العراق.. من يملأ الفراغ

بين جملة متناقضات لم يغادرها العراق منذ احتلاله أمريكيا عام 2003   تعود آلة تدوير الحدث العراقي للعمل على إنتاج عوامل الصراع والصدام من جديد. تلك العوامل التي لم تغادر العراق واقعا بقدر ما كانت طرق إخفاء تلك العوامل خاضعة لمنطق (القوة والقهر) بقبول ما لا يمكن قبوله إلا بهما.

منذ ذلك الحين كانت الإشارة الأمريكية واضحة عندما فوضت نفسها بديلا للمجتمع الدولي ومقررا لمعيار التمييز في مفهوم الأمن والسلم الدوليين جاعلة الشرعية الدولية في مهب الريح باحتلالها العراق، لتأسس بذلك مرحلة جديدة من التعاملات الدولية المضطربة والمتناقضة في محيط وطبيعة العلاقات الدولية، ذلك الأمر الذي أتاح لها ولكثير غيرها بالتبعية والتقليد لاختيار وتنويع صفات وجودها على ارض الرافدين، ذلك الوجود غير المحدد بشرط أو منطق ما جعلها تتحكم بمنظومة إدارة العراق سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

السياسة الأمريكية تجاه العراق منذ احتلاله دائما ما تدور في أجواء تعّمد خلق الأزمات وإحداث الفراغ الأمني الذي تدرك من خلاله أنها الأكثر قدرة على ملئه بشروط أقسى من سابقاتها لفرض المستحقات التي استنزف  بها العراق والمحيط الإقليمي.

متحولات كثيرة كانت مصاحبة للوجود الأمريكي في العراق منذ بداياته ولعل ذلك كان واضحا من خلال الدخول الإيراني على الساحة العراقية بما يشبه الاحتلال داخل الاحتلال فقد تمكنت إيران من الدخول على خط استثمار الأزمة عبر اتجاهات مختلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا ومجتمعيا. فيما بدا الأمر مختلطا في تفسير هذا الدخول الذي يرى فيه الكثيرون أنه جاء على قاعدة التوافق الضمني مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال بعض المخرجات التي ضاعفت الألم والجراح لدى العراقيين الذين وجدوا أنفسهم على مدار سني الاحتلال أنهم مطوقون سياسيا بجملة الأحزاب التي تدين بمرجعيتها الى إيران بالتوازي مع منظومة أمنية وعسكرية ليس للعراق منها إلا الاسم.

الصراع بين إيران وأمريكا:

وفي وجهة النظر الأخرى بدا الصراع واضحا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على عدة ملفات، أهمها الملف النووي الإيراني الذي ترى فيه أمريكا استحالة التقدم الإيراني فيه لتخضعها الى جملة عقوبات اقتصادية يبدو أنها أثقلت إيران لكنها لم تمنعها من المناورة في هذا الملف. يضاف ذلك الى استغلال إيران الأرض العراقية بل القرار العراقي بجعل العراق ساحة مفتوحة للميليشيات الإيرانية أو التنظيمات المسلحة العراقية التابع جزء منها للتوجهات الإيرانية بما يعرف بالحشود أو بالميليشيات التي أثبتت الوقائع أنها خارجة عن سيطرة المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية الهشة التي أنشئت بعد الاحتلال تحت رعاية وإشراف وتدريب القوات الأمريكية التي تركت في هذه المؤسسة العلل الكثيرة.

المشهد العراقي إذن من الاحتلال الى التطويع السياسي الى الحروب المتداخلة في أوضاعها وأشكالها الى الحرب على الإرهاب الذي اتخذ من العراق ساحة له بعد أن تركته الولايات المتحدة الأمريكية مسرحا للتدخلات الإقليمية.  

المنعطف الخطير هذه المرة يتمثل بحادثة مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني المسؤول عن العمليات العسكرية والعمليات السرية خارج الحدود الإقليمية لإيران إضافة الى مقتل أبو مهدي المهندس نائب القائد العام للحشد الشعبي العراقي الذي كان في استقباله. في غارة لطائرات أمريكية مسيرة عند احدى بوابات الخروج من مطار بغداد الدولي.

 كل شيء ذاهب الى التغيير وفرصة الصدام هذه المرة بدت تجلياتها واضحة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. وحتما ستكون المواجهة ابتداء على أرض العراق باعتبار أدوات التوغل متاحة لكلا طرفي الصراع.

تمتلك إيران القدرة على استغلال علاقاتها في المحيط السياسي العراقي إضافة الى تشكيلاتها المسلحة على خط الأزمة من طهران الى بغداد الى دمشق وبيروت وهذا ما لا يخفى على الولايات المتحدة الأمريكية التي أدركت عمق الأثر الإيراني في المنطقة التي تعتبرها واشنطن مركز فاعلياتها الاستراتيجية لتثبيت حالة تفوقها العالمي من حيث السيطرة على الشرق الأوسط بقيمته الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية.

ويبدو أنه لا خيار أمام إيران تجاه حادث مقتل قاسم سليماني إلا بالرد، مع الوقوف أمام طبيعة وشكل هذا الرد لاعتبارات تتعلق بطبيعة الدور والسياسة الإيرانية داخليا وخارجيا وقد وضعتها أمريكا هذه المرة باختبار عسير ضمن نطاق أزمة غير مسبوقة، نعتقد أن إيران غير قادرة على الرد باستخدام الأدوات الخشنة فحلف الناتو والقوات الأمريكية ومواقف بعض الدول الأوربية جميعها مستنفرة لحدث مرتقب من خلال عمليات التحرك والتأهب وإعادة الانتشار للقوات الأمريكية والأجنبية بالشرق الأوسط. تحسبا لهجمات إيرانية بعد تقارير ومعلومات استخباراتية أمريكية تفيد بأن إيران حركت معدات عسكرية خلال الأيام الماضية لتأمين تلك الأسلحة من ضربة أمريكية محتملة أو وضعها في مواقع مناسبة لشن هجمات.

الموقف العراقي:

الجانب الأمريكي يؤكد أن كل بطاريات “باتريوت” والقوات الموجودة في المنطقة في حالة تأهب قصوى تحسبا “لهجوم إيراني وشيك على مواقع أمريكية في كل من السعودية والأردن والعراق والكويت والإمارات.

فيما أعلن الناتو إعادة نشر بعض عناصره الموجودين في العراق بصورة مؤقتة، بعد تعليق مهمته في تدريب القوات العراقية والأمر مشابه في موقف بريطانيا ورومانيا وألمانيا وفرنسا وكندا التي أعادت جميعها وغيرت أماكن تموضعها بالانتقال الى الدول المجاورة للعراق أو بشكل إحاطات أمنية لبعض قوات القوات الدولية التي بقيت داخل العراق.

يبقى هنا الموقف الإيراني مضطرا حفاظا على توازن النظام الحاكم بالاتجاه الى خطاب الداخل الإيراني أكثر من الخارج. حيث نعتقد أن إيران ستعتمد الخطاب الأكثر دبلوماسية مع المحيط الدولي. لأن الرسالة الأمريكية كانت واضحة كاشفة عن قدرة استخباراتية وميدانية واضحة من خلال تعقب أهم شخصية إيرانية وقتله حيث يعد قاسم سليماني الشخصية الإيرانية الأهم بعد مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.

أما الموقف العراقي فلا نعتقد أن هناك خيارات متاحة للمناورة إلا بترجيح كفة المصلحة العراقية التي تتطلب عدم الانجرار والنأي بالنفس عن أي موقف لا تتحمله الحالة العراقية التي تخضع لتصدعات سياسية كبيرة في نظام الدولة الهش تحت حكومة تصريف أعمال وبرلمان غير منسجم يصاحب ذلك وجود انتفاضة مطالبة بالتغيير وقد تعرضت للتراجع بعد حالة خلط الأوراق داخل العراق ونذر الحرب المحتملة. هذا الأمر الذي وجه سهام النقد للبرلمان العراقي بمصادقته على قرار المطالبة بخروج القوات الأمريكية المرتبط وجودها شكلا وقانونا باتفاقية أمنية وقعتها الأحزاب والكتل السياسية العراقية نفسها عام 2008 مع الجانب الأمريكي. وتعد هذه المعاهدة أو الاتفاقية الأمنية من المعاهدات غير المتكافئة وقد احتوت على فقرات ومواد مكبلة للعراق وتجعل من أمريكا سيدة الموقف والتصرف بالأرض العراقية وهذا ما بدا واضحا من خلال الرد الأمريكي السريع عن الاستعداد للانسحاب من العراق لإدراك أمريكا بأن الحالة الأمنية العراقية هشة ولأنها تدرك وتجيد لعبة خلق الفراغ الأمني في حال تأكدت أنها الأكثر قدرة على ملء ذلك الفراغ ما يدفع الحكومة العراقية للاستنجاد بالجانب الأمريكي مرة أخرى وبشروط أقسى خصوصا مع إدارة ترامب الذي كثيرا ما ردد عبارة (العراق ليس دولة).

شرعنة القوانين

الولايات المتحدة الأمريكية (تشرعن) القوانين بحسب تحركاتها. ولا تتحرك بموجب مشروعية القوانين. أمريكا قادرة على التحرك عالميا بموجب قانون ملاحقة الإرهاب في أي بقعة من العالم، في الوقت الذي تستحوذ هي وحدها على تصنيف من هو إرهابي من غيره. وهي قادرة على التحرك عسكريا خارج أرضها بموجب قانون حماية المصالح الأمريكية. وهنا يبقى التساؤل قائما عن مدى إلزامية الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية العراقية مع أمريكا التي لا تعدو كونها أكثر من صورة من صور الاحتلال. ولا تزول ألا بزوال الظروف التي أنشأتها.  وأعتقد أن ذلك غير متوفر في طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين أمريكا والعراق، إذا ما علمنا بأن الاتفاقية الأمنية تتضمن مواد وفقرات خطيرة وقع عليها السياسيون العراقيون تتيح لأمريكا جملة أفعالها ومنها.

  • “يحتفظ الطرفان (العراقي والأمريكي) بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق كما هو معرف في القانون الدولي النافذ”… وقد ادعت أمريكا أن “قاسم سليماني والحشد الشعبي تسبب بمقتل جنود ومتعاونين أمريكيين على أرض العراق”.
  • للحكومة العراقية أن تطلب من قوات الولايات المتحدة تقديم دعم مؤقت للسلطات العراقية في القيام بمهمة مراقبة المجال الجوي العراقي والسيطرة عليه. وهنا تصرفت أمريكا بحكم السيادة الجوية في تنفيذ عملية قتل سليماني والمهندس وقصف معسكرات الحشد الشعبي.
  • “لا يجوز استخدام أراضي ومياه وأجواء العراق ممراً أو منطلقاً لشنّ هجمات ضد بلدان أخرى”… وهذا ما أعطى المبرر لأمريكا لتنفيذ عمليتها على اعتبار أن قاسم سليماني هو قائد العمليات العسكرية الإيرانية خارج إيران المتدخلة عسكريا في شؤون الدول المجاورة.

الأمر يعيدنا الى فكرة العنوان بأن الساحة العراقية تنطوي على الكثير من الهشاشة ومساحات من الفراغ الأمني كنتيجة طبيعية لفعل الاحتلال الأمريكي الذي جعل من نفسه الفاعل الحقيقي والمنفذ الأكثر قدرة على تطبيق السياسة المزدوجة المتمثلة في خلق الفراغ وإعادة ملئه ولكن بشروط أقسى.

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان