محمد علي والمماليك الجدد

هل تمثل رموز المعارضة المصرية بالداخل والخارج خاصة الإسلامية منها مجرد رموز نخبوية منعزلة عن الشعب رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه مقابل كلمتها في وجه المستبد خاصة بعد توقف الحراك المناهض للانقلاب في الشارع المصري منذ العام 2015 ؟
لماذا لم يتفاعل الشارع المصري بما تبقي منه من الطبقة المتوسطة والطبقة البسيطة تجاه التعامل الوحشي من النظام الانقلابي نحو كل من تسول له نفسه بإعلان الاعتراض عن سياسة النظام بالرغم أنها تمس التفريط في التراب الوطني بالتنازل عن الجزر وبيع الأرض بما فيها أحياء سكنية كاملة ؟
لماذا لم يحرك الشعب ساكنا تجاه دعاوي الخروج علي الظلم المدقع بالرغم من أنه يدفع الثمن مضاعفا من قوته وصحته وتعليم أبنائه ومستقبلهم القريب والبعيد ، بل ويفقد الأرض التي يقف عليها ؟
ثم لماذا نجد نفس الشعب يتفاعل بشكل كبير جديا مع مجموعة الفيديوهات التي خرج بها الفنان ورجل الأعمال المصري ” محمد علي ” بعد خروجه من مصر مؤخرا وهو أحد العاملين مع النظام والذين حرقوا بنار فساده ففقدوا كل ما يملكون؟ ما الذي يملكه ” محمد علي ” ولم تملكه المعارضة بكافة أطيافها فاستحوذ على اهتمام الشعب المصري بكافة طوائفه كذلك، لتشتعل مواقع السوشيال ميديا بنشر كل كلمة يقولها، والبحث عن فيديوهاته وإعادة التغريد بها رغم حذفها من إدارة الفيس بوك مرات ومرات؟ ما الذي يبحث عنه الشعب ولم يجده إلا في طرف ” ثالث ” وصوت ” مختلف ” عن تلك الأصوات التي اعتادتها في عملية الصراع الممتدة منذ العام 1952، منهم الحركة الإسلامية وبعض من المعارضة الكرتونية التي استطاعت الأنظمة المتوالية أن تستأنسها وتدجنها وتفقدها الغرض التي أنشأت من أجله “؟ فما الذي لفت انتباه الشعب رغم معرفته المسبقة أو جانب كبير منه بمعظم ما جاء في تلك الفيديوهات؟
ورغم الكثير من الأصوات التي نادت الفنان المهاجر بإعلان المزيد من الأسرار والضرب يد من حديد لهدم الصنم الممنوع الاقتراب منه بلغة هي نفس لغة الرجل العادي في الشارع المصري ، إلا أن نفس تلك الأصوات تعي جيدا أن ” محمد علي ” ليس باحثا عن دور معارض أو دور بطولة في الفيلم السياسي العبثي الذي تمر به البلاد ، ولا يجوز له أن يطالب بأكثر من كونه الرجل الذي سرق العسكر حقوقه المالية فهو يطالب بها رغم يقينه بعدم الحصول عليها خاصة بعد فضحه لهم ، وأن ما يفشيه من أسرار مخزية لا تستوجب أن يتقلد درعا للشرف من شعب متعطش لمن يقوده علي الأرض مما ينم عن حالة من الوعي الشعبي الجديد وإدراك لما يريده تحديدا ، إلا أنه يطالبه بالمزيد من الحقائق الصادمة والمعروفة نظريا غير أنها تتميز بأرقام محددة وأسماء معروفة للمرة الأولي منذ عشرات السنوات
هل نستطيع بعد تلك المتابعة وحالة اللهفة في انتظار المزيد من نشر فضائح النظام العسكري الحاكم أن نقول إن الشعب لفظ المعارضة الصامتة منذ سنوات؟ أم أنه استساغ اللغة التي تحدث بها مقاول الجيش فشعر أنه رجل من بينهم رغم أنه تخطي حواجز الفقر بمراحل حين استطاع أن يكتسب ثقة الجيش ويعمل في رأس مال بالملايين التي لا يعرف جانب كبير من الشعب عدد أصفارها؟ الحقيقة أنه استطاع أن ينفذ لقلوب المصريين بسرعة البرق في الوقت الذي تفقد فيه القيادات النخبوية رصيدها ، ومن يتذكر في فترة حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي كانت هناك قنوات تبث رسائل ظاهرها التفاهة ، قلل الكثيرون من شأنها بالرغم من تحذير الآخرين منها ، إلا أن نظام حكم الرئيس مرسي لم يستمع لتلك التحذيرات ، ولم ينتبه لتلك الخطورة ، وهي الرسائل الموجهة بلغة الشارع ، واهتمامات الشارع ، حملت جانب السخرية في البداية إلا أنها تحولت لأداة هدم قوية بتكرار الرسائل ، هدمت في البداية رمز الدولة ، فانهارت التجربة قبل أن تبدأ ، وهذا جزء من المنهج الذي يسير عليه رجل الأعمال المذكور ، العفوية في إرسال الرسائل ، والبراعة في أداء ما يريد ، حتي تلك المفردات التي تقلل من شأن قائد الانقلاب وهي تستهوي المصريين وتتناغم مع شخصياتهم التي تميل للمرح خاصة في أوقات المحن
إن الشعب الذي لا يحب العنف ، ويميل بكل مكوناته السيكولوجية إلي الاستقرار قد وجد بغيته في رجل كان منهم ، رجل خبر المال وخبر الطبيعة العسكرية ، ثم استطاع أن يهرب من بين أيديهم ببراعة لم تحدث منذ سنوات ، رجل من الآخرين وفي ذات الوقت رجل من الشعب ، استطاع أن ” ينتصر ” ولو بشكل رمزي ، الانتصار في الهروب من قبضة المستبد ، الانتصار في عدم الخضوع حتي اليوم ، الانتصار في الاستغناء عن المال في مقابل الجهر بالحقيقة
نستطيع أن نوجز تلك النقطة في أن الشعب قد مل البكائيات، ويبحث عن بطولة ينتصر صاحبها حتى لو كان الانتصار في معركة الرشق بالكلمات بعدما توقف خطاب المعارضة المصرية على الشكوى والتنظير في خطاب يحكمه الخلاف في الرأي أكثر مما يجمعه الهدف الأكبر في التخلص من الحكم الاستبدادي
ليس صحيحا أن الشعب المصري قد استسلم وماتت همته فزهد في الحرية ، إن أي شعب مهما بلغت عظمته يعيش في ظلال تلك القبضة الأمنية الشرسة لن يجرؤ علي إشعال أي ثورة قريبة ، خاصة أن المعركة الدائرة يعلم كلا الطرفان فيها أنها معركة وجود ، إما أن يحكم العسكر للأبد ، أو يخرجوا من الحياة السياسية للأبد ، وما سيعقب ذلك من محاكمات شعبية سوف تطال الكثير من الرقاب بتهمة الخيانة العظمي ، فهي معركة وجود ، إما الشعب ، وإما النظام ، ودروس التاريخ تعلمنا أنه لا يوجد نظام انتصر للنهاية علي شعبه ، أو أن هناك شعوبنا اندثرت وبقيت الأنظمة ، إن الشعب في حالة انتظار تحت ضغط شديد للانفجار الوشيك ، الانفجار الذي لن يبقي ولن يذر ، ولن يمر كذلك بسلام ، وحينئذ لن ينفع النظام دبابة ولا الجيش مجتمع ولن ينفعه كذلك الأنفاق التي يقوم ببنائها مع القصور التي تشيد بأموال الشعب الجائع ، إن احتفاء الشعب بالمقاول الفنان ليس احتفاء بشخص ، وإنما بموقف ينتظره ليندفع خلفه ، أو يقلل من رصيد الخوف لديه ، أو يهدم الصنم الممنوع الاقتراب منه
لقد استطاع الفنان بكلمات بسيطة وجمل قصيرة أن يقدم مشروعا متكاملا للمشكلة والحل، فهو يتحدث في سرقات بالمليارات ، وينتقد التشييد والبناء في مقابل الحض علي المعرفة وتطوير الكتاب الجامعي وتطوير والتعليم والصحة ، استطاع أن يكسب قاطني العشوائيات بالإشارة إليهم واستهلاك الأموال الضخمة في بناء القصور والاستراحات الرئاسية دون الالتفات إليهم وإلي الطبقات الفقيرة والتي تزاد فقرا يوما بعد يوم
ربما لم يقدم محمد علي جديدا حتي الآن ، وربما كانت التسريبات التي خرجت بصوت رئيس جهاز المخابرات أقوي وأشد فسادا ، إلا انه استطاع أن يقدم خطابا جديدا علي أسماع الشعب المتعطش للنصر والبطولة والخروج من المحنة بأقل الخسائر ، كاميرا محمول ، وعبوة سجائر ، ووجه مصري مألوف ، استطاع أن يصنع حالة من الاهتمام الشعبي تنذر كل قوي المعارضة بما فيها التيار الإسلامي ، أنه إما عليكم أن تتبوءوا مكانكم المنوط بكم ، وتغيروا من ملامح خطابكم تجاه الشعب ، وترتبوا الصفوف وتوحدوا الكلمة ، أو أن انقلابا وشيكا سوف يخرجكم من الصورة إلي حيث لا عودة ، بعدما استطاع رجل واحد كان جزءا من تلك المنظومة أن يواجه وحده المماليك الجديد الذي قزموا دور مصر وأنهكوا العباد وباعوا البلاد .
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
