وحدة الصف.. بين من؟ وفي مواجهة من؟

وحدة الصف يا سادة وسيلة لتحقيق هدف يتعلق بمصير الوطن وليست مجرد شعار نتزين به في حفلات ترانيم الهزيمة. أفيقوا وارحمونا وارحموا الوطن.

 

«وحدة الصف»، شعار يتفق عليه الجميع وينتهكه الجميع، ولا تطبقه وتلتزم به إلا الأنظمة الحاكمة الفاسدة في مواجهة شعوبها الواقعة تحت هيمنة نخب متفرقة تقدم مصالح المجموعات عن مصالح الشعوب.

ومن أجل هذا ودون جلد ذات، نحن شعوب الوطنية عندها حالة ذاتية عاطفية وليست قيم وقواعد عامة ملزمة تشكل مظلة لحمايتها هي والأوطان من شطط وفساد الأقليات الحاكمة الباغية.

والكلام والتفسير والدلالات على ما أقوله هو حديث مؤلم قد يحزن منه البعض وقد يغضب منه البعض، وقد تنحرف نتائجه من الرغبة في وحدة الصف إلى مبرر لمزيد من الفرقة.

ولهذا أستسمح القراء والمسؤول عن نشر المقالات على موقع الجزيرة مباشر عذرا، لأنني في هذا الموضوع سأخرج عن قواعد الكتابة التقليدية للمقال إلى ما هو أقرب للمشاهدات والملاحظات والتساؤلات أو لأي شكل آخر من أشكال الكتابة.

مشاهدات مؤرقة

بدأت التفكير فيما أكتبه عندما شاهدت مثل الملايين من المصريين الذين يتابعون قنوات المعارضة في الخارج، حلقات من برامج موضوعها تراشق بين اثنين من الإعلامين المعارضين تبادلا فيها السباب في موضوعات لا تتعلق بالحالة المصرية ولا بموقف من النظام المصري، واندهشت لأن الواقع يقول إن قنوات المعارضة في الخارج أُنشئت بهدف تبني وجهة نظر المعارضين للنظام الحاكم ويعمل بها المضطرون للهجرة السياسية هربا من بطش النظام، هذا ما نعلمه، ولهذا فالمتوقع ألا تحيد هذه القنوات عن الموضوعات التي تتعلق بالشأن المصري والأزمات المتصاعدة داخل المجتمع المصري، وخاصة أن لها جمهورا كبيرا داخل مصر من العازفين عن مشاهدة الإعلام الرسمي لعدم موضوعيته وجديته، وهربوا لقنوات المعارضة في الخارج لعلهم يعلمون منها الحقائق، ولهذا لكم أن تتصوروا مدى الإحباط الذي يمكن أن يصيب المتابعين بعد أن يكتشفوا أنهم محاصرون بين إعلام رسمي منحاز وكاذب وإعلام معارض في الخارج مشغول بمشكلات وصراعات ليس لها أي علاقة بهم ولا بهمومهم.

ولكن سأتوقف قليلا حتى لا تحمل كلماتي مبالغة في تحميل هذه القنوات المسؤولية عن حالة قديمة جذروها ضاربة في المجتمع المصري منذ زمن بعيد على نحو ما سنرى.

وحدة الهلال والصليب لماذا؟

وحدة الصف ليست شعارا ثابت الهدف بل هي شعار يحمل مضمونا ثابتا لأهداف مختلفة بحسب الوقائع المحيطة، فعلى سبيل المثال كنت لفترة طويلة أتبنى رأيا نقديا رافضا لشعار: «يحيا الهلال مع الصليب» الذي رفعته الجماهير المصرية أثناء ثورة 1919 في مواجهة الاستعمار البريطاني، باعتباره خلط الطائفية الدينية بالعقيدة بالسياسة، وباعتبار أن السياسة موقف يتعلق بالوطن وليس بالعقائد وباعتبار أن تحرير الوطن من الاحتلال هو موضوع المصريين بصفة عامة وبصرف النظر عن اختلاف عقائدهم ومعتقداتهم وديناتهم، ولكن بمناقشة صديق لي أكثر تعمقا في دراسة الحالة المصرية توصلت لأهمية هذا الشعار وهذه الوحدة في ذلك الوقت وفي تأكيد على أن وحدة الصف أمر يتعلق بحسابات الفترة الزمنية واحتياجاتها وهو الدرس الأول الذي يجب أن نعلمه ولا نتجاهله .. 

في النقاش بيني وبين صديقي والذي دعمناه ببعض القراءات في مراجع تاريخية حول هذه الفترة تبين أن ثورة 1919 ضد المستعمر البريطاني اندلعت والحالة الطائفية في مصر معقدة منذ فترة الحملة الفرنسية (1791- 1801)، ولم يكن هناك وئام بين المسلمين والأقباط كما يتصور البعض رغم أن كلاهما كان رافضا للاستعمار الفرنسي، وهنا مربط الفرس، واقصد تقديم الخلاف العقائدي على وحدة مواجهة العدو، ويذكر الجبرتي في تاريخه «في إحدى المرات التي خرج فيها شعب مصر يهتفون ضد الحملة الفرنسية، اجتمع العامة مع الأتراك والمماليك وصاح أحدهم «اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم»، فانطلق العامة يرددونها، ويقتلون مَن يصادفهم من نصارى مصر والشام»!!! في حين أن جرجس جوهري أحد كبار الأقباط مدفوعا بحسه الوطني الرافض للاحتلال الفرنسي كان يعاون الثوار بما يملك من مال، كما أنشأ المعلم يعقوب أول جيش من القبط لمحاربة المماليك، ولكن ظل المصريون منقسمين إلى رافدين الأقباط والمسلمين حتى لو اتفقوا في المواقف الوطنية.

كان هذا الوضع الذي استمر حتى ثورة 1919 وهو ما اكتشفه الإنجليز وأرادوا أن يدعموه ويغذوا الفتنة بين الأقباط والمسلمين لكي يسهل لهم السيطرة على مصر ووقف أي احتمال لمقاومتهم، وهو بالضبط ما فعلوه في الهند.

ومنذ بدء الاحتلال الإنجليزي لمصر لم تتوقف إدارة الاحتلال عن محاولات بث الفرقة بين المصريين فحاولوا إقناع الأقباط أنهم أقلية وانهم يحتاجون الحماية، وهو ما رفضه الأقباط في تأكيد على دورهم في مواجهة الاحتلال البريطاني، وظلت ألاعيب المحتل مستمرة للوقيعة بين المصريين، وكانت طوال الوقت تقابل بالفشل، حتى ثورة 1919 فكان لا بد من توجيه رسالة قوية للمحتل توقف محاولته لتفريق وحدة الشعب المصري وهنا ظهر شعار «يحيا الهلال مع الصليب» متجاوزا كل الخلافات العقائدية ومقدما هدف واحد هو تحرير الوطن وهو ما عبر عنه القمص مرقس سرجيوس خطيب ثورة 1919 قائلا «إن مصر وطن بجناحين هما الهلال والصليب، ولكن بقلب واحد وهو مصر، وإذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم في مصر، بحجة الدفاع عن المسيحيين فنحن لا نريدهم ولا نحتاج دفاعهم عنا». وهذا ما أكده أيضاً، الزعيم سعد زغلول، قائلا:”رصاص الاحتلال عند ضرب المصريين، لا يفرق بين مسلم ومسيحي“.

وهنا أتوقف وأخرج من المشهد التاريخي الذي تجاوز فيه المصريون عن كل خلافاتهم العقائدية لمواجهة عدو يوجه رصاصاته تجاه صدور وقلوب المصريين، وانتقل لواقعنا المؤلم لشعب ونخب سياسية معارضة تواجه نظاما فاشيا مستبدا قاتلا ناهبا لخيراتهم ومدمر لمستقبلهم، بتقديم الخلاف بينهم ما بين إسلامي وقبطي وعلماني وإخواني وشيوعي وناصري.

فرق تسد

وسياسة فرق تسد يا سادة ليست مجرد سياسة استعمارية ساذجة ولكنها استراتيجية وسلاح يلعب به لاعب ماهر، ولنا تجربة محلية في هذا الأمر وللأسف لم نستفد منها ووقعنا في الشرك ولُدغنا من الجحر مرتين وما زلنا على درب الخيبة سائرون على نحو ما سنرى

قبل عام 1952 وتحديدا في الفترة ما بين 1919 و1952، شهدت الحياة السياسية في مصر حالة نشاط وطني واضحة وكانت كلها تستهدف تحرير الوطن من الاحتلال الإنجليزي وانتقاد النظام الملكي الحاكم، وأفرزت هذا النشاط تشكيلات سياسية كثيرة منها الوفد والأحرار والدستوريين والإخوان المسلمون والشيوعيين ومصر الفتاة والحزب الاشتراكي المبارك وغيرهم، وربما يرى بعض المحللين أن هذه التعددية وكثرة الأحزاب أحد علامات الديمقراطية أو دلالة على ديمقراطية الحكم، ولكن في الواقع المصري لم يكن الأمر كذلك، فالتعددية الديمقراطية السوية هي التي تكون وسيلة لتوازن المجتمع وضمان لرقابة الشعوب على مصالحها وهنا يخضع لثوابت تقدم مصلحة الوطن عن مصلحة المجموعات والأحزاب، فعلى سبيل المثال التنافس الشديد بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة لا يعيق اتفاقهما على ثوابت الحفاظ على قواعد الديمقراطية وتبادل السلطة وحدود سلطات الحاكم وضمان دستورية كل القرارات والقوانين، وهنا يكون التنافس وتداول السلطة مجرد وسائل لتحقيق هذا الهدف.

نعود إلى الحالة المصرية قبل عام 1952 فقد كانت هذه الكثرة في الجماعات والأحزاب تعبير عن فرقة وصراعات شرسة ليس لها تأثير فعلي على الأهداف العامة المتعلقة بتحرير الوطن أو تغيير نظام الحكم، لهذا ظلت كل نضالات المصريين في مواجهة الإنجليز والقصر مجرد مشاهد بطولية ومناورات انهكت الشعب، ولم يحدث التغير الفعلي إلا عام 1952 عندما أدرك الضباط خطورة هذا التناحر بين الفرق والاتجاهات المختلفة، وأدركوا خطورة ذاتية هذه الجماعات فتحالفوا مع كل منها على حدة وحيدوها، وتهافتت كل الاتجاهات وهرولت تجاه العسكر في الخفاء وتوهم كل منها أن العسكر هم الطريق المضمون للوصول للسلطة والانتصار على الاتجاهات الأخرى، حتى أسقط تنظيم الضباط النظام الملكي بمباركة كل الاتجاهات والفرق المتناحرة، واستولوا على الحكم، ثم قضوا على كل الاتجاهات السياسية وقيدوا حركتها وألقوا بمعظمها في السجون في مشاهد مشابهة لما فعله محمد علي مع القيادات الشعبية المصرية والمماليك قبل ذلك التاريخ بمائة وخمسين عاما، ومشابهة أيضا لما حدث بعد هذا التاريخ ب59 عاما، وأقصد عام 2011، والشاهد هنا أن التغيير لا يحدث إلا بوجود إرادة موحدة تشكل هدف رئيس يتجاوز كل الخلافات الإيدلوجية والعقائدية والفكرية والتي مكانها الطبيعي خدمة هذا الهدف ودعمه وليس إعاقته كما يحدث الآن.

وحدة الصف يا سادة وسيلة لتحقيق هدف يتعلق بمصير الوطن وليست مجرد شعار نتزين به في حفلات ترانيم الهزيمة. أفيقوا وارحمونا وارحموا الوطن.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان