مؤتمر برلين انتصار جديد للسياسة التركية في ليبيا

لقد غير الموقف التركي المعادلة ومعطياتها بالكامل، وقلب كافة الموازين، وحرك الماء الراكد، وأصبح المجتمع الدولي فجأة مهتما بما يحدث في الداخل الليبي.

 

كان إعلان تركيا نيتها إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا لدعم ومساندة حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، مستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2259 الذي يعترف بشرعيتها ممثلاً  للشعب الليبي، وإلى بنود اتفاقية التعاون الأمني التي تم توقيعها بينهما، بمثابة القنبلة التي انفجرت وتناثرت شظاياها في كل مكان، محدثة ردود فعل متباينة على كافة الجهات الإقليمية والدولية، وهي نفس الجهات التي لاذت بالصمت المريب على مدى ما يقرب من تسعة أشهر، تجاه ما يرتكبه المتمرد خليفة حفتر من جرائم سعيا للاستيلاء على السلطة في ليبيا، وتنصيب نفسه حاكما لها رغم أنف الليبيين أنفسهم.

التهديد التركي والتصدي لأطماع حفتر في السلطة

اللافت في الأمر أن الموقف التركي الذي جرى انتقاده بكل عنف وشدة من كافة الأطراف الإقليمية والدولية، التي صنفته باعتباره احتلالا لأراضٍ عربية، أسفر سريعا عن وقف لإطلاق النار، بل ولرضوخ حفتر لمطالب العودة إلى طاولة المفاوضات، وفق البنود المحددة التي أسفر عنها مؤتمر برلين، والتي سعت إلى وضع الخطوط العريضة الرامية لإيجاد حل سياسي ينهي الصراع على السلطة داخل ليبيا، وهو الامر الذي لاقى ترحيبا إقليميا ودوليا.

 تحرك تركيا وإعلان دعمها الحكومة الشرعية، وسطوة الدبلوماسية الروسية وخشيته من سحبها للمرتزقة  الروس الذين تمده بهم شركة فاغنر الروسية، اجبر حفتر على الاستجابة لوقف إطلاق النار، تمهيدا لاتخاذ مسار التسوية السياسية طريقا وحيدا لإنهاء ذلك النزاع وحقن دماء الليبيين، وذلك رغم الصعوبات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التي واجهت طرفي مبادرة وقف إطلاق النار، ونقصد بذلك الجانبين التركي والروسي، خاصة مع محاولات خليفة حفتر التنصل من إبرام أي أتفاق يحد من قدرته على التحرك عسكريا على الساحة الليبية، لتغيير المعادلة السياسية على الأرض، بدعم من بعض القوى الإقليمية الداعمة له ولميليشياته لوجستيا وعسكريا، الرافضة الاعتراف بالحكومة الشرعية في ليبيا.

الموقف التركي وتغيير معطيات المعادلة

ليدرك حفتر ومساندوه أن الأوضاع على الأرض في ليبيا لم تعد كما كانت قبل قرار أنقرة، إذ أصبح الوجود العسكري التركي المحتمل قوة مانعة وحائط صد، يحول بينه وبين تحقيق أطماعه وأطماع من يقفون خلفه. قوة عسكرية وسياسية يدرك الجميع أنه من الصعب العبث معها أو محاولة تجاوزها، خصوصا وأن دعمها يأتي لحكومة شرعية تتمتع باعتراف المجتمع الدولي، وليس لكيان دخيل يسعى للسطو على السلطة عبر القوة العسكرية والعمليات الارهابية.

لقد غير الموقف التركي المعادلة ومعطياتها بالكامل، وقلب كافة الموازين، وحرك الماء الراكد، وأصبح المجتمع الدولي فجأة مهتما بما يحدث في الداخل الليبي، وبدأت الدول الإقليمية الحديث عن أهمية وقف المعارك والبحث عن حل سياسي للازمة، وهي الدول التي سبق أن اكتفت على مدى شهور طويلة بالتزام الصمت، والاكتفاء بمشاهدة محاولات حفتر غير المعترف به شرعيا وهو يسعى لتدمير الحكومة المعترف بها دوليا، ويرتكب في سبيل ذلك المجازر ضد أبناء الشعب الليبي.

التحرك الأوروبي ومحاولة تلافي الأخطاء في سوريا

بينما جاء التحرك الأوربي ممثلا في ألمانيا، التي أسرعت إلى الإعلان عن استضافة مؤتمر برلين، وتستعد خلال الفترة المقبلة لاستضافة أعمال الاجتماع الوزاري الذي سيبحث في آلية تنفيذ بنود الاتفاق.

لقد هدف التحرك الأوروبي الذي جاء في اعقاب التهديد التركي، إلى تلافي الأخطاء الدبلوماسية والسياسية التي ارتكبها الاتحاد الأوربي في الملف السوري، حيث نأى بنفسه عن القيام بدور أساسي هناك، مما مهد الطريق أمام كل من تركيا وروسيا اللذين  أصبح لهما الكلمة الأولى حاليا في ذلك الملف.

وهو ما أوضحته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريحاتها عن أسباب التحرك الأوربي في الملف الليبي، بقولها إن الأخطاء التي ارتُكبت في سوريا يجب ألا تتكرر في ليبيا. مشددة في الوقت ذاته على رفض أوربا اندلاع  حرب بالوكالة في ليبيا كما حدث من قبل في سوريا.

حتى الأمم المتحدة التي سبق لها أن أعلنت حفتر مجرمَ حرب، ولم تتخذ ضده أي إجراء يكفُل منعه من ارتكاب المزيد من جرائمه حفاظا على أرواح الليبيين، فجأة تحركت ودانته في تقرير لها صدر من مكتب أمينها العام بعد انتهاء أعمال مؤتمر برلين بعدة أيام، أكد ضلوع الرجل في ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، ويوثق صلته المباشرة بقصف مقر الكلية العسكرية بطرابلس، والغارة على حي السواني، ونادي الفروسية، والعديد من المجازر التي راح ضحيتها العشرات من المدنيين الليبيين.

وهي المجازر التي تطابقت في مجملها مع البيانات والاحصائيات التي سبق أن أعلنتها حكومة الوفاق، ولم يحرك المجتمع الدولي وقتها ساكنا!!!

وقف إطلاق النار، شرط لعدم إرسال قوات

اعلان الحكومة التركية امتناعها عن ارسال قوات عسكرية لها إلى طرابلس، والاكتفاء بالعدد المحدود من المستشارين العسكريين الذين تم ارسالهم بالفعل، والذي جاء مشروطا بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار على الأرض، ، أثبت بوضوح لكل ذي عينين طبيعة نيات أنقرة تجاه ليبيا، فقرار ارسال قوات كان الهدف منه حقن الدماء، ووقف الحرب، ودعم الحكومة الشرعية ضد المتمردين بقيادة خليفة حفتر، وبذل الجهود السياسية والدبلوماسية من أجل التوصل لقرار وقف إطلاق النار، والعمل على استئناف العملية السياسية وبدء حوار بين الأطراف المتصارعة لإيجاد حل سياسي للازمة بدعم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وهي العملية التي سبق التوافق بشأنها في اتفاق الصخيرات قبل أن ينقلب عليها حفتر سعيا للاستيلاء على السُلطة بقوة السلاح.

أما الحديث عن كون الهدنة المعلنة في ليبيا هشة، وإن انفجار الوضع لايزال أمرا محتملا في ظل استمرار المتمرد حفتر والمرتزقة المقاتلين إلى جواره في خرق وقف إطلاق النار، وبخاصة في منطقة محور الخلاطات بهدف السيطرة عليها، فهو أمر تنظر إليه تركيا بكل جدية، إلا ان عدم تطور الأوضاع، أو حدوث تغييرات تذكر في المعادلة على الأرض، يجعلها ملتزمة بالمراقبة، تنفيذا لبنود اتفاق برلين، مع العمل دبلوماسيا على ترسيخ وقف إطلاق النار وتثبيته، من أجل إحلال السلام وعودة الاستقرار إلى ليبيا، وإعلان استعدادها للتدخل فورا إذا لزم الامر .

اتفاق برلين وانتصار جديد للسياسة التركية

لقد حققت انقرة إذا انتصارا جديدا لها يحسب لها في ليبيا، فبعد أن نجحت في إفشال محاولات استبعادها من الحصول على حصتها في ثروات شرق المتوسط، عبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بينها وبين ليبيا، يأتي انتصارها هذه المرة من خلال وصولها إلى كل ما سعت لتحقيقه من أهداف سياسية تمثلت في الحفاظ على مكانة حكومة الوفاق ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الليبي، وأجبرت المجتمع الدولي بكامله على التحركِ وبذلِ جهودٍ  أكبر للعودة إلى المسار السياسي التفاوضي عوضا عن الحرب، بل وإجبار المتمرد حفتر على الرضوخ والقبول بما اسفر عنه مؤتمر برلين من بنود تصب في مجملها لصالح الحكومة الشرعية التي تدعمها أنقرة.

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان