي بـ (حزب الوسط)، بناء على كلام قاله لهم الأستاذ محمد مهدي عاكف رحمه الله، قبل أن يكون مرشدا، فتحركوا بناء على كلامه لهم، ثم بعد ذلك قرر المستشار مأمون الهضيبي وكان نائبا للمرشد الحاج مصطفى مشهور، أنه عند رفض أوراق الحزب، عليهم ألا يعيدوا الكرة، ويكتفوا بذلك، ولكنهم أكملوا طريقهم، في تفاصيل تحتاج إلى كتابة تفصيلية من أصحابها، المهندس أبو العلا ماضي، والأستاذ محمد عبد اللطيف، والأستاذ عصام سلطان فك الله أسره.

لكن الشيخ رفض موقف الإخوان وقتها، وأيد موقف شباب الوسط، من حيث حريتهم في اتخاذ قرار الحزب، وأنه ينبغي على الجماعة إذا اختلفت قياداتها مع مجموعة من شبابها أن تفتح أبواب الحوار والنقاش الحر، بدل تسليط سيف الفصل والإبعاد من الجماعة، وكانت معلومات الشيخ عن الوسط وشبابه تفصيلية، وليست معلومات قليلة شأن كثيرين علقوا على الموضوع، وقد سمعوا من طرف واحد، لذا كان موقفه تأييدهم فيما قاموا به وليس لومهم، فقد كان كعادته يسمع من جميع الأطراف، ولا يكتفي بسماع طرف واحد ولو كان هذا الطرف القيادة الرسمية للجماعة.

لوم القيادة

وصرح الشيخ بتصريحات صحفية طارت في معظم الصحف المحلية والعالمية، يلوم على قيادة الجماعة موقفها، ثم قرارها بفصل مجموعة الوسط، وكان قد أشيع آنذاك من بعض الإخوان أن القرضاوي أعطى شقة له في وسط البلد، لتكون مقرا لحزب الوسط، ما اعتبره بعض من أصبحوا قيادات فيما بعد الانقلاب أنه موقف لن ينسى للقرضاوي. ولكن المعلومة غير صحيحة، فلم يدعم القرضاوي الوسط ومجموعته سوى بالدعم الأدبي، والتواصل الدائم معهم، والموقف نفسه كان من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فك الله أسره، وغيره ممن لم يحكمهم التعصب للتنظيم على حساب العلاقة الأخوية لمجموعة الوسط، وقد أثبتت الأيام كذب كثير من الكلام الذي أشيع عنهم، وقد كان موقفهم بعد الثورة، وفي سنة حكم الدكتور مرسي رحمه الله موقف رجولة وشهامة يدل على أصالة معدنهم، ونسوا إساءات وجهت لهم، وكان أكثر من أسيء إليه عصام سلطان فك الله أسره، لكنه نسى كل ذلك، وتعاون بكل ما يستطيع في إنجاح تجربة الإخوان في الحكم فترة مرسي.

العتاب

نزل القرضاوي إجازة الصيف كعادته، فقد كان ينزل في نهاية شهر يونيو/حزيران، أو أول يوليو/تموز، ويظل حتى نهاية أغسطس/آب غالبا، فذهبت للسلام على الشيخ خيري ركوة رحمه الله، ودار الحديث عن الشيخ، وعن الخلاف الطفيف الذي بينه والإخوان، وقال عاتبا: لكننا نعتب على الشيخ أنه ينزل مصر للإجازة ولا نعلم بنزوله، ولا بسفره، و”لا يعبر” – أي لا يبالي بـ – الإخوان، ولا يمر عليهم للسلام.

حملت العتاب للشيخ، وقلت له: يا مولانا الإخوان يعتبون عليك كذا، فقال: الإخوان يعلمون بوجودي بعد نزولي مصر بساعة واحدة، كما أنه لا توجد عندي سيارة في القاهرة تسهل على انتقالي. ثم بعدها بفترة وجيزة كان الأستاذ مسعود السبحي سكرتير المرشد – فيما بعد – في زيارة لبلدتنا (أوسيم) في لقاء خاص لإخوان أوسيم، وكنت حاضرا فيه، فلما رآني طلب أن نتكلم قليلا، ثم حمل نفس العتاب، وقلت له: يا أستاذنا، لا يوجد خلاف بين الإخوان والقرضاوي، هناك خطوة لم يقم بها أحد، لا أنتم خطوتموها ولا الشيخ، والمفروض أن تبدأوا أنتم بها أولا، فقال: وهل يقبل الشيخ ويلبي الدعوة؟ قلت له: بعد توجيه الدعوة بثانية واحدة سيكون رد الشيخ القبول فورا. فاتفقنا على ترتيب ذلك.

قابلت الشيخ، وقلت له: يا مولانا الإخوان يريدون دعوتك للغداء على سمك، فأنا أعلم أنك تحب السمك، فقال: موافق، لكن ليس لدي سيارة، قلت له: لقد طلب المستشار مأمون الهضيبي أن تكون سيارته وسائقه تحت أمرك لتوصيلك لمكتب الإرشاد، فتم الاتفاق على يوم يكون السبت أو الأربعاء، وهما يوما اجتماع مكتب الإرشاد، وبالفعل جاء سائق الهضيبي وكان اسمه: (صلاح) بسيارة مرسيدس، وكان معه مسعود السبحي.

وقبلها اتصل بي الأستاذ محمد حسين الصحفي، وطلب أن يجري حوارا صحفيا مع الشيخ، فاعتذرنا له، فكلمني وقتها الأستاذ بدر محمد بدر أن أساعده في إجراء اللقاء الصحفي، فاقترحت أن نعمل حيلة تعينه على ذلك، وهي أن يأتي مع سائق الهضيبي، ويستفيد بالمسافة الزمنية بين بيت الشيخ من مدينة نصر وحتى منيل الروضة مقر مكتب الإرشاد، وبالفعل دبرت الحيلة مع محمد حسين والسائق كي يطيل المسافة، ولاحظ ذلك الحاج مسعود، وفهم الحيلة، فابتسم، وقال لمحمد: هل تظن أني لم أفهم نظراتك للسائق في المرآة ليدخل في شوارع مزدحمة ويترك الشوارع الأخرى الخالية، ليطيل الطريق، لتنهي حوارك؟

في الانتظار

وصلنا مكتب الإرشاد في منيل الروضة، ووجدنا كبار الإخوان وقياداتهم في استقبال الشيخ، وعلى رأسهم الحاج مصطفى مشهور مرشد الجماعة آنذاك، وكان موجودا في اللقاء مع حفظ الألقاب: سيف الإسلام حسن البنا، وعبد المنعم أبو الفتوح، ومهدي عاكف، ومحمد عبد الله الخطيب، وأحمد أبو حسنين، وأحمد العسال، والسيد النزيلي، ورشاد البيومي، ومحمود عزت، ومأمون الهضيبي، وعصام العريان، وآخرون.

وتواجد كذلك عدد من الصحفيين الإخوان من الشباب والكهول، وظل مصور الجماعة وقتها يكثر من التصوير، حتى قال له مصطفى مشهور: كفاية يا جدع أنت يا بتاع التصوير. ودار الحديث في موضوعات شتى، ووقتها فاجأنا المرحوم أحمد أبو شادي، بأبيات من الشعر من قصيدة القرضاوي النونية، التي كتبها في السجن الحربي يدون ما تم من أحداث، واكتشفنا أن لديه أبياتا تقارب الخمسين بيتا ليست في القصيدة المكتوبة، والعجيب أني كنت أرى الشيخ يحرك شفتيه عند هذه الأبيات، فقلت له: يا مولانا هذه الأبيات ليست مكتوبة، فقال: نعم، يا عصام اكتبها وراءه، فتعذر ذلك وقتها، فطلبت من أبو شادي رحمه الله أن يسجلها لنا صوتا، وفعلا سجلها وأرسلها لنا لقطر، وأرسلتها للأستاذ حسني أدهم جرار رحمه الله، ليضعها في ديوان: (نفحات ولفحات) فهو من قام بجمعه، ولا أدري هل خرجت في آخر الطبعات أم لا؟

صلى الشيخ الظهر إماما بجميع الإخوان الحاضرين، ويبدو أن مكتب الإرشاد كان مراقبا بالصوت والصورة، لذا عندما استدعي أحد الإخوان للتحقيق معه في أمن الدولة، ونفى علاقة القرضاوي التنظيمية، فقال له مسؤول في أمن الدولة: كيف ليس له علاقة، وعند الصلاة يقدم للصلاة إماما بهم، ولذا قال يومها المرحوم عاكف: يا حبيبي إحنا على الهواء مباشرة صوت وصورة.

بعد الصلاة قدم الإخوان الغداء، وكان المشرف على ذلك وقتها المهندس محمد أسامة، وقدم الإخوان للشيخ أوراقا يصدرونها كنشرة أخبار تلخص الأخبار من المواقع والصحف لأعضاء مكتب الإرشاد، فأعطوا نسخة له، فطلب مني الشيخ أن أحملها معي، ورجع الشيخ بيته في سيارة الهضيبي، ورجعت مع الأستاذ أحمد السيوفي فكان المظروف الذي تركه الشيخ معي سببا في تتبع اثنين من أمن الدولة لي منذ خروجي من مكتب الإرشاد وحتى وصولي إلى أوسيم، فهربت منه بحيلة يطول شرحها.

عاطفة الأخوة

كان لقاء الشيخ بالإخوان مفعما بعاطفة الأخوة، وكان الجميع ينظر إليه نظرة تقدير كبيرة، والجميع يناديه “يا مولانا” حتى من يكبرونه سنا، وانتهى ما كان من عدم تواصل، وجزى الله خيرا من كانوا سببا في ترتيب اللقاء، رحم الله من ماتوا، وحفظ من بقي منهم، وتم الاتفاق على أن يرتب هذا اللقاء سنويا كلما نزل الشيخ مصر في إجازة الصيف.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان